عدد القراءات: 5211

السوريون على الفيسبوك... معارك من خلف الشاشات

ليس الفسيفساء السوري من يحتفظ بحق الرد  على منشور أو تعليق معاديبن، فالسوريون يردون في الزمان والصفحة المناسبين ..وبرغم كل المآسي التي مرت وتمر عليه كل يوم إلا أنه ظل مفرطا بحساسيته، ولازالت كلمة صغيرة تجرح كبرياءه وترفع من حميته، ليخوض بسببها حرباً يستعمل فيها كل أسلحته، لا يوفر فيها حتى تبليغاً أو ملصقاً الا ويفرغهما في صفحة عدوه الغاشم ومن والاه، فالجهاد على الصفحات فرض عين ولابد من بذل الغالي والنفيس في سبيله..

محبو أحد الشيوخ يرابطون على صفحات أعدائه من أنصار شيخ جليل آخر،  وكل منشور معادٍ  يساء فيه الى شيخهم يشعل معركة الوجود بين الأنصار والمحبين.
تبدأ المعركة بقاذف تعليق يصرخ بالتكبير، و حتى يصيب التعليق من الاعداء مقتلهم  يتلوا  "وما رميت اذ رميت لكن الله رمى " ... تزداد الاعجابات وتعلو بعدها الردود بالتكبير والزغاريد وترتفع بعدها ملصقات بالنصر ...ثم يردّ الخصوم  فيكبّرون ويتلون ويرفعون رايات شيخهم.


منشور آخر من (انفصالي خائن) كان القشة التي قسمت ظهر البعير بالنسبة للـ (الأرودغاني الكلب) يشعل صفحات المنطقة كلها حرباً ضروساً، وينضمّ للمؤازرة بعض الانفصاليين الموتورين ليصدوا هجوم اعدائهم  فتميل الكفة لصالحهم، لتدخل كتائب العراعير في اللحظة الاخيرة وتعيد التوازن للمعركة    .
        
ام محمد الحلبية تصرخ على صفحتها " بدنا غاز جرة الغاز ب 8000 ليرة"... أبو محمد وهو أحد أطراف الصراع أنهكته رماية التعليقات، يصرخ لابنته فاطمة أن تاته بكوب من الشاي، ولكن (زهرة الاحزان) تخوض معركتها هي أيضاً، فمسلسل كوشي بالنسبة لها خط احمر، وكل من تطاول على خطوطها الحمراء سيكون في مرمى تعليقاتها حتى لو كانت (دمعة في ليل مظلم) حليفتها في معارك سابقة..و (حمودي) منهمك هو الآخر بقهر الروافض على إحدى جبهات القتال..
معارك مشتعلة  بين  الأحرار في كل الاتجاهات بين الشمال و الجنوب
بين الساحل و الداخل
بين الريف و المدن...
بين الطوائف الكريمة والبخيلة
بين المهاجرين الكفرة،  والانتهازيين متسلقي الثورة
بين جبهات ادلب وجبهات حلب  ..
وأم محمد "بدنا غاز "

 

منشور آخر يكتبه أحد (العلمنجيين) المتنورين، فينبري له بعض الانفصالين الخونة بمؤأزرة من (الأردوغانين) والعراعير والدواعش، وتتغير خارطة التحالفات السياسية، فأعداء صفحات الأمس هم أنفسهم حلفاء معارك اليوم،  وتبدأ المناوشات الخفيفة والتمهيد بالتبليغات على الصفحة استعدادًا لاقتحامها .. العلمنجي المتنور في مأزق حقيقي وعلى وشك الاستسلام فيرسل بطلب الدعم والتعزيزات،  وقبل أن يعلن انسحابه يلبي (عملاء الاستعمار)  و (منظري الثورة) و بعض الكفرة  المرتدين نداء الواجب، ويهبّوا بعددهم وعتادهم  لمآزرته ...إنها حرب عالمية ببوستات بالستية عابرة للقارات، تحرق معها صفحات الأعداء والأصدقاء ..شتائم  محرمة دولياً تطيح بعدد من أمهات الخصوم و أخواتهم، مسباتٌ مسيلة للدموع لتفريق المتجمهرين في الصفحة...يستغل الطيران كل تلك التجمعات، وتصبح هدفاً لصواريخه وبراميله، فيسقط الشهداء والجرحى  ..

يشيَع الشهداء من كل الاطراف الى صفحاتهم الاخيرة على أصوات التكبير و الوعد بمتابعة الكفاح حتى النصر..تصل سيارات الإسعاف والإطفاء، وتكتظ صفحات المشافي الميدانية بالجرحى والمصابين،  وتهرع فرق الدفاع المدني لانتشال الضحايا من تحت الركام ...
تنتهي المعركة بعد أن تحولت الصفحات إلى أنقاض، ويعود كل من تبقى من المحاربين على قيد الحياة  الى صفحته منهكاً بعد من التعب والإعياء ....تشنج ظهره من طول الرباط على اللابتوب والموبايل ..مُحيت أطراف أصابعه من تجهيز التعليقات والردود، ولكن نشوة النصر تنسيه ألمه وتعبه، ففي هذه المعارك الجميع منتصر ولا وجود لخاسر او مهزوم.

 

قبل ان يخلد كل منهم للنوم في استراحة محارب، يشرُد قليلاً ريثما يلتقط  صورة سيلفي ليغير بها صورة صفحته الشخصية، وإذ بنور عظيم يبهر أبصار مستخدمي الفيس بوك … ويكتب منشور ما قبل النوم يطالب فيه كافة الفصائل العسكرية على طول الارض السورية وعرضها بالتوحد في فصيل واحد وتحت راية واحدة لأن يد الله مع الجماعة ..
 

علِّق

المنشورات: 2
القراءات: 46207

مقالات الكاتب