عدد القراءات: 2535

الرواية المفقودة في رواية الشرع

 

ولدت في بيت دمشقي لأبوين أصولهما من محافظة درعا، ترعرعت في هذا المدينة حيث كان والدي يشغل في مطارها الدولي وظيفة إدارية مرموقة، كان والدي المجاز من قسم التاريخ مولعاً بمتابعة الشؤون السياسية وقراءة كتب التاريخ و ورثت منه ولعه في القراءة وتوقه إلى المعرفة، كان الاسم الأكثر تردداً في بيتنا عند الحديث في السياسة و ثعالبها هو اسم فاروق الشرع, ولأن أصولي من درعا, ولأن بداية مشوار والدي وفاروق الشرع كانت مؤسسة الطيران السورية, ولأني والشرع تخرجنا من نفس قسم الأدب الإنكليزي في جامعة دمشق, كنت أشعر أو أتوهم أن هناك نقاط تشابه تجمعني به, وخاصة عندما بدأت التخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية, وفي بداية الشباب وعن طريق الصدفة تعرفت بمدير مكتب الشرع واستهواني استنطاقه للتعرف عن حياة رئيسه المغلقة ,الكتب التي يقرأها, ساعات نومه, ممارسته للرياضة, شغفه اليومي في الحياة, وكيف استطاع الولوج إلى عالم السياسة حتى بات واحداُ من أهم وزراء الخارجية العرب.

مع بدء الثورة السورية قاد الشرع نائب الرئيس هيئة الحوار الوطني في تموز ٢٠١١ كمحاولة منه للملمة الأحداث، حيث قال إن الحروب الكبرى لم تنتهي إلا بالحوار أو بواسطته ومع ذلك انتهى الحوار بفشل ذريع لغياب قدرته على الإيفاء بالوعود التي نقلها عن رئيسه الأسد من إلغاء حقيقي لقانون الطوارئ ومن عودة غير مشروطة للسوريين المنفيين عن وطنهم.

 

يعيش فاروق الشرع تحت الإقامة الجبرية منذ بداية الثورة وذلك بعد أن أشيع عن مطالبة العطية القطري اللقاء به بهدف الخروج بحل للأزمة السورية، وهذا ما أرعب النظام السوري البوليسي والذي استشعر أن هناك مؤامرة لتسويق الشرع كبديل عن الأسد.

لن أتحدث عن السيرة الذاتية للشرع لسهولة الوصول لها عبر الانترنت، بل سأتحدث باقتضاب عن كتابه "الرواية المفقودة" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، ينقسم الكتاب إلى مقدمة وتسعة عشر فصل تتوزع على ٤٥٨ صفحة، عالج فيها الشرع مذكراته بطريقة سردية جميلة لا تخلو من بعض الوصف الأدبي وهو القارئ النهم للأدب الإنكليزي والروسي، والمجاز كما ذكرنا من قسم الأدب الإنكليزي، وهذا بدى جلياً في انسيابية وتدفق السرد وغزارة المعلومات وتكثيفها بحيث لا يستطيع القارئ أخذ قسطاُ من الراحة إلا مضطراً, ومن الطبيعي أن يكون المأخذ على هذا الأسلوب من السرد هو اختزال الكثير من القصص والمواقف التي تحتاج إلى فصول بنفسها, و مع ذلك نجد أنها الرواية اليتيمة أو شبه الوحيدة التي يعرضها مسؤول سوري أثناء استمراره بمنصبه الرسمي وهنا تكمن الأهمية الكبرى لهذه المذكرات.

