عدد القراءات: 5225

الشريعة بين السيادة والسلطة، بين أن تُرفض قسراً، أو تُفرض جبراً؟

المسؤولية الدينية مسؤولية فردية (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) النساء(123-124)،  والخلاص  الذي يريده المسلم خلاص أُخروي، وكل مايتبع من مسؤوليات اجتماعية هي في جوهرها اشتقاقات واشتراطات لضمان الخلاص الفردي أولاً ثم الجماعي بالتسبب. 
الدين  قدر مجتمعنا الثقافي وحالته الحضارية، فلا يتصور احتجازه في منطق الجماعة أو الحزب لأن المنجز الفردي أو الجماعي حالة تدين وتطبيق ( حالة إنسانية أو إجتماعية تخضع للوسع ).
نحن نعيش الدين اجتماعياً كحالة إيمان عام ملتزم بالنص، ونعيشه كحالة تاريخية وكذلك واقعاً في مجتمعنا الحالي، نمارسه بتطبيقات موزعة بين الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات؛ تقسيمات متفاوتة الكميات ومختلفة التمظهر وجميعها لا تفقده الإسلامية بمدلول القرآن ( ثم  أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) فاطر 32،  يرافقه الإعتراف بقلة السابقين في الخيرات إحصائياً في كل النماذج المحتملة.
نحن لسنا مجتمعاً جاهلياً أو مرتداً ينبغي نقضه، ولكننا يمكن أن نكون مجتمعات معصية، أو مجتمعات معطِلة لأحكام الله لأسباب مختلفة، أو مجتمعات متوقفة عن التنفيذ لعدم توفر الشروط، ومع قصورنا هذا، سمّانا القرآن ( الذين اصطفينا من عبادنا). 

بين السيادة والسلطة
هناك  فرق بين السيادة والسلطة، السيادة قائمة في صلب بناء الأمة الإيماني، وهى جزء لا يتجزأ منه  (السيادة للشرع) (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) الأحزاب (36). هذه السيادة لا تحتاج إلى سلطة لتنفيذها إلا سلطة ضمير المسلم وتدينه، باستثناء مساحات محدوده  ( القانون الجنائي والإمامة)، فالشريعة بالمصطلح القرآني لا تعادل الحدود والسلطة وإنما تعادل الدين كاملاً (الإيمان والعبادة والأخلاق والمعاملات)، فلم يعد مبرراً حصر الشريعة في الحدود، وجعل التديّن خطاب سلطة أو جماعة في الوقت الذي هو خطاب مسؤولية وسلطة ضمير بالدرجة الأولى. 
السيادة للشرع  حالة موضوعية توصّف وتكوّن إيمان الأمة. يمكن تواجد مرحليات وتطبيقات تتفاوت بتفاوت الوسع والتقوى وقوانين المصالح والمفاسد، ولكنها واقعياً وتاريخياً تبقى تجارب ضمن الممكن الإسلامي، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) النور(٥٥).

ربما يكفينا كمسلمين اليوم أن يلتزم الدستور بعدم  مخالفة القواعد العامة للشريعة حتى لا يتناقض القانون مع مفهوم السيادة والإيمان، إن الإيمان والعمل الصالح شرطان مسبقان لأية عملية تمكين تنتهي باستخلاف ينتهي بسلطة لتسد ماتبقى من مساحة غير مشغولة بالنص القرآني.

 

الاشتباك بين الديني والمدني

كل تجارب الربيع العربي تُظهر أن الاشتباك بين الديني والمدني هو جوهر المسألة الدستورية الشائكة وأُس الخلاف، وأن استلهام الحلول الليبرالية والعلمانية بحذافيرها لمعالجة هذا الاشتباك كارثي بكل معنى الكلمة، كذلك فإن العمل لتثبيت السلطة الدينية بدون وعي وتمكين واستخلاف كارثي أيضاً.
لا بد من احترام الخصوصية الإسلامية، والدخول في حوارات إسلامية إسلامية، وإسلامية مع الآخر لاجتراح الحلول، هذا يتطلب زمناً وصبراً  وموضوعية، والجدل بالأحسن، وتوافقاً على الإيمان والعمل الصالح  كمنصة انطلاق وانعتاق .
أعمال  الرسل صلوات الله عليهم، والذين يشكلون النماذج القرآنية الواجب تتبعها، تتفق جميعها على أن التديّن يبدأ بحالة وعي ودعوة، وأن جهودهم لم تكسر قانون السلم الأهلي في يوم ما، ولم ترفض العمل الصالح  ولم تمارس العنف والسلطة من داخل المجتمع، وأن القوة لم يتم العمل بها إلا بعد تشكيل الدولة وفي صراعات خارجية أو حالات الخيانة والخروج على القانون، منها من كُتِب لها النجاح وأخرى لم توفق، هناك من أسس لدولٍ كأنبياء بني إسرائيل، ومن شارك الحكومات الكافرة في منصب وزاري (اجعلني على خزائن الأرض ) كسيدنا يوسف عليه السلام،  ومن بنى نموذجاً حضارياً ومارس الدعوة من خلا ل توظيف الفروق في درجة الرقي كما حصل في حالة سيدنا سليمان مع الملكة بلقيس، وهناك من أسس دولة مستقلة صنعت أمة وحضارة كسيدنا  محمد صل الله عليه وسلم، مما لا شك فيه أن توفر السلم الأهلي والحريات عناصر ضرورية لا ستكمال نشر الوعي وممارسة الإيمان والعمل الصالح ثم لتثبيت التمكينات المختلفة التي تشكل المنصة الأساس والتي ستنهض عليها الحالة الإسلامية المنشودة، على اعتبار أن الإيمان تحركة مزدوجة من ذراعي الوعي والعمل، قوتان متغيرتان وفي صيرورة دائمة، مما يعني أن الشدة  المتولدة عنهما والقاسرة للشكل الاجتماعي والفردي متبدلة القيمة ومتشكلة باستمرار، وبالتالي فإن تواجد المعاصي وعدم اكتمال التطبيقات، والمراوحة والصعود والهبوط حالات تشرح الإسلامية بين النقص والتكامل ( الإسلام، الإيمان، الإحسان ).
إن سلب الصفة الإسلامية من المجتمع  بسلب مفهوم السيادة يُعد مدخلاً لحرب أهلية، ومتوالية لاشتقاق وتكاثر الجماعات التي ستدعي التمثيل والمرجعية وتنافس الدولة والمجتمع على الدين والتدين، لتكن السلطة منجزاً توافقياً ولتأخذ المحتوى والمظهر التي يسمح به إطار المصالح والمفاسد باشتراطات  العمل الدنيوي الصالح وبالحد الأقصى من الوسع (لايكلف الله نفساً إلا وسعها)  مع الالتزام بحدي (أتقوا الله ما استطعتم)  (واتقوا الله حق تقاته )، هذا العمل هوالطريق إلى تكديس المدخر الديني والدنيوي ولتطوير الوعي والعمل والاقتراب من التمكينات .

علِّق