No votes yet
عدد القراءات: 9582
كلمات مفتاحية: 

الديكتاتورية تطرق أبواب القارة العجوز مجدداً مع توجه لوكاشينكو لسحق معارضيه

تاريخ النشر: 
29 آذار (مارس), 2017
اللغة الأصلية: 

 

كان "يوم الحرية" حزيناً في العاصمة البيلاروسية مينسك، عندما تظاهر البيلاروسيون تقليدياً من أجل حقوق الإنسان إذ أنه يقبع اليوم في السجون أكثر من 350 شخصاً.

بدت الشوارع الإسفلتية الرمادية في العاصمة البيلاروسية مينسك، نظيفة جداً وخاوية على عروشها تقريباً عشية تظاهرة كبيرة نظمتها المعارضة ضد زعيم البلاد المستبد أليكسندر لوكاشينكو،حيث تناقل الجميع مفردات من قبيل "الاعتقال" و"القمع". وأمرَ المسئولين بالزي الرسمي والملابس العادية، الناس بالتزام منازلهم واحتجزوهم بالمكاتب والشوارع. و بحلول يوم الجمعة ، كان حوالي 300 شخص يقبعون خلف القضبان. وبدا الجو العام السائد هناك وكأنه يقول أن العاصمة البيلاروسية ليست في أوروبا وإنما في كوريا الشمالية.

و توارى الصحفيين عن الأنظار، قبل انضمامهم إلى التظاهرات يوم السبت، حيث اعتقلت الشرطة 25 صحفياً. ويوم الخميس كانت الشرطة قد اعتقلت 17 من الناشطين والداعمين للمعارضة، وعَينة عشوائية من المارة. واعترض جهاز الاستخبارات المعروف بـ" كي جي بي" وهي اللفظة التي لا يزال يستخدمها جهاز الأمن في بيلاروسيا، الهواتف الخلوية ناهيك عن اختراقه حسابات ناشطين واقعيين على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

ومن شقته السرية تحت الأرض، تحدث زعيم المعارضة والمخضرم المنشق ميكولا ستاتكفيتش يوم الجمعة لصحيفة الدايلي بيست عن كيمياء الديكتاتورية، والشجاعة التي يحتاجها الناس اليوم ليس فقط في بيلاروسيا، بل في الغرب ككل، وقال أنه قد حان الوقت للوقوف على القيم الديمقراطية وضد الفظائع.

وأضاف ستاتكفيتش:" لا تنجب الديكتاتورية إلا ديكتاتورية مثلها"، مشيراً إلى أن بلداً يبدو وكأنه قديم ومنسي مثل بيلاروسيا  يؤسس سوابق انتشرت خصوصاً في عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وتابع الزعيم:" جميع أعمال القمع السياسي التي تمارسها موسكو اليوم، كان لوكاشينكو قد سبقها إليها. وينبغي للإتحاد الأوروبي إدراك أنه من دون الطاغية لوكاشينكو، لم يكن ليشهد العالم الإجراءات القمعية الأخيرة من جانب المستبد بوتين".

ومنذ العام 1996، فاز لوكاشينكو بالانتخابات الرئاسية خمس مرات وفي كل مرة كان يزج بمعارضيه في السجون، بيد أن هذه أوقات عصيبة لدول الجوار الروسي، الذين لديهم كل الأسباب التي تدفعهم للاعتقاد بأنه يريد إعادة تشكيل الإمبراطورية الروسية وإحياءها حتى لو كان ذلك يعني تغيير مواقفه ووقوفه إلى جانب أصدقاءه السابقين.

وقد مر ستاتكفيتش بأوقات عصيبة وظروف سيئة.

ففي العام 2010، شارك بالانتخابات الرئاسية ووصف لوكاشنكو بـ"الجبان" لعدم مواجهته المرشحين الآخرين في المناظرات العامة حتى ولو لمرة واحدة.

