عدد القراءات: 8663

الديموغرافيا السوريّة، بانوراما تاريخية و معاصرة؛ الخصائص و التحولات

منذ حوالي الألف العاشر قبل الميلاد ، بدأت تتبلور الشخصية السورية الممتدة مكانياً على مدى الهلال الخصيب ، و باطراد مع الزمن و العصور ، بتنا نلاحظ وفق المعطيات الآثارية أن الشخصية السورية تأخذ بالتطور نحو الاكتمال ، حتى عبّرتْ عن تبلورها في نشوء المدن الأولى و في ابتكار الكتابة في نهاية الألف الرابع ق .م .
الملامح الأساسية في الشخصية السورية تقدم جملة من القيم و المعايير أهمها : أنها شخصية منفتحة على الكون والخير و الجمال ، أنها لا تُعبّر عن نفسها إلا وفق ناظم التفاعل والانفتاح ، وكل أحادية إن كانت اجتماعية أو دينية أو سياسية هي أحادية مدمرة للشخصية السورية .
البنية الديمغرافية السورية منذ بدء التأريخ تكونت من الأرومات السومرية \ مع تحفظ نقدي حتى استجلاء ماهية السومريين \ ، الأمورية الكنعانية و تمظهراتها الأشورية و البابلية . ثم الآرامية فالعربية .
منذ بدء التأريخ إلى ظهور المسيحية ، أي حوالي 3000 عام من الزمن ، تبلورت الشخصية السورية ، فأبدعت فنونها ، ألوهيتها ، فكرها ، ما انعكس على الواقع الانساني برمته وهذا ما أضاف على شخصيتها مقولة أنها ضرورة انسانية .
البنية الذهنية السورية آنذاك ولكونها تصورت السماء وعوالمها الخفية وابتكرت رموزها بمعنى خلقت إلهها وفق ناظم الخير و الجمال ، لم تعان من التفكك الاجتماعي المستند على المعطى الاعتقادي ، بل جعلت المقدس صدى للدنيوي و الدنيوي معطى مقدساً ، بمعنى نحن أمل تماهٍ بين عالمين هما من ركائز حركة و روح الكون .
الدنيوي المشرقي أو السوري كانت روحه تفيض نحو السماء فتعكس السماء بدورها تصالحها معه وفيه وبذا مضى السوري في توازنه الروحي – المادي .
مع الأديان السماوية \ كما اُتفق عليه \ أصبحت سوريا أمام مفترق وجودي ، و رغم قدرتها التاريخية على الاستيعاب إلا أن تكرّس النمطية أو الأحادية أدى بها إلى الانحراف عن محورها الطبيعي الحقيقي .
المسيحية و لكونها ديانة تبشيرية و ليست دين ودولة ، كما أنها في تجلياتها الأولى كانت صدى للتطور الذهني الأسطوري – الاعتقادي السوري ، لم تؤثر على خصائص وسمات الشخصية السورية بل ساهمت في تفعيل قيم الخير و الجمال رغم الشعور الآثم بالخطيئة الانسانية الأولى ، ثم أن في شخصية المسيح تآلف المقدس مع الدنيوي على جريّ الخط الذهني السوري الأول .
مع الديانة الاسلامية ، تعقدت حكاية الحضارة السورية ، ثقافة الصحراء هنا ضحلة و من الطبيعي أن تأتيها قيم تختص بها ، الخطأ التاريخي كان في تصدير الديانة الاسلامية \ لأسباب اقتصادية ثم دينية \ خارج شبه الجزيرة العربية ، بما فرض قيم التصحر على ثقافة أعمق تاريخياً وحضارياً بآلاف السنين .
الدراسات التاريخية تشير إلى أن القادم من ثقافة أدنى إلى ثقافة أعلى \ ليس من الاستعلاء طبعاً \ إما أن ينصهر أو يدمر، وقوة السلاح آنذاك كون سوريا كانت محتلة هي التي فرضت الثقافة الصحراوية = الاسلامية على الواقع الشامي \ بلاد الشام \ .
ليست المشكلة إلى الآن فيما حصل ، فقد استطاعت سوريا كدولة أموية من أن تمنح الاسلام بعداً جديداً يستند إلى تراثها الغني ، لهذا فحق على كل سوري أن يفتخر بالدولة الأموية السورية بانتمائه السوري و ليس بانتمائه المذهبي أو الطائفي .
البنية الديمغرافية السورية منذ مابعد عصر الاحتلالات الاسلامية ، تناثرت تبعاً للصراعات السياسية في البيت الاسلامي منذ موت النبي ، وتبعاً للتجاذبات والتنابذات الاجتماعية والمعتقدية بحيث أن المذاهب و الطوائف ضمن الدين الاسلامي ظهرت لعدم استساغة الواقع الزراعي تحديداً صاحب الاعتقادات الخصبية ، لدين جاء يخاطب ثقافة صحراوية ، ثم أن التفاعلات الفكرية منذ العصر الهلنتسي التي شهدها المشرق وحتى حضارات المتوسط ، ساهمت في حدوث هذا الافتراق الحضاري و الذهني .
سأطرح مثلاً لتوضيح الفكرة : مطلق موقع أثري في المشرق يمتلك تواصلية حضارية منذ أول التأريخ وحتى العصر الاسلامي سنجد في مجال العمارة مثلاً ، أن عمارة الألف الثالث والثاني ق.م تمتاز بالضخامة والابتكار والفن العالي وكذلك بالاتجاه نحو الألف الأول ق.م وحتى النصف الأول من الألف الميلادي الأول .
ثم في السوية الاسلامية \ الأحدث زمنياً \ سنجد أننا أمام عمارة هزيلة بدائية تمنحنا اعتقاداً بأن ثمة هبوطاً في السلم الحضاري .
على نفس المساق لنا أن نقيس ما جرى لكافة مناحي الحياة السورية ، الذهنية و الاجتماعية ..الخ .
الآن ، البنية الديمغرافية السورية تتألف من أطياف سوريّة ، باعد بينها السبب التاريخي الاسلامي السياسي ثم الديني، فبدل السومري – الأموري الكنعاني – الآرامي – العربي المشرقي ، أصبحنا أمام سوري اسلامي \ سني – شيعي – علوي – درزي – اسماعيلي – مرشدي الخ \ .. بالإضافة إلى المسيحي وهكذا ..
لو يعلم السوري مثلاً أن مرجعيته الدينية و المذهبية و الطائفية تعود إلى الجزيرة العربية أمكنة أخرى  وليس إلى سوريا ، و لاسيما في وجهها السياسي  لاعتقدتُ أن عليه أن يعيد تشكيل سوريته وفق ناظم حضاري جديد .
الخطير في الأمر الآن ، أن الانتماء الديني والمذهبي والطائفي هو المحدِد للشخصية السورية عوضاً من أن تكون الشخصية السورية هي المحتوية لكل هذه الانتماءات المريضة .
و الأنكى من ذلك أن سبب التناثر هنا ليس دينياً أو مذهبياً أو طائفياً بقدر ماهو سبب اجتماعي – اقتصادي، يرتدي لبوس الشرق المريض بالتدين .
السوري سوريٌ منذ بدء التأريخ لكن تمظهراته وانتماءاته مريضة ، ستودي بسوريا إلى الهلاك إن عاجلاً أم آجلاً .

علِّق

مقالات الكاتب

الزمن السوري