No votes yet
عدد القراءات: 5444

الدولة الاسلامية في العراق والشام تتعدى كونها جماعة ارهابية

الكاتب الأصلي: 
Audrey Kurth Cronin
تاريخ النشر: 
1 نيسان (أبريل), 2015

بعد الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر،قلق العديد من افراد مؤسسة الأمن القومي  في الولايات المتحدة من أنه على الرغم من العقود الطويلة من الزمن التي تم صرفها بالتحضير لمواجهة عدو تقليدي، فإن واشنطن لم تكن مستعدة لمواجهة التحدي المطروح من قوى عدائية غير تقليدية كتنظيم القاعدة.
لذلك وخلال العقد التالي، قامت الولايات المتحدة ببناء بنية بيروقراطية من اجل مواجهة هذه المنظمة الجهادية،  حيث قامت بتعديل قوتها العسكرية الاستخباراتية وهيئات تطبيق القانون بحيث تصبح قادرةعلى أن تأخذ على عاتقها مهام مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد.
ولكن الآن،  مجموعة مختلفة، تعرف باسم الدولة الإسلامية في العراق و الشام او اصطلاحا تحت اسم (داعش)، تدعو نفسها ايضا باسم (الدولة الاسلامية)، قد حلت محل تنظيم القاعدة من حيث كونها التنظيم الجهادي الاكثر مدعاة للقلق. أيديولوجية داعش وخطابها واهدافها طويلة الاجل تشابه القاعدة، والمجموعتان  كانتا متحالفتين سابقا.
ويعتقد الكثير من المراقبين ان التحدي الابرز حاليا هو تركيز قدرات جهاز مكافحة الارهاب الهائل لدى واشنطن على هدف جديد

ولكن داعش ليست القاعد ة لا تفرعا او جزءا من تنظيم اسلامي متطرف اقدم، وايضا ليست تطورا لاي تنظيم اسلامي، وعلى الرغم من بقاء تنظيم القاعدة كخطر قائم -خصوصا تأثيرها في شمال أفريقيا واليمن- ولكن خليفتها داعش تمثل الخطر الجهادي ما بعد تنظيم القاعدة.

وفي  خطاب متلفز في ايلول/ سبتمبر الماضي،  شرح فيه خطته "لشل خطر داعش وتدميرها في النهاية" قام الرئيس الأمريكي باراك أوباما برسم خط مباشر ما بين القاعدة و داعش، معلنا ان داعش "بكل وضوح وبساطة منظمة إرهابية".
وهذا كان خاطئ، حيث ان داعش تكاد لا تلائم هذا الوصف، فعلى الرغم من اتباعها تكتيكات إرهابية،  في الحقيقية هي ليست منظمة إرهابية على الإطلاق.
حيث ان الشبكات الإرهابية كالقاعدة مثلا، تمتلك ما لا يزيد عن عشرات او مئات الأعضاء، وتقوم بمهاجمة المدنيين ولكن لا تسيطر على مناطق محددة، وتكون غير قادرة على مواجهة القوة العسكرية.
في المقابل فإن داعش  تضم ما يقارب 30000 مقاتل، تسطير على اراض في سوريا والعراق وتمتلك قوة عسكرية مكثفة تسيطر على قنوات اتصال و تدير منشآت بنى تحتية وتقوم بتمويل ذاتها وتشترك بعمليات عسكرية عالية التعقيد، فاذا اردنا ان نصف داعش بأي وصف فهي ببساطة ووضوح دولة زائفة تقاد من قبل جيش نظامي.
ولهذا السبب جهود مكافحة التمرد و الإرهاب عالية النجاح في مواجهة القاعدة ولكنها ليست كذلك في مواجهة داعش.
واشنطن ابدت بطئاً في تعديل سياساتها في العراق وسوريا بحيث تتلاءم مع واقع التهديد القائم من قبل داعش، ففي سوريا جهود مكافحة الإرهاب من قبل  الولايات المتحدة وضعت في اولوياتها مهاجمة اذرع القاعدة مما يصب في مصلحة داعش وايضا في مصلحة قوات الأسد التي اعطاها فرصة تحطيم قوات الثوار المتحالفة مع الولايات المتحدة.

