عدد القراءات: 9541

الدين في زمن الحرية ...

مهداة إلى الفنان مجاهد وليد ...

 1 
لا ينبت دين في العراء، بل لابد من حاضنة له، وحاضنة أي دين إرادة غالب المجتمع، ولذلك فأن تكون السلطة في يد الأغلبية يتحقق العدل الذي هو الدين ذاته، وإلا فكيف يأمر الله في القرآن بالعدل دون سلطة الغالبية؟!، وكيف يقوم العدل الذي هو أساس حكم الله إذا استأثرت فئة، أو عائلة أو حزب أو فرقة بالحكم؟!، وإذا انتفت أجواء الحرية وعمّ الإكراه، سقطت التكاليف الشرعية، فالله لا يؤاخذ من كان مكرهاً، فالمكره ليس مسؤولاً عما كسبت يداه، ولو حاسب الله المكرهين سقطت العدالة التي هي من أهم صفات الألوهية...   
كما لا يرضى الله عن أناس حولوا الدين إلى طقوس ورسوم ظاهرة سجود وصيام وحج وقراءة قرآن وسكوت ورضى بمفاسد الرأس الحاكم، إلى أن يموت الإنسان ويلقاه …


وفي غمار هذا الرضى يكون الفرد يحوف عائلته ونفسه بالموافقة والقبول بما قسم له السلطان، وما أفتاه وافتراه عليه علماء السلاطين ورجال الكهنوت الديني من  درء الفتنة وسد الذرائع  وتفويت المؤامرة، والالتزام بإقامة رسوم الشريعة وإعمار المساجد والاحتفال بقدر بسيط من لقمة العيش...
وقد يتدخل وفي ظروف ضيقة خدمة السلاطين لنصرة العدل حتى لا تبلغ الأمور مداها غير الممكن احتواؤه حتى لا يزعج ولي الأمر!!


يلعب كهنة الدين، دورا قاسياً في استعمار عقول الشعب وقلوبهم لصالح الحاكم، ومن أجل تبرير الواقع المخزي، فيعيش المواطن حبيس فقه الخلاص الفردي ومسائل العبادات النسكية التي جردت من معناها الجماعي، وانتظار حسن الخاتمة بعد أن التزم الحياد والابتعاد عن مواطن الفتنة والتي من أهمها مجابهة الحاكم الذي سرق المجتمع والدين والوعي وثروات البلاد، ويتحول المواطن إلى عسكري في مزرعة الحاكم، يعيش وهو يحذر الحاكم والأجهزة المتوحشة الأمنية، ويرضى أن يموت بفتوى من علماء السلطان، و يتحول المجتمع إلى غابة تحكمها شريعة الأقوى ومنطق السلطة، وهو ما يتنافى مع الشرع الذي يتخاصم  مع  حق القوة إلى قوة الحق .

إن الدين يحمل ثقافة الإنقاذ التي تفك الحصار المفروض على إرادة وقلب وعقل الإنسان، فلا إكراه في الدين يعني: هذه حياتي وهذا اختياري ولن يحكمني أحد باسم الله وباسم حزبه أو عائلته، ولن أحتكم لغير الاقتراع وصوتي مسموع في السياسة.

فإذا كنت حراً في اختياري لديني فمن باب أولى أن ارفض أي إكراه سياسي، ومن دون هذا المبدأ لما كان ثمة حاجة إلى شريعة السماء.


 ٢  
إن الدين كما جاء في تعريفاته، وضعٌ الهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات وإلى الخير في السلوك والمعاملات، ومن أول بنود الخير الجماعي ضمانة  حكم إداري منتخب ببنود دستورية توافقية.

نؤكد أن دين الدكان الذي صنعه السلطان هو ما أصر على قيم الوعيد والتنويم العقلي والشعوري لقضايا المجتم،ع في تحالف شيطاني بين مافيا وكهانة أدى ذلك إلى مهانة المجتمع وتحول الإسلام إلى جثة هامدة، فهو تركيبة تمازجية من وصايا ومواعظ ورقائق، وكان هذا التحول منذ استشهاد الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب .
الإسلام كان مهيض الجناح لا يعبر عن شرائع وإنما طقوس يسمح الحاكم بها بمقدار ما تحقق مصالحه وتدفع عنه نقمة المجتمع، وكي يفرغ الشعائر من دورها فقد حرّف مقاصدها، فهي لا تملك قوة القانون أولاً، وهي تناقض في تطبيقها ما شرعت من أجله، فمثلاً لم يمنع إعلامياً من إنشاء هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تراقب الضعفاء  وتجبر المحلات على إغلاق أبوابها عند كل أذان، وتحاسب المارين الذين لم يدخلوا المساجد، وتقطع أيدي السراق الصغار في الميادين العامة، لكن لا دخل لهيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بمراقبة بيت المال العام وموارد الدولة والميزانية العامة والداخل والخارج إلى ملاك الدولة،و التي تحولت إلى جيب للحاكم، كما لا يمكن أن تتدخل في حرية إقامة الاحزاب والتعبير والصحافة والاجتماع والمظاهرات أو رفع يد الجهز الامني للحاكم الذي أخرس الناس، كل ذلك يتم على تشويه الدين عن مراميه ودلالة واضحة على استنبات الدين الاستحماري الذي يقود الناس باسم الله وباسم السلطان إلى القهر والخنوع...
في القرآن الكريم :﴿والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾[التوبة/71].