وخلال حديثه للصحيفة، قال ستاتكفيتش:" أبقى لوكاشينكو عَلَيَ في السجن خمس سنوات وعندما خرجت عام 2015، أخبرت العامة أنه مجرم ويستحق أن يُرمى في السجن. انضم إلينا أكثر من خمسة الاف متظاهر في مينسك الشهر الماضي حتى من أولئك الذين صوتوا لصالح لوكاشينكو في السابق. وأثارت الكلمات الصادقة التي تحدثنا بها في الساحات، حماسة الناس وشجعتهم. إن البيلاروسيين الذين خاب أملهم جداً مستعدين للمجازفة ومواجهة المخاطر، ولهذا فإننا نطلب من العالم أن يساعدنا هذه المرة".

وفي نفس ذلك اليوم من الشهر الفائت، اكتشفت زوجة ستاتكفيتش ومساعدتها مارينا،توقف هاتفها الخلوي وشبكة الإنترنت في منزلها عن العمل في ظروف غامضة، وأن أحد ما كان يكتب المنشورات على حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويتعاطف الناشطين المعارضين لبوتين مع هذه الحركة الاحتجاجية المناهضة للوكاشينكو.

 

ويقول إيليا ياشين الذي كان يقود الروس في مظاهرات ضد بوتين لأكثر من عقدٍ من الزمن:" بوتين هو تلميذ لوكاشينكو منذ زمن طويل، وينسخ تدريجياً القوانين البيلاروسية ضد المنشقين وكامل نظام القمع من جهاز الاستخبارات والأمن البيلاروسي".

لقد عاش جيل كامل من البيلاروسيين حياته معارضاً  للرئيس لوكاشينكو الذي عاش طيلة حياته هو الاخر ممارساً للضغوطات عليهم. دَمرَ القتال حياة الآلاف ونشأ الأطفال مفتقدين  ذويهم الذين غيبتهم السجون، ولم يستطع الناشطين المنفيين الذين فقدوا عوائلهم وضحوا بمهنتهم، العودة إلى البلاد.

وفي الوقت نفسه،ازداد سكان البلاد فقراً على فقر. وقبل عامين، عندما فاز لوكاشينكو بالانتخابات للمرة الخامسة، بلغ متوسط الراتب الرسمي في البلاد 435دولار شهرياً. وفي هذا العام، انخفض الرقم بنسبة 100 دولار.

وتقول ناتا رادينا رئيسة تحرير موقع تشارتر97 للنشر على الإنترنت:" للمرة الأولى نرى جمهور ناخبي لوكاشينكو من الذين هم في منتصف العمر، وكبار السن، ينضمون إلى الاحتجاجات. إنهم يخاطبون لوكاشنكو علناً قائلين: "ارحل فقد فشلت في أن تكون زعيم لنا".

و حضرت رادينا التي كان مقرها في وارسو، اجتماعات مع المشرعين البولنديين في وقت سابق من هذا الأسبوع، حيث ناقش المسئولين الأوروبيين فرض عقوبات اقتصادية جديدة ضد قطاعات عدة من الاقتصاد البيلاروسي.وقالت رادينا أن الأمم المتحدة والمنظمة الدولية لحقوق الإنسان دعت لوكاشينكو لوضع حد للقمع والسماح للبيلاروسيين بممارسة حقوقهم الدستورية.

 

وقال اليكسي سوزنوف رجل الأعمال البيلاروسي الذي توجب عليه العمل في روسيا لمساعدة والدته، : لقد رأينا وخَبِرنا كل شيء بداية من الجرائم السياسة  مروراُ بتعذيب المنشقين وانتهاءً بإصابة أعضاء المعارضة بأمراض قاتلة في السجون، والإضرابات عن الطعام". ويقول سوزنوف :" بيلاروسيا دولة فاشلة، والمرة الوحيدة التي رأينا فيها لوكاشينكو داعماً للغرب بشكل طفيف، هي عندما كان يرزح تحت وطأة العقوبات الاقتصادية".

ولسنوات عدة، كانت موسكو تعمل كالمانح والحليف الرئيسي للوكاشينكو وتدعم نظام دولة يبلغ تعداد سكانها أقل من 10 ملايين نسمة. وتسامح الكرملين مع ديون بقيمة مئات ملايين الدولارات لغاية العام الحالي، عندما قَدَرَت روسيا أن تكون ديون مينسك من الغاز الطبيعي حوالي 550 مليون دولار. ولا يملك لوكاشينكو المال الكافي لتسديد قيمة فاتورة كبيرة كهذه.

وتقول رادينا:" تحتاج موسكو لإنفاق المال في سوريا وأوكرانيا، ولهذا يشعر لوكاشينكو بتلاشي فرصته بتلقي المزيد من المال من الكرملين".

ويوم الجمعة، اعتقلت الشرطة 13 شخصاً من بينهم فرنسيون وأوكرانيون وصحفيون بيلاروسيون في مكتب الحزب الأخضر، حيث جمع المتطوعين الملابس والطعام وأشياء أخرى من شأنها مساعدة الناشطين المعتقلين.

 

وقال أحد أولئك المعتقلين ويدعى جوليفير كراغ من شبكة فرانس 24 الإخبارية الدولية، أن الصحفيين طلبوا من الشرطة توضيح سبب اعتقالهم ولكن دون جدوى. كان الجواب الوحيد الذي سمعوه على الشكل التالي:" تلقينا معلومات بوقوع جريمة هنا ونحتاج للتأكد من هويات الجميع". وقال كراغ للدايلي بيست أن أحداً من المعتقلين الآخرين لم يتلقَ أي مساعدات ذلك اليوم نظراً لأن الشرطة احتجزت جميع المتطوعين.

و يتقاسم السياسيين في موسكو و مينسك ، عادة متشابهة ألا وهي إلقاء اللوم على الخارج لتدبيره الانقلابات السياسية، كما لو أنه من غير المُتصوَر أن ينتفضَ الشعب بمفرده ضد حكامه المستبدين.

ويوم الجمعة، اعترف لوكاشينكو أنه يشعر بالقلق من احتمال أن تشهد بلاده ثورة مماثلة لتلك التي وقعت في أوكرانيا في ساحات العاصمة كييف شتاء العام 3013- 2014. ودفعت تلك الأحداث بموسكو لشن موجة من الأعمال الانتقامية السرية تارة والعلنية تارة أخرى، واستمرار الحرب هناك.

وصرح لوكاشينكو قائلا:" يريد البعض تفجير الوضع في البلاد واستغلال أصحاب النزوات من بيننا، ولكنني لن اسمح بذلك".

أما إيرينا خاليب المراقبة منذ زمن طويل للكفاح المناهض للوكاشينكو، فتنبأت بموجة اعتقالات جماعية تطال المحتجين في احتجاجات يوم الأحد، وهذا ما حدث فعلاً.

وأعلنت وكالة الأنباء الرسمية في بيلاروسيا أن" الاحتجاجات الغير مرخصة" يوم السبت، فشلت في حشد الدعم الشعبي لها، بيد أن الصورة التي ظهرت في موقع تشارتر97  قالت عكس ذلك تماماً.

وبحسب هذا التقرير المصحوب بفيديو موسع وصور ثابتة، فإن عمليات الاعتقال الجماعي وقعت في مركز المدينة في محيط أكاديمية العلوم ومناطق أخرى، إذ أظهرت الصور عناصر الشرطة وهم يقبضون على كل من كان يحمل ملصقاً أو رايةَ".

ونجح حشد كبير من الناس بالتجمع في منطقة واحدة في محيط ساحة يعقوب كولاس، وفقاً لما جاء في موقع تشارتر 97، غير أن شرطة مكافحة الشغب حاصرت المتظاهرين هناك واحتجزتهم جميعاً ثم اعتقلت المئات منهم.

وقالت إيرينا خاليب أنها تشعر وآخرين  "بالقلق العميق"  من أنه قد يتم استغلال أي حدث أو استفزاز لغرض سجن ستاتكفيتش، كبير رموز المعارضة في البلاد، مجدداً.

 

---------------------

الكاتب:

Anna Nemtsova, آنا نيمتسوفا هي مراسلة لصحيفتي نيوزويك ودايلي بيست في موسكو وعملت كذلك في الفورن بوليسي وموقع إن بي سي نيوز الإخباري  والغارديان وغيرها.

علِّق