وفي العراق واشنطن تعتمد على شكل من أشكال مكافحة التمرد، معتمدة على الحكومة المحلية لتسترد شرعيتها، توحد البلاد وتبني قوة متجانسة لهزيمة داعش.
إن الفروقات ما بين داعش والقاعدة متجذرة جزئيا في تاريخهما. حيث اتت القاعدة في اعقاب الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979، حيث تشكلت وجهات نظر قادتها نحو العالم وتفكيرهم الاستراتيجي على اثر  الحرب التي امتدت لعشر سنوات في مواجهة الاحتلال السوفيتي.،فقام الاف المسلحين المسلمين بمن فيهم اسامة بن لادن بالتوافد على البلاد. وعندما بدأت المنظمة بالتكتل اخذت شكل شبكة عالمية هدفها القيام بعمليات نوعية ضد اهداف غربية او حليفة للغرب، وقامت  بتجييش المسلمين لينضموا للمواجهة العالمية ضد القوى العلمانية القريبة منها والبعيدة

أما داعش فقد ظهرت بفضل الغزو الأمريكي للعراق في 2003، وعند تشكلها كانت لا تعدو كونها  احدى المجموعات السنية المتطرفة التي واجهت القوات الاميركية وهاجمت المدنيين الشيعة في محاولة منها لتأجيج حرب طائفية، في ذلك الوقت كانت تدعى (تنظيم القاعدة في العراق)، و قائدها ابو مصعب الزرقاوي الذي اعلن ولاءه لبن لادن، والذي تم قتله في غارة جوية للولايات المتحدة سنة 2006، وبعدها تم القضاء على تنظيم القاعدة في العراق من قبل القبائل السنية التي قررت التعاون مع القوات الأمريكية لمواجهة الجهاديين.
هذه الهزيمة كانت مؤقتة حيث ما لبثت القاعدة في العراق ان جددت نفسها في السجون المدارة من قبل الولايات المتحدة، حيث قام النشطاء المتمردون والارهابيون بالتواصل وتشكيل شبكات،  وفي ذلك الحين   قام قائد المجموعة الحالي والذي اعلن عن نفسه خليفة، أبو بكر البغدادي،  بالتعريف عن نفسه كقائد لاول مرة.

في عام 2011 وبعد ان توسعت الثورة ضد نظام الاسد في سوريا إلى حرب اهلية شاملة، استغلت المجموعة الفوضى وسيطرت على منطقة في شمال شرقي سوريا، مؤسسة بذلك إحدى قواعد عملياتها لتعيد تقديم نفسها تحت اسم الدولة الاسلامية في العراق و الشام -داعش-.

في العراق، استمرت المجموعة  بالاستفادة من ضعف الحكومة المركزية واستغلال الصراع الطائفي الموجود في البلاد، الذي ازدادت حدته بعيد انسحاب القوات الامريكية من العراق.
ففي غياب الوجود الأمريكي قام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي باتباع اجندة شديدة الدعم للشيعة مهمشا العرب السنة.  حيث تعتمد داعش الان ضمن افرادها على القادة القبليين السنة والمعارضين السابقين للتواجد الأمريكي بالاضافة إلى بعض الضباط العلمانيين السابقين في الجيش العراقي الذين يسعون إلى استرداد القوة والامن الذي تمتعوا به ابان حكم صدام حسين.

سعي المجموعة لاحتلال اراضي العراق شكل صدمة، حيث اعتقد  معظم المحللين ان بإمكان القوات العراقية المدربة امريكيا ان تحتوي خطرها إبان سيطرة التنظيم على الفلوجة والرمادي في كانون الثاني 2014،  ولكن في حزيران وفي وسط عمليات فرار واسعة للجيش العراقي، تحركت داعش نحو بغداد، مسيطرة على الموصل والقيم وعدة بلدات عراقية اخرى، وبحلول نهاية الشهر اعادت داعش تسمية نفسها لتطلق على نفسها اسم "الدولة الاسلامية" مدعية ان الأراضي التي تسيطر عليها اصبحت تحت سيطرة الخليفة الجديد وفي ذات الوقت حسب  تقديرات استخباراتية اميركية فإن حوالي 15000 مقاتل من 80دولة توافدوا الى المنطقة للإنضمام إلى داعش بمعدل بلغ 1000 مقاتل في الشهر، وعلى الرغم من ان معظم المنضمين قدموا من بلدان ذات غالبية مسلمة، كتونس والمملكة العربية السعودية، فان بعضهم اتى من أستراليا،الصين،روسيا و بلدان اوروبا الغربية، حتى ان داعش استطاعت ان تجذب بعض المراهقين الاميركيين سواء كانو فتيان ام فتيات ينتمون لعائلات من الطبقة المتوسطة في دينفر، مينايبولس وضواح اخرى لشيكاغو
ومع نمو داعش، توضحت اهدافها ونواياها،  حيث اعتبرت القاعدة نفسها في طليعة التمرد العالمي لنقل المجتمعات المسلمة للمواجهة مع القوى العلمانية، بينما تسعى داعش على العكس إلى السيطرة على مناطق مختلفة  وانشاء الدولة الإسلامية"السنية" الصرفة المحكومة وفق فهم وحشي للشريعة وتسعى مباشرة لطمس الحدود السياسية للشرق الاوسط  المرسومة من قبل القوى الغربية في القرن العشرين، لتضع نفسها كالسلطة الدينية والعسكرية و السياسية الوحيدة التي يخضع لها جميع المسلمين حول العالم

ليسوا المتهمين الاعتياديين
نظرا لان اصول واهداف داعش تختلف بوضوح عن القاعدة، فإن المجموعتين تعملان بطريقتين مختلفتين، لهذا السبب فإن استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الارهاب  المرسومة  خصيصا لمواجهة القاعدة لا تناسب الصراع مع داعش

في الحقبة التي تلت احداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر،  قامت الولايات المتحدة بتجهيز بنية تحتية شملت الاستخبارات والقوى الامنية والعمليات العسكرية بتكلفة تريليون دولار لغرض مواجهة القاعدة والتنظيمات المرتبطة بها ووفق تحقيق  قامت به صحيفة الواشنطن بوست في 2010، فإن ما يقارب 263 منظمة حكومية أمريكية تم انشاؤها او اعادة هيكلتها عقب هجمات الحادي عشر من ايلول سبتمبر، بما فيها وكالة الامن القومي، المركز الوطني لمكافحة الارهاب،  وإدارة امن المواصلات والنقل.
في كل عام، تصدر الوكالات الاستخباراتية الأميركية ما يقارب 50000  تقرير عن الإرهاب.  وتقوم 51 منظمة فدرالية امريكية بمتابعة تحركات الأموال من وإلى الشبكات الإرهابية.  هذه البنية ساهمت في جعل  الهجمات الإرهابية على الاراضي الأميركية شديدة الندرة، وفي هذا السياق فإن النظام الموضوع يمكن اعتباره ناجحا، ولكن على الرغم من ذلك فإنه ليس مهيئا لمواجهة داعش والتي تمثل تحد من نوع مختلف.
عند النظر إلى اولى الحملات  الاميركية العسكرية و الاستخباراتية الكبرى لاعتقال او قتل القيادة المركزية لتنظيم القاعدة  بالاعتماد على الهجمات الجوية ومداهمات القوات الخاصة، نجد ان ما يقارب 75% من مجموع القيادة المركزية للقاعدة  تم قتلهم عبر هذه الغارات والمداهمات، حيث تناسبت طبيعة هذه التقنية  مع  تتبع الاهداف في الاماكن النائية مما خفض احتمال مقتل المدنيين عن طريق الخطأ. 

ولكن تكتيكات كهذه لا تبدو واعدة في مواجهة داعش، حيث يتحصن المقاتلون والقادة في المناطق المدنية، و يندمجون بشكل جيد ضمن السكان ويحاطون بالابنية مما يجعل تنفيذ الضربات الجوية اصعب بكثير، بالاضافة إلى ان قتل قادة داعش لن يشل او يعرقل المنظمة، حيث يحكمون دولتهم الزائفة وفق بنية ادارية معقدة.
في قمة القيادة العسكرية تتربع الإمارة والتي تتألف من البغدادي ونائبين له خدما سابقا كضباط في الجيش العراقي في حقبة حكم صدام حسين، احدهما هو ابو بكر العنبري والذي يتحكم بعمليات داعش في سوريا، والآخر ابو بكر التركماني يدير عمليات التنظيم في العراق.
ويتم الإشراف على الشؤون المدنية من قبل اثني عشر مسؤول اداري يحكمون المناطق في سوريا والعراق، يشرفون على مجالس تدير الشؤون المالية والإعلام والدينية وغيرها، وعلى الرغم من ضعف التركيز على هذا الجانب الاداري للدولة من قبل الحملات الدعائية الخاصة بالتنظيم، إلا ان هذه الدولة الزائفة قادرة على العمل بدون وجود البغدادي او الضباط المقربين له
وتشكل داعش ايضا تحديا شاقا لتكتيكات مكافحة الإرهاب التقليدية للولايات المتحدة التي تستهدف تمويل الجهاديين و الحملات الدعائية الخاصة بهم بالإضافة إلى عمليات التجنيد، حيث كان قطع تمويل القاعدة إحدى اكثر القصص نجاحا فيما يتعلق بجهود مكافحة الارهاب.
فعقب هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر بدء مكتب التحقيقات الفيدرالي بالتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية بما يتعلق بالجهود الاستخباراتية التي تستهدف العمليات المالية الخاصة بالتنظيم وما لبثت ان انضمت إليهم وزارة الدفاع، حيث اصبح عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالية جزءا لا يتجزأ من الوحدات العسكرية الأميركية خلال غزو العراق عام 2003، فقاموا باستجواب المشتبه بهم المحتجزين في المنشأة التابعة للولايات المتحدة في خليج غوانتانامو في كوبا بتهم الارهاب.
وفي 2004 قامت وزارة الخزنة الأمريكية بإنشاء مكتب استخبارات التمويل والإرهاب والذي ساهم بشكل كبير في الحد من قدرة القاعدة على الاستفادة من عمليات غسيل الأموال واستلام الدعم النقدي تحت غطاء التبرعات الخيرية، و ظهرت شبكة عالمية لمكافحة تمويل الإرهاب بالتعاون مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومئات الحكومات والتي اسفرت عن ضغط هائل على تمويل القاعدة وبحلول عام 2011 صرحت وزارة الخزنة الأميركية ان "تنظيم القاعدة يصارع لتأمين تمويل ثابت للتخطيط وتنفيذ عمليات إرهابية"

ولكن تبقى هذه الادوات ضعيفة في مواجهة داعش، الذي لا يحتاج إلى الاعتماد على مصادر تمويل خارجية نظرا لسيطرتها على مساحات شاسعة تمكنها من بناء نظام مالي قادر على النهوض بنفسه، الامر الذي لا تتمتع به اي من التنظيمات الإرهابية الاخرى. منذ 2012 سيطر تنظيم داعش بشكل تدريجي على عدة ابار ومنشآت نفطية مهمة في شرق سوريا وفي الوقت الحالي يسيطر على ما يقدر 60 بالمئة من قدرات الانتاج النفطي للبلاد، في الصيف الفائت أثناء زحفها للعراق، سيطرت داعش ايضا على سبع ابار منتجة للنفط، وتمكن التنظيم من بيع بعض انتاجه النفطي في السوق السوداء في كل من سوريا والعراق بمن فيهم -وفق بعض التقارير-نظام الاسد.
ويقوم التنظيم ايضا بتهريب بعض من هذا النفط عبر الحدود خارج سوريا والعراق إلى كل من تركيا والأردن حيث يجد العديد من الزبائن على استعداد لشراء النفط الخام غير الشرعي باسعار اقل من سعر السوق، مما ينتج في المحصلة دخلا يقدر ما بين مليون إلى ثلاثة ملايين دولار يوميا من عوائد بيع النفط.
ولكن النفط لا يعدو ان يكون سوى واحد من مصادر التمويل الخاصة بالتنظيم، فحين سيطرت داعش في حزيران الماضي على مدينة الموصل الواقعة في شمالي العراق، وضع التنظيم يده على البنك المركزي في المحافظة وعدة بنوك اخرى صغيرة بالإضافة إلى بيع مقتنيات اثرية في السوق السوداء،  والتنظيم يقوم بسرقة السيارات والمجوهرات والمعدات والماشية من المقيمين. بالإضافة إلى سيطرة المجموعة على احد اكبر شرايين النقل في غربي العراق، مما سمح له بفرض ضرائب على حركة البضائع والشاحنات، حتى انه يحصل على عائدات من زراعة القمح والقطن في الرقة التي تعد سلة الخبز الخاصة بسوريا

بالطبع بالإضافة إلى كونه كأي تنظيم ارهابي يقوم باحتجاز رهائن مطالبا بفديات تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات،فإن  احد اهم مصادر تمويل التنظيم هو فرض الضرائب على كل شيء من المزارع العائلية الصغيرة إلى كبرى المؤسسات كمزودي خدمات المحمول وشركات  توصيل المياه ومزودي الطاقة الكهربائية، هذه المؤسسات شديدة التعقيد إلى درجة ان وزارة الخزانة الأميركية قد فشلت في  توقع إيرادات واملاك داعش، ولكن من الواضح ان التنظيم يسيطر على عدد من المؤسسات شديدة التنوع والتي تحجم اي تنظيم ارهابي اخر مقارنة بقيمتها. وتبقى  الادلة والمؤشرات على نجاح واشنطن في التقليل من خزائن هذه المجموعة محدودة.


الجنس والجهاديون العرب
ومن جوانب النجاح الاخرى لجهود مكافحة الارهاب الاميركية ضد القاعدة هو الجهد المبذول لاسقاط الشرعية عن هذه المجموعة من خلال  نشر الاخطاء والممارسات العنيفة للتنظيم او من خلال مساعدة حلفاء الولايات المتحدة على القيام بهذه المهمة.
إن هجمات القاعدة تتسبب بشكل متكرر بقتل مسلمين، وقادة المجموعة شديدي الحساسية للخطر الذي يمثله هذا على صورة التنظيم كالرائد الاول في عموم  الحركة الإسلامية.  حيث اسفرت الهجمات في كل من المغرب والسعودية وتركيا عام 2003، والتي تلتها في اسبانيا عام 2004 ومن ثم في الأردن والمملكة المتحدة 2005 عن ضحايا مسلمين مما اثار غضب المجتمعات الإسلامية في كل مكان وخفض دعم القاعدة عبر ارجاء العالم الإسلامي
لقد انخفض الدعم الشعبي للتنظيم بشكل ثابت منذ ما يقارب 2007، اليوم يواجه تنظيم القاعدة رفضا شديدا في عموم العالم الإسلامي،  حيث قام مركز PEW للابحاث ياستبيان اراء ما يقارب 9000 مسلم في 11 بلد  عام 2013 ووجود متوسيط عال من عدم الموافقة على فكر القاعدة بلغ 57%، وفي العديد من البلدان وصل الرفض لمستويات اعلى بكثير، ففي لبنان بلغ الرفض مستوى 96% من الاشخاص الذين تم استبيانهم، و 81% في الاردن و 73% في تركيا، بينما بلغ مستوى عدم تفضيل القاعدة في مصر 69%.
في المقابل تبدو داعش منيعة ضد التشويه، فبإعلانه نفسه  كخليفة، فإن البغدادي،  قام بحركة شجاعة -على الرغم من اتسامها بالسخف- مدعيا السلطة الدينية، ولكن صلب رسالة داعش يتعلق بالقوة الصرفة والانتقام وليس بالشرعية، حيث صممت وحشيتها-في  تصويرها الاعدامات الجماعية وقطع الرؤوس    -لