عدد القراءات: 2383

الدين أو الدولة، بغيابهما معاً يتوحش الإنسان

 

إنَّ أكثر عاملين يؤثران في ضبط تصرفات البشر عموماً هما الدين والقانون، أي الدين والقوانين التي تسودُ في مجتمع ما سواء أتفقت مع التشريعات الدينية أو لم تتفق.

تعاني المجتمعات العربية خصوصاً بسبب ابتعادها عن فهم ماهية الدين وعدم احترامها لمفهود الدولة، فالدين في أذهان كثيرٍ من المسلمين ليس سوى مجموعة من الأوامر والنواهي والعقوبات الدنيوية والأخروية التي تنتظر من يُخالف أوامر الله.

ارتبط مفهوم الدين في عقول كثيرٍ من المسلمين بالجبر والإكراه والحدود مع أنَّ الله يقول :

 "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" البقرة، الآية 256

فلا يفهم أكثرُ المسلمين من تحكيم الشريعة سوى القتل والجلد وقطع يد السارق، مع أن أصل الدين قائم على نشر العدالة المجتمعية بما يقلل إلى الحد الأدنى انتشار الظواهر التي تستحق العقوبة.

فلا يمكن تخيل الحديث عن الدين حين تغيب العدالة، لذلك كان أوَّل ما أمر الله به هو إقامة العدالة :

"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" النحل، الآية 90

فالدين لا يهدف إلى شقاء أتباعه، بل يفترض به أنه جاء لسعادتهم، لذلك لا يمكن تخيل وجود الدين حين تغيب السعادة المجتمعية، ويشقى الناس بمقدار ابتعادهم عن تحقيق مقاصد الدين.

 

 

قدمت كثير من الحركات التي تسمي نفسها "إسلامية" صورة مشوهة عن الدين فزاد شقاء الشعوب العربية، وأصبح قادة هذه الحركات يقدمون أنفسهم على أنهم متحدثين باسم الله دون أن يستطيعوا إيجاد الحلول لمشكلات مجتمعاتهم، فساهموا في قتل الدين باسم الله واستجروا الأعداء الخارجيين لقتل المسلمين في بلدانهم.

هذا عن الدين، أما الدولة فهي في نظر أكثر الشعوب العربية مجموعة أشخاصٍ يكونون سلطة تحكم المجتمع بالقهر والفساد، فإما أن ينسجم المواطن مع حالة الفساد تلك ليستطيع تلبية احتياجاته وحماية نفسه، أو أن يجد نفسه منبوذا فقيراً، وقد عبَّر لي أحد الأصدقاء عن هذه الفكرة حين قال لي يوماً بعد أن سألتُه عن سبب قبوله للرشوة : "إما بتقدر على الدولة أو أنه الدولة بتقدر عليك" !

أي أن علاقة المواطن العربي مع مفهوم الدولة تقومُ أساساً على فكرة صراعه معها ليستطيع التغلب عليها، فهو يرى في داخله أن الدولة عدو له لذلك فهو يستغل كل فرصة للانقضاض عليها وافتراسها.

ربما ابتعدت المجتمعات الغربية عن تشريعاتها الدينية، لكنَّ الاتفاق على مفهومٍ للدولة قائم على العدالة المجتمعية واحترام مواطني تلك المجتمعات للقوانين السائدة هو الذي يضبطُ تصرفاتهم ويساهم في تنمية مجتمعاتهم.

فكثيراً ما نسمع عن ازدياد حالات السرقة والتحرش والجريمة في بعض البلدان العربية والغربية على السواء بسبب انقطاعٍ للتيار الكهربائي أو بسبب انفلات أمني طارئ !

ففي 13 تموز/ يوليو 1977 أصاب عطل كهربائي استمر ساعات مدينة نيويورك ومنطقة ويشيستر المجاورة، وقد أوقفت الشرطة آلاف الأشخاص بعد موجة من عمليات النهب وأعمال الشغب.

وشهدت القاهرة والمدن المصرية الكبيرة في 25 نيسان/ أبريل 1990 فوضى لا سابق لها بعد انقطاع التيار الكهربائي بسبب عاصفة رملية أثرت على جميع أنحاء الأراضي المصرية تقريباً.

حين انهارت قوى الدولة في العراق وسورية وليبيا واليمن انكشفت الحقيقة الدينية لتلك الشعوب، فلم يكن للدين أية حاكمية على تصرفاتنا، بل كانت سطوة الدولة هي التي تضبط سلوكنا وحين انهارت تلك السطوة انهار كل شيء وفعلنا كل شيء دون احترام للقيم التي دعا لها الدين.

 

لا يمكن للشعوب العربية أن تنهض من جديد إذا بقيت مصرة على فهمها الحالي لمفهوم الدولة، ولا يمكن لها أن تعلو إذا بقيت تنظر إلى الدين من باب العقوبات والإكراه.

مفهوم الدولة لا يتعارض مع حرية التدين لكل شخص، فالدولة يجب أن تكون كالشمس التي تشرق على الجميع دون تمييز بين الناس على أساس ديني أو عرقي، أما الدين فهو مسألة شخصية تتعلق بقناعات كل واحد منا.

تنهض الشعوب العربية حين يرى المواطن العربي نفسه جزءاً فاعلاً في الدولة وعضواً أساسياً في قيادتها، وحين يكفُّ عن الاعتداء على قناعات الآخرين الدينية.

 

علِّق