No votes yet
عدد القراءات: 20031

الرّهان الأفضل لسوريا: تجميد الصراع

الكاتب الأصلي: 
Leonid Bershidsky
تاريخ النشر: 
4 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

 

يبدو أنّ شيئاً ما آخذٌ بالتحوّل في التعاطي بين القوى العظمى فيما يخص الشأن السوري؛ إذ تُظهر مكالمة هاتفية يوم الثلاثاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، إلى جانب تصريحات بوتين التي أعقبت لقاءه بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، تُظهر أنَّ تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ قد يكون احتمالاً وارداً.

كما تختلف القراءات الروسية والأمريكية للمحادثة الهاتفية؛ ذلك أنَّ رواية الكرملين تتحدث عن "تعزير الحوار بين وكالات السياسة الخارجية للبلدين لإيجاد سبل تدعمُ نظام وقف إطلاق النار، وبالتالي يصبح مستقراً وخاضعاً للسيطرة"، بينما يبدو الوصف الأمريكي أكثر تحديداً.

 

لقد كان الحديث مثمراً بالفعل، فقد اشتمل على مناقشة إقامة منطقة آمنة، أو التخفيف من حدّة الصراع بغية تحقيق سلام دائم لأسباب إنسانية وأسباب أخرى كثيرة". كما سترسل الولايات المتحدة ممثلاً عنها إلى محادثات وقف إطلاق النار في أستانا عاصمة كازخستان يومي 3- 4 مايو/ أيار.

علاوةً على ذلك، ألمح بوتين إلى وجهة نظره في المؤتمر الصحفي يوم الثلاثاء مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. وقال: "إن للشعب السوري التأثير الأكبر في الرئيس الأسد". وأضاف: "ومن الواضح جداً أن هناك انقسام، كما إنه من المستحيل أن نجد حلاً للمشكلات بصورة فعالة، دون مشاركة طرف مهم كالولايات المتحدة".

وإن قمنا بربط تلك الأفكار ببعضها، ستتبدى لنا الصورة المتغيرة.

 

ويعترف بوتين بأنه لا توجد طريقة لتحقيق السلام في سوريا دون الولايات المتحدة، على الرغم من أنه، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حاولا القيام بذلك من خلال التوسط في اتفاقية وقف إطلاق النار بين قوات الأسد وجماعات الثوار، كما يسعى كل منهما إلى التوسط في المحادثات بين الفريقين في أستانا عاصمة كازخستان. ولم يكن لتلك المحادثات أية نتيجة نظراً لأن المعارضة السورية، المدعومة أمريكياً، قد تشجعت مع زيادة التزام الولايات المتحدة الذي انعكس في الغارات الجوية والوجود العسكري الأمريكي المتزايد. كما تحتاج عملية أستانا، التي استُؤنفت يوم الأربعاء، إلى مشاركة الولايات المتحدة ، ويبدو أن هذا ما دفع بوتين إلى طرح المسألة لدى حديثه مع الرئيس ترامب في وقت سابق. أما بالنسبة لمنصب مراقب المحادثات، فقد شغله السفير الأمريكي في كازاخستان "جورج كرول" فيما مضى، ليتولى المهمة "ستيورات جونز" هذه المرة، وهو مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط.

ويبدو أنَّ بوتين سيعترف بأنّ الفجوة بين حليفه الأسد والثوار المعارضين لهما، هي فجوة لا يمكن سدها. وهذا يشير إلى شبه تخلٍّ عن الإصرار الروسي الرسمي على أنَّ سوريا ينبغي أن تظل دولة موحدة، وهو أمر مثيرٌ للفضول.

 

وكان المبعوث الأممي إلى سوريا "ستافان دي مستورا" قد عرض فكرة إنشاء فيدرالية سوريّة تكون طريقاً للوصول إلى السلام، لكن كلاً من نظام الأسد والمعارضة رفضوا ذاك الاقتراح أواخر العام المنصرم. لذا، ليس بوسع روسيا، بوصفها حليفة للأسد، كما ليس بوسع الولايات المتحدة أيضاً، مناقشة تقسيم البلاد في العلن، فضلاً عن أنه لا يجب أن تفعلا ذلك. بينما تمثل خطة ترامب لإنشاء "مناطق آمنة أو التقليل من حدة الصراع"، والتي ناقشها مع بوتين يوم الثلاثاء، تمثِّل فرصة لتجميد الصراع، تاركة الصلاحية للطرفين المتحاربين لإدارة المناطق التي يسيطرون عليها اليوم، تحت حماية روسية أمريكية.

