عدد القراءات: 18168

السويداء وتجاذبات الموقف الداخلي

من الملفت بالثورة السورية أن من تمت تسميتهم بالأقليات وهي تسمية غريبة عن الواقع السوري تاريخياً، ارتضوا هذه التسمية وتعاملوا مع الثورة من هذا المنظور، وكأنه أزاح عن كاهلهم عبء الثمن الذي ممكن أن يدفع، ففي السويداء ذات الغالبية الدرزية والتي تاريخياً لم تتعايش يوماً مع أي نوع من أنواع الاستبداد إن كان مستعمراً أو حكماً ديكتاتورياً محلياً، وقد عانت كثيراً مع الأسد الأب وهمشت، رأت غالبيتها العظمى في الثورة وجهاً سنياً لا وجهاً سورياً، واقتنع الكثيرون بذلك أو أقنعوا أنفسهم واستراحوا.
بعد انطلاقة الثورة كانت أول مظاهرة في هذه المحافظة في 25 آذار 2011 ثم تلاها في 27 آذار اعتصام لنقابة المحامين، تلاه بيومين اعتصام بالشموع ولم يتدخل الأمن لإنهائه، فيما كان أول صدام مع قوات الأمن في 14 نيسان حيث قمعت المظاهرة بشدة دون اطلاق رصاص، تلاه صدام آخر في مظاهرة يوم الجلاء في 17 نيسان وابتدأت محاصرة من يدعون للحرية أمنياً وإجتماعياً.
ربما كان النظام أدهى من المثقفين الذين أخذوا على عاتقهم الحراك المدني بالمحافظة، وساعد على ذلك إعلامه الذي لعب على وتر الإسلام المتطرف وما إلى ذلك، وقد يكون هذا صحيحاً من زاوية ما، ولكن الملفت هنا أن بعض السياسيين القدامى من اليساريين أو أصحاب الشعارات القومية، أحالوا الفعل الثوري المباشر إلى حالة جدلية بتحليل النتائج إن انتصر الإسلام السياسي واستلم زمام الحكم كالإخوان المسلمين وغيرهم.
انشق عدد من الضباط والعناصر عن قوات النظام مبكراً ولكنهم لم يجدوا مناخاً يأويهم في جغرافيا السويداء، فعملوا بالجارة درعا وفي الريف الدمشقي وإدلب وغيرها، وحصلت معركة واحدة في ظهر الجبل استشهد على إثرها قائد كتيبة سلطان الأطرش خلدون زين الدين، وساعد الطقس السيء والثلج المفاجئ على تلك الهزيمة للجيش الحر ولكنها لم تترك أي أثر بالمحافظة.
اتجه بعض شباب وصبايا المحافظة للعمل الإغاثي ووجدوه منفذاً للتعبير عن تفاعلهم مع الثورة، ولكن المحافظة بقيت توصف بالهادئة والمحايدة، وفي حقيقة الأمر أنه ومنذ انطلاقة الثورة انتشرت الحواجز العسكرية بين مفاصل المحافظة، كما وصل عدد الحواجز بينها وبين دمشق إلى ستة حواجز في ذلك الوقت المبكر بينما لم يكن يوجد أي حاجز بين دمشق وبقية المحافظات شمالاً.
قد تكون السيدة منتهى الأطرش بمواقفها الشجاعة والمبكرة بتوصيف النظام كونها ابنة سلطان الأطرش وكذلك الفنان سميح شقير والإعلامي فيصل القاسم نموذجاً عن حالة ثقافية أخلاقية ليست قليلة تنتمي للثورة لكنها لم تجد سبيلها الملائم لدخول ميدان الفعل المباشر، وهنا أيضاً يكمن جزء من الخلل في ممارسة المجلس الوطني وتبعه الائتلاف مع المكونات السورية وقد انساق لمقولة الأقليات فأراد تمثيلها كيفما اتفق، مضافاً إليه ما نشأ من تكتلات وتجمعات وغيرها من مسميات، ساعدت النظام من حيث لا تدري وذلك بعدم توجيه خطاباً واضحاً يدرك أبعاد فصل المجتمع السوري عن بعضه، أيضاً استطاع النظام تحييد أحد الوجوه الهامة مبكراً عن الساحة وهو الشيخ أحمد الهجري أحد شيوخ عقل الطائفة، حيث تشير كل المعطيات أنه هو من اغتاله.
يشار أيضاً أنه وصل عدد المتخلفين عن الخدمة العسكرية في هذه المحافظة الصغيرة في السنة الأولى للثورة إلى أكثر من 12000 مضافاً إليه من استطاع مغادرة البلاد نحو الاغتراب.
استغل النظام وبقايا السياسيين الأسماء الدينية التي أطلقت على الكتائب المقاتلة وكانت كالسيف في يدهم لبتر أي حديث شعبي في مراحل لاحقة عن قيمة الثورة لبناء مجتمع حر وحضاري تحت سلطة القانون، لكن أحداً لم يخترق هذه الحالة ويوجه خطاباً تعبويياً ومطمئناً للدروز، لا من التيارات الإسلامية ولا من غيرها. ولا شك كان لتلك الفيديوهات والصور عن حجم الكارثة أثرها الواضح بتثبيط الفعل ضمن دائرة المراوحة بالمكان، وهكذا لعوامل داخلية تتعلق بتركيبة النسيج الاجتماعي والديني للطائفة مع العوامل المحيطة جعلت من السويداء مدينة خارج سياق الثورة بشكل عملي.