 

يعرض الكتاب عبر فصوله شباب الشرع وتدرجه الوظيفي ثم يبدأ بعلاقته بحافظ الأسد وخلافاته المتكررة مع عبد الحليم خدام لدرجة تشعرك أنك تقرأ كتاب عنواه "الصدام مع خدام" ثم ينتقل إلى وصف دقيق وتفصيلي عن علاقة النظام السوري المتوترة بجيرانه العرب بداية من مشادات الأسد مع صدام حسين والعلاقة الحذرة مع السعودية والأردن وخضوع لبنان للقرار السوري وعلاقة النظام الباهتة مع حسني مبارك كما وصفها الشرع والصداقة الحذرة مع أربكان تركيا, الحذرة بسبب الجيش التركي الذي كان بمرتبة الوصي على أربكان بحسب "الشرع" أيضا, ومن ثم تحدث مطولاً عن علاقة النظام الوطيدة مع حلفائه الايرانيين والسوفييتيين.

كان الشرع الدبلوماسي الذي نال ثقة الأسد المطلقة وتجلى ذلك في عدة مواقف أهمها عندما اتصل الشرع من الولايات المتحدة أثناء اجتماعه السري مع الوفد الاسرائيلي ليستشير الأسد بالبقاء في المفاوضات أم الانسحاب بعد تنصل باراك من التزامه بوديعة رابين التي وضعت في جيب بيل كلينتون والتي تتضمن تعهد رابين بالانسحاب حتى خط الرابع من حزيران ١٩٦٧ , حينها قال الأسد مخاطباً الشرع على الخط الساخن " الموضوع متروك لك، أنت تستطيع أن تقدر الأمور أكثر مني"
ومن ثم تسليمه ملف المصالحة بين حركة أمل وحزب الله وأدار اجتماعات استمرت لنحو ٢٠ ساعة متتالية وكان هذا الاجتماع هو الأطول في مسيرة فاروق الشرع، حيث أفضى إلى مصالحة حقيقة بين الطرفين بعد معارك طويلة استخدموا فيها أسلحة ثقيلة في ضواحي بيروت.

 

يحتسب للشرع ارتجاله الكثير من المواقف الشجاعة مثل دعوته لعقد قمة جامعة الدول العربية  في دمشق دون العودة لرأس النظام السوري في محاولة منه لكسر عزلة النظام من محيطه العربي وخاصة بعد وقوف حافظ الأسد بجانب إيران في حربها مع العراق، رغم محاولة الشرع الدائمة عبر صفحات الكتاب أن يبرر موقف سورية من الحرب حينها بقوله إن الدولة السورية لم تقف ضد العراق، بل وقفت ضد الحرب بين الجارين المسلمين.

وواحدة من الارتجاليات التي ذكرها الشرع في مذكراته تعود إلى الاجتماع مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حين قاطعه الشرع عندما حاول التهرب من وديعة رابين، وادعائه أن الشرع وافق على أن تكون بحيرة طبرية تحت السيطرة الاسرائيلية، وفند له ما قاله الأسد سابقاً للمبعوث الأمريكي كريستوفر، وعن قبول إسرائيل للعودة حتى خط الرابع من حزيران مع ضمان عدم مطالبتها بأي أجزاء قبل هذا الخط, وهذا ما دعا مادلين أولبرايت من تمرير ورقة إلى الشرع تطلب منه عدم مقاطعة الرئيس كلينتون, كانت مقاطعة الشرع ضرورية حسب ما وصفها لخوفه أن يستغل كلينتون عمق العلاقة بين الأسد والشرع، وبالتالي ربما يمرر الأسد المريض الموضوع منعاً لإحراج الشرع.

 

أيضاً في مؤتمر مدريد للسلام حين طوى ورقات خطابه المكتوب وارتجل خطاباً جديدا ًرداً على كلمة الوفد الإسرائيلي المهينة، والذي وصف سورية بأنها أكبر دولة داعمة للإرهاب وربما نذكر جميعاً رفعه لصورة إسحق شامير أمام الحاضرين ووصفه بأنه مجرم حرب وأنه مطلوب في بريطانيا بسبب قتله لوسطاء سلام.