وسيكون سيناريو من هذا النوع أقرب إلى التقسيم الجيوسياسي لشبه جزيرة كوريا، فضلاً عن أن بوتين يمتلك باعاً طويلاً من الخبرة في هذه الترتيبات. وفيما يتعلق بالكرملين، فإن أوكرانيا اليوم منقسمة إلى منطقة  تخضع لسيطرة روسيا (الجمهوريون الانفصاليون في الغرب)، والمنطقة الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة (أي بقية البلاد). وكذلك الحال بالنسبة لجورجيا، التي تضم  حكومة موالية للغرب في تبيليسي من جهة، وأبخازيا وأوسيتسا الجنوبية، وهما دولتان متفرقتان لا يعترف بهما سوى روسيا وعدد قليل من الدول. والأمر ذاته ينطبق على مولدافيا، التي تضم حكومة فيتشيسيناو وتتجه ببطء نحو الغرب وترانسنيستريا غير المعترف بها والتي تحافظ على توجهها الموالي لروسيا.

ومن الممكن تقديم هذه الخطة للناخبين الأمريكيين على أنها حل إنساني وطريقة للحد من تدفق اللاجئين، كما سيقبل بها الروس على أنها لمسة ختام مباركة لمغامرة بوتين المكلفة نسبياً، ما يؤكد على موقع روسيا لاعباً كبيراً في الشرق الأوسط.

 

وقد تنطوي اتفاقية بين بوتين وترامب على تجميد الصراع بطريقة مماثلة عن طريق إقناع الأطراف المتحاربة بأن أحداً منها لن يستطيع الفوز على الفور، ربما ليس لوقت طويل. وبطبيعة الحال قد يشمل ذلك تخلي الثوار في الوقت الحالي عن هدفهم الذي يتمثل بإسقاط الأسد؛ وهو الأمر الذي لم يكونوا مستعدين لفعله حتى الآن.  

لكن المشكلة الأخرى التي ستنجم عن هذه الترتيبات هي أنها لن تترك مجالاً كبيراً أمام تركيا، وهي بلد آخر له مصالح كبرى في سوريا، بل ستقدم حماية أمريكية طويلة الأمد للمناطق السورية التي يسيطر عليها الأكراد، وهو أمر يرى فيه أردوغان مصدر خطر. ويعتزم أردوغان، الذي سيلتقي بالرئيس ترامب يوم 16 مايو/ أيار، تقديم مساعدة تركية في توجيه ضربة لتنظيم الدولة الإسلامية تكون بديلاً للتعاون الأمريكي مع الأكراد.

ومن المقرر أن يجتمع الرئيس أردوغان يوم الأربعاء بنظيره الروسي، بالإضافة إلى ذلك تم إبلاغ سوريا بالاجتماع نظراً لأنها الموضوع الرئيس فيه. وكانت مصالح البلدين في الصراع قد تباينت مؤخراً على نطاق واسع أكثر مما كانت عليه العام الماضي، وليس من الواضح بعد ما الذي يستطيع أن يقدمه بوتين لأردوغان، إذ  ربما يصبح أكثر اهتماماً بإبرام صفقة مع ترامب في هذه المرحلة.

وفي حال جرى التوصّل إلى الاتفاق على خطة لإنشاء "منطقة آمنة" أو تجميد الصراع، سيكون لدى بوتين جميع الأسباب التي تجعله سعيداً برئاسة ترامب، وقد يصب ذلك في مصلحة الولايات المتحدة أيضاً. وعلى الرغم من أنَّ إقامة منطقة آمنة قد يكون مكلفاً، لكن استمرار الصراع دون حل في الأفق لن يكون أقل كلفة.

 

--------------------------------

الكاتب:

ليونيد بيرشيدسكي (Leonid Bershidsky): كاتب عمود في بلومبيرغ، كما كان المحرر المؤسس لصحيفة "فيدوموستي" اليومية في روسيا، وأسس بالإضافة إلى ذلك موقع "Slon.ru"

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2489903

مقالات المترجم