السيارة الخاصة.... حلم أمريكا الذي يفلس

لا شيء أكثر دلالة اليوم من السيارة الخاصة على صعود أمريكا وتراجعها. فقد سعت الدوائر الأمريكية لأن تجعل من السيارة الخاصة رمزاً لعظمة أمريكا والرفاه الأمريكي والفردية الأمريكية التي يقدسونها في مواجهة ما هو جمعي. وولع الأمريكيين بالسيارة التي يفضلون استخدامها على استخدام النقل العام الجماعي، أدى لانتشار خدمات "وأنت بالسيارة" فهناك مطاعم ومصابغ تنظيف وصيدليات وبنوك تقدم خدماتها للأمريكي وهو في سيارته دون أن يهبط منها.

لم تكن السيارة اختراعاً أمريكياً في الأصل. فعام 1876 صنع الألماني نيكولاس أوتو أول محرك احتراق داخلي عملي في العالم، وعام 1893 ابتكر مواطنه الألماني الآخر "فيلهلم مايباخ" ما يسمى المكربن “carburetor” الذي كان القطعة الأخيرة اللازمة لصناعة عربة لا تحتاج لحصان لجرها، وبعدها بدأ كثيرون بتصنيع السيارة يدوياً في ورش الحدادة.

لعبت السيارة في طريقة الحياة الأمريكية وظيفة أيديولوجية؛ فهي وفق إيديولوجيتهم "تسهم في تسهيل العزم على الفعل لدى المرء، وفي حرية حركته، وتوجيه نفسه بنفسه، والشعور بالخصوصية لديه، واختيار وقت الوصول إلى الوجهة المقصودة، والسيطرة على البيئة المجاورة مباشرة، وهي لبّ الفردانية الأمريكية" وبحسب المحلل المحافظ "جون براغ " فالسيارة لديه هي أعظم رمز معاصر للحرية الأمريكية.

في فترة الحرب الباردة، وبينما ركز المعسكر الاشتراكي السابق على تأمين النقل العام "المشترك" والمسكن والتعليم والصحة وفرص العمل للجميع، ركزت أمريكا على مظاهر الرفاه والترف، واستخدمت السيارة للدعاية "كرمز للرفاه والحرية". ولعبت السيارة الفاخرة دور البطولة في كثير من أفلام هوليود وفي مسلسلات التلفزيون. وهوليود هي إحدى المؤسسات الرئيسية للترويج لنمط الحياة الأمريكية والقيم الأمريكية، مثل فيلم "الطريق 66" الذي بدأ عرضه في تشرين الأول 1960 وكانت السيارة "شيفروليه كورفيت" هي بطلة الفيلم يستقلها شابان يجوبان بها أرجاء الولايات المتحدة ينشدان اللهو و المغامرة.

 

السيارة تغير نمط الحياة:

لعبت السيارة أدواراً متعددة ومركبة في تغيير كبير  في نمط الحياة في أمريكا -كما في غيرها من البلدان-فسرعة السيارة شجعت الناس للخروج من البيوت والذهاب بعيداً للزيارة وللسهر أو التبضع أو الاستجمام، كما أن سرعتها غيرت أيضاً من شكل الإعلان من نص طويل إلى نص قصير  ببضع كلمات ولوغو ورسومات واضحة، و مكنت الناس من السكن بعيداً عن مكان العمل وشجعت الانتشار بعيداً عن خطوط سكك الحديد، وذلك بعد أن شجع إنتشار سكك الحديد منذ قيامها قيام تجمعات سكنية ممتدة على طولها وبالقرب منها، وبالتالي شجعت على قيام الضواحي قرب المدن، وشجعت ظاهرة "السكن في الريف والعمل في المدينة". ومكنت الناس من الوصول إلى الأسواق البعيدة، فقضت على احتكار الأسواق القريبة، ومكنت من الشراء من المتاجر الكبيرة البعيدة التي تحتوي على كل ما يحتاجه المستهلك. وهذا ما ساعد على قيام متاجر المفرق الكبيرة "السوبرماركت" و "الهيبرماركت" وكان هذا على حساب الحوانيت الصغيرة القريبة. فكان هذا لصالح كبار رجال الأعمال ضد الفئات الوسطى والصغيرة، وكل هذا شجع نمو المدن على حساب الريف. وعام 1920 أصبح سكان المدن في أمريكا أكثر من سكان الريف لأول مرة في التاريخ.