عاد الشرع لسرد ارتجالياته هذه المرة عندما دعا ياسر عرفات لزيارة دمشق بعد انقطاعه لسنوات بسبب خلافه الحاد مع الأسد دون إخطار النظام آنذاك، إلا أن دعوة عرفات كانت في سبيل توحيد العمل العربي المشترك، ومحاولة الشرع تحصيل اعتراف دولي بجبهة التحرير الفلسطينية حسب ما ذكره الشرع.

يصف الشرع دائما عبر مذكراته أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية وكان دائماً ما يحاول أن يجعل القاعدة "الجيوبوليتيكة" في المفاوضات مع اسرائيل هي تلازم المسار السوري اللبناني الفلسطيني، وخصوصاً بعد أن أخرجت مصر من المعادلة، وضعف العراق بعد اجتياحه للكويت، يذكر الشرع في مذكراته عبارة صادقة جداً بحسب ما أعتقد وربما تكون هي الأصدق على الإطلاق في هذه المذكرات التي كتبها تحت ظل النظام السوري: “معضلة الفلسطينيين ليست مع الإسرائيليين أو الصهيونية العالمية فحسب، بل معنا أيضًا نحن العرب، لقد تعلموا من كتبنا وشعاراتنا منذ إنشاء المستوطنة اليهودية الأولى على أرض فلسطين في مطلع القرن العشرين، أنهم قضيتنا المركزية، لا نحن قبلنا أن نتخلى عنهم لأنهم استثمارنا الأفضل والأول في سياساتنا الداخلية والخارجية، ولا هم فكروا بهجراننا وكشف حدود شعاراتنا لأننا نحن وهم من ذات التربة العطشى، ننتظر ما تجود به السماء”.

 

نلاحظ في سرد الشرع محاولاته الحثيثة والدائمة لتبرئة نفسه من السياسة الداخلية لنظام الأسد، ويظهر ذلك جلياً في نهاية الكتاب، حين حاول تفنيد موقفه من تسليم بشار الأسد لرئاسة سورية رغم أنه ضد مبدأ التوريث  - كما ذكر- ولكن خشي أن تعود ذكرى الصراع مع رفعت الأسد الذي حاول أن يستأثر بالحكم في ثمانيات القرن المنصرم عندما تعرض الأسد لوعكة صحية.

لن أستطيع تلخيص الكتاب إلا بالجملة الأخيرة التي اختتم بها الشرع مذكراته، وبهذه الجملة يمكن أن نعرف حجم تداخل العلاقة بينه وبين “حافظ الأسد". حيث جاء على ذكره بين طيتي الكتاب ١٢٦ مرة وبنفس عدد ذكره لكلمة "اسرائيل"، ربما هي محض صدفة أو إشارة رمزية من قبل الشرع الذي يمتلك أدوات الأديب وخياله، فيقول بوصف الأسد: "كان كشجرة السنديانة تموت وتظل جذورها حية في أعماق الأرض".
إذا الأسد الذي رفض أن يكون بنفسه في مفاوضات السلام بدعوى أنها لعبة كبرى، لا يمكن أن يكون بريء أمامنا اليوم، خاصة عندما يردد نظامه لعقود أن الصراع  مع إسرائيل هو صراع وجود لا حدود, إن مصطلح اللعبة الكبرى الذي كان يردده الشرع  بأن "إسرائيل هي من يطيل الصراع في المنطقة"  لم يعد صالحا للاستخدام والتوظيف بعد أن كشف "إبن النظام" رامي مخلوف طبيعة اللعبة الكبرى عندما قال: "إن أمن اسرائيل من أمن النظام السوري". هذا النظام الذي ما كان ليصمد داخلياُ لولا حجة المواجهة مع العدو الصهيوني, وما كان ليستمر الأسد لولا توظيفه لوجود العدو على حدود البلاد، ولعل هذه الرواية هي المفقودة في رواية الشرع.

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 2535

مقالات الكاتب