وبرغم ذلك نستطيع القول وبسبب أيضاً التركيبة الإجتماعية والدينية إن المحافظة وبغالبيتها العظمى رفضت التشبيح والاعتداء على أي سوري خارج حدودها إلا قلة ممن استطاع النظام تجنيدهم، من ناحية أخرى فقد تعاملت المحافظة بآداب إجتماعية مع اللاجئين لديها لكنها انغلقت على نفسها وغالت في ذلك.
ومع زيادة انحلال سلطة الدولة لصالح سلطة التشبيح ودخول استفزازي لحزب الله إما بشكل مباشر أو من خلال لجان تدربت لديه، أصبح المشهد يحتقن باتجاه آخر، وهو اتجاه دوافعه تتعلق أساساً بالعمل على صيانة الطائفة ضمن ما رضيت به واعتادت عليه داخل جغرافيتها بعدم التطاول على تقاليدها، ومن هنا فإن ماقام به مؤخراً بعض المشايخ الشباب يتزعمهم الشيخ وحيد البلعوس ومهاجمته النظام بتلك المباشرة والجرأة بنوعية الجمل المختارة، يدل على خطاب ليس منعزلا عن تراكمات تئن في النفوس.
فالشيخ البلعوس استطاع التصرف بواقعية حسب المشهد المغلق داخل المحافظة وليس حسب المشهد السوري بثورته، فتحدث الرجل بمشاكل الناس اليومية والآنية وبحديث شعبي لا يحتمل الأدلجة لكنه خطاب تعبوي ديني يعني الطائفة بصفتها مكون له شجونه، ومن الواضح أن البلعوس يدرك فشل وئام وهاب بالتغلغل داخل النسيج الاجتماعي والديني بالسويداء وهذا يعني أن البحث عن كرامة طائفة ليس كما أراد وهاب أن يسوق بل هو بمعزل عن شرور النظام، وعلى هذا تكلم عن حالة وطنية عامة وبلغة يعرفها الدروز جيداً وهي انتماؤهم لسوريا بصفتهم طائفة وطنية يعني لها الوطن الكثير كونه لا بديل عنه، وتحدث لأول مرة علناً عمن قتلوا في السجون، وعن المجندين الذين أطلقت النار عليهم من الخلف وأرسلهم النظام لذويهم مدعياً أنهم شهداؤه، وكذلك عن فساد الشبيحة وعن الحواجز التي تذل العباد، علاوة على ذلك دعم قوله بالفعل حين دافع عمن أزال الحاجز الأمني في مدخل بلدة المزرعة واستغل الحدث بلحظته، واتهم النظام بشراكة داعش بتجارة المحروقات.
جاء للشيخ البلعوس انتقادات من رجال الدين وهم من تسميهم الطائفة رجال العقل وأصدروا بياناً بإبعاده دينياً لسبب تحديه للقيادة على حسب البيان، دافع المثقفون عن الشيخ وكذلك عدد لا بأس به من المجتمع وهذا بحد ذاته كان رسالة سياسية ودينية بآن لسلطة الأمن وسلطة مشايخ العقل، ومن جهته جمع النظام على الفور لجنته الأمنية لإطلاق حملة مضادة لمحاولة تحجيم دور البلعوس وهؤلاء المشايخ الشباب الذين أحاطوا به، وقد أعاد ذلك الحاجز مع قوة أمنية كبيرة.
لاشك أن ماقاله البلعوس مؤخراً حول أن الأسد ومن معه خلفهم إيران وأن السنة بسوريا خلفهم السعودية وغيرها، وأن الدروز لا أحد خلفهم، هو حديث قديم جديد في تلك المحافظة عن مصيرها، حيث الإحساس أن دول العالم تخلت عن سوريا كشعب، وتخلى العرب عن السوريين بمأساتهم وأصبح الخطاب الديني هو السائد حتى على صفحات التواصل الاجتماعي، دعم ذلك غياب رؤية سياسية ناضجة لمستقبل البلاد، مع رعاية غير مسبوقة بالتاريخ لهذا النظام في ظل انهيار فاضح للقانون الدولي بمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب.
على هذا فالسويداء ككتلة مازالت منغلقة على نفسها وتأثيرها المعنوي على قرى الدروز بريف العاصمة وجبل الشيخ، سيبقى بين شد وجذب متأثراً بما سيستجد من أحداث من خلال ردود الفعل وليس الفعل، إلا إذا استطاع المشايخ الشباب ومثقفو المحافظة الذين انخرطوا بالثورة كل على طريقته الالتفاف على بعضهم لاستنهاض الهمم وتطوير الخطاب لوضع بصمة في سجل ما يجري من أحداث.

علِّق