هناك ترابط بين الإيمان وبين الالتزام بشؤون الولاية للمجتمع، إن الركن الأصيل للمجتمع قبل الصلاة وسائر الشرائع هو مبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ...
فلا مجال لتخدير المجتمع من خلال دغدغة مشاعره بإقامة ظواهر العبادات…


إن ضمور الدين كان نتيجة ظل الحاكم الذين طال ظلامه فانكسرت وانحسرت تعاليم الدين وفرغ الإسلام من قضاياه وشواغله وشواهده إلى صغائر الأمور أو إلى العبادات الفردية التي أيضاً أصابها التحريف  
إن المجتمع الذي يؤسسه الدين ليس فقط الذي تعلو فيه المآذن بل الذي تعلو فيه كلمة المواطن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر والقرآن كما أسلفت لا يمكن تطبيقه في مجتمع مقهور  في سورة النساء: ﴿إنَّ الَذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا  أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وسَاءَتْ مَصِيراً ﴾[النساء/97].
القرار يعود لك وليس لسلطة مجتمعك الاثمة الغاشمة انت غير مسامح ولست معفياًمن تحمل مسؤوليتك في إقامة مجتمع ديمقراطي يلتزم بقيم الشرع الجماعي وما توافق عليه الجميع من غير تسلط أو عنت فإن تمت مقاومتك في بناء حياة عادلة فواجه أو فارحل في أرض الله الرحبة.
 

 ٣     
ويلفت النظر في الخطاب القرآني، أنه ليس موجهاً إلى شخص الحاكم أو أعضاء مجلس الشورى أو نواب الأمة أو أهل الحل والعقد، بل إلى جميع المواطنين من دون استثناء، بغض النظر عن موقع المواطن أو لونه أو طائفته، فالشورى في شرح الإسلام، ليست «فرض كفاءة» فقط، بمعنى أن يتولاها النواب كفاية عن بقية الأمة، بل هي «فرض عين»، أي فريضة يلتزم بأدائها كل مواطن شخصياً، أو كما قال ابن تيمية:

(إذا كان جماع الدين هو أمر ونهي. فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف. والنهي الذي بعثه به، هو النهي عن المنكر، وهذا نعت النبي    والمؤمنين. وهذا واجب على كل مسلم قادر).
 

فأين نذهب من هنا؟
ثمة طريقتان:

  • - الأولى: أن ننكر واقعنا الحرج، ونكتم صوت العقل، مصرّين على القول بأن الإسلام (هو ما وجدنا عليه آباءنا. وإنّا على آثارهم لمقتدون). وهي وصفة عملية جداً، من شأنها أن تغلق باب النقاش من أوله، وتضمن لنا أربعة عشر قرناً أخرى من تقليد السلف الصالح، نقضيها في حماية رعاتنا من الملوك والرؤساء والسلاطين، الذين نجحوا حتى الآن في أن يكفلوا لنا موقع الصدارة بين أكثر شعوب العالم تخلفاً وفقراً، فنحن حالياً أمة تتسول لقمة عيشها اليومي من دول الشرق والغرب، وتعيش على الصدقات والهبات، وتعاني من مآسي الحروب الأهلية على طول المنطقة الممتدة من الصحراء الغربية إلى قرى الأكراد في العراق، وتتلقى الهزائم على جميع الجبهات الصغيرة والكبيرة، وترزح تحت أسوأ نظم الحكم التي عرفها التاريخ، وتبدو مضحكة ـ ومبكية أيضاً ـ مثل مهرج مات في منتصف العرض.
    في ضوء هذا الواقع، يلزمنا أن نتذكر قول القرآن:

﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ واللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وفَضْلاً﴾[البقرة/265]. فهذا قول يعلن صراحة أن الإسلام الذي نعايشه الآن هو إسلام الفقر والفحشاء، وأننا متورطون في وعود الشيطان جهاراً، ومن دون أمل في رحمة الله.


- الطريق الأخرى ـ والأكثر مشقة ـ هي أن ننظر إلى الواقع في عينه، وننصت ملياً إلى صوت الحق. فالإسلام الذي ورثناه عن أسلافنا، ليس هو الإسلام الذي بشّر به القرآن، بل نسخة ناقصة عنه، ومشوهة إلى ما لا نهاية.

 

إنه مجرد بديل فقهي، صنعه الإقطاع على مقاسه، بأن سلبه قلبه وصوته معاً، وأحاله إلى صنم أجوف، قد يشبه الإسلام في شكله ولغته، لكنه يختلف عنه عملياً، بقدر ما يختلف الميت عن الحي، وإذا كنا حريصين على جوهر الدين حقاً، ويهمنا أن نلتزم بروح النص ومحتواه، فإن علينا أن نراعي أن جميع نصوص القرآن، وفتاوى أصحاب المذاهب وخبراء التشريع الإسلامي  قد التقت على القول، بأن الإسلام لا يقوم من دون سلطة الأغلبية، وأن كل محاولة لتطبيق الشريعة من دون إشراف المواطن على سير الإدارة وإصدار القوانين، فكرة موجهة عمداً لضرب الإسلام باسم الإسلام.

 

علِّق