ومع تقدم انتشار السيارة تراجعت الحاجة للخيول والعربات لأول مرة بعد خمسة آلاف عام من اختراع العربة الذي تم في سورية القديمة. فتراجع الطلب على الخيول والبغال وعلى مستلزمات صناعة العربات ومستلزمات الإسطبلات وتراجعت الحاجة إلى هذه المهن، بينما تقدمت الحاجة لمهن قيادة السيارة وإصلاحها وخدماتها وازدادت محلات بيع مستلزماتها، كما تراجع الطلب على أعلاف الخيول والبغال فتحولت الأرض التي كانت تنتج هذه الأعلاف إلى زراعات غذاء البشر مما ساهم في ظهور فائض الأغذية.

 

سيارات أكثر وأكبر:

وضمن النهج الأمريكي، شجعت شركات السيارات وشركات النفط "الولع الأمريكي بالسيارات الكبيرة" فانعكس هذا في ارتفاع أعداد السيارات الكبيرة الشرهة للوقود. عام 1900 تم صنع 4 آلاف سيارة في أمريكا. عام 1901 تم صناعة السيارة التي تسير بالبنزين وعام 1905 افتتحت أول محطة بنزين للسيارات.

عام 1960 صنفت مجلة فورتشن أكبر الشركات الأمريكية، فكانت جنرال موتورز أضخم شركة أمريكية برقم مبيعات سنوي قدره 12.7 مليار $ وأرباح بنحو 1 مليار$ ثم كانت سبعة من أصل أكبر عشر شركات أمريكية كانت شركات سيارات ونفط. وفي أمريكا بدأت تظهر الشاحنات الضخمة بحمولة 20 طن وأكثر ثم القاطرة والمقطورة. وعام 1960 كان في أمريكا نحو مليون سيارة قاطرة ومقطورة وهذا يتطلب زيادة كبيرة في البنزين المستهلك وازدادت كميات النفط المستورد.

عام 1929 أنتجت أمريكا 85% من إجمالي سيارات العالم وعام 1951 كانت تنتج ثلثي سيارات العالم. وعام 1960 كانت أمريكا تنتج 6.7 مليون سيارة سنوياً إضافة 1.2 مليون شاحنة خفيفة وثقيلة. وفي عام 2001 كان لدى كل 100 أمريكي 834 مركبة بين سيارة وشاحنة صغيرة وكبيرة أي أكثر ب 50 % مما لدى أوروبا الغربية. وتنفق الأسرة الأمريكية نحو 17.4 % من ميزانية الأسرة على السيارة وهو ثاني بند في الانفاق بعد السكن. ومتوسط شراء السيارة من قبل الأمريكيين عام 1999 نحو 21420 $ وهو يعادل راتب 23.8 أسبوع أي نحو راتب خمسة أشهر ونصف.

عام 1910 وصل مجموع عدد السيارات في أمريكا إلى 485 ألف سيارة وعام 1913 وصل العدد إلى 1.258 مليون سيارة وعام 1920 أصبحت صناعة السيارات أضخم صناعة في أمريكا وانتجت 8.1 مليون سيارة. وعام 1929 ارتفعت أعداد السيارات إلى ما يعادل 21.9% من عدد السكان وعام 1955 أصبحت النسبة 37.7% وعام 1960 أصبحت 40.1%.

انسجاماً مع الإيديولوجية الأمريكية ومصالح شركات السيارات الأمريكية، كان كل شيء يرتب كي يتراجع النقل بسكك الحديد ويتقدم النقل بالسيارات. وانسجاماً مع هذه السياسة قامت كل من شركة جنرال موتورز (صانع السيارات الأمريكي العملاق آنذاك) وشركة ستاندر أويل أوف كاليفورنيا (عملاق نفطي أمريكي آنذاك) بالعمل معاً لهدم نظام النقل العام بالترمواي الذي يعمل على الكهرباء فقد قاموا بالاستحواذ على شركات الترمواي أولاً وثم استبدلوا الترمواي الكهربائي بحافلات تعمل على البنزين والمازوت ثم قاموا بتخفيض مستوى خدماتها لدفع المواطن الأمريكي لاقتناء سيارة خاصة. ولم يكتف الأمريكيون بزيادة أعداد السيارات بل زادوا في حجوم محركاتها واستهلاكها للوقود وزيادة ما يطلقه من تلويث للبيئة.

 

 

عدوى حمى السيارة الأمريكي ينتقل إلى كل مكان:

عملت أمريكا بدأب لتصدير نمط حياتها للعالم (American Way of Life) والذي يقوم على الاستهلاك، وهي تصدر مثلاً نمط مطاعمها ومشروباتها الغازية أفلام هوليود ونهجها الاقتصادي الداعي لخفض الضرائب على كبار رجال الأعمال وفرضها على المستهلك ومعاداة أية سياسة إجتماعية محابية للفقراء والخصخصة وتخلي الدولة عن أدوارها وتحويلها إلى دولة نحيلة "هزيلة" وغيرها. وكانت "السيارة الخاصة الكبيرة" إحدى أهم صادرات الثقافة الأمريكية. وقد قلدتها الطبقات المقتدرة على الدفع في دول العالم، وسارت سياسات الحكومات في هذا الركب، ويمكن ملاحظة هذا الأمر بكل قوة في دول مجلس الخليج المنتجة للنفط، حيث يطغى مشهد السيارات على كل ماعداه، وترتفع نسب السيارات الفخمة والكبيرة ورباعية الدفع اكثر من اي مكان آخر في العالم مدفوعة بانعدام الرسوم الجمركية على السيارات ورخص الوقود وغياب شبكات النقل العام الفعالة. ويستهلك قطاع النقل نسب متزايدة من انتاج النفط في هذه البلدان مسبباً تراجعاً في حجم صادرات النفط. واستهلاك السيارات هو جزء من مشهد الاستهلاك العام الطاغي في دول الخليج.

وبحسب بعض التقديرات المتوسطة لاستهلاك السيارات للوقود على أساس أن الأسرة تسير 24800 ميل وسيطاً باستهلاك 20 ميل/ غالون فسيكون استهلاك الاسرة 1240 غالون/سنة. و ينتج احتراق بنزين السيارات بخار ماء و ثاني أوكسيد الكربون و طاقة حرارية. وتطلق السيارة كيلو غرامين من ثاني أوكسيد الكربون من كل ليتر تستهلكه من الوقود. والسيارة الأمريكية من نوع فورد اكسبلور بمحرك سعة 4000  CC و6 سلندر تستهلك كل 10 آلاف ميل نحو 2294 ليتر وقود تطلق نحو 4.5 طن من ثاني أكسيد الكربون.

 

 

حلم السيارة الأمريكي المهدد بالإفلاس:

اليوم تواجه صناعة السيارات الأمريكية مصاعب عديدة وتحارب من أجل بقائها، ورغم تدخل الرئيس اوباما بعد ازمة 2008 لانقاذ صناعة السيارات الأمريكية، فيبدو أن أية مساعدات اسعافية لن تكون كافية، والشركات التي كانت تسيطر على 80% من صناعة السيارات العالمية يوماً ما، أصبحت اليوم تنتج 10% فقط من الانتاج العالمي وهي مهددة بالافلاس، وقد أعلنت شركة جنرال موتورز افلاسها عام 2009 لتحمي نفسها من الدائنين، ثم عادت للسوق بفضل دعم الرئيس اوباما لها، وشركة كرايزلر العملاقة بيعت لشركة فيات الإيطالية، ولكن استطاعت هذه الشركات مقاومة الانهيار وعادت ألى السوق، ولكن يعتقد انها ستواجه مستقبلاً منافسة قوية من صناعة السيارات الآسيوية، وبخاصة صعود قوة جديدة مثل الصين التي بدأت سياراتها تغزوا أسواق العالم بالتدريج.

المسألة، أنه حتى لو أفلس رمز الحلم الأمريكي، وحتى لو تراجع دور امريكا في المستقبل، ولم تعد هي "السوبر بور" في العالم، فإن هذا الحلم الأمريكي لن يمت، فقد انتقل الى العالم، وأصبح حلم لشعوبٍ أخرى خارج أمريكا، إنه "نمط الحياة الأمريكي" الذي جرى نشره عبر مناطق واسعة من العالم، نمط الاستهلاك الشره بدون قيود، والذي لن تستطع الطبيعة تحمل أعبائه، ما لم يجري ترشيده. 

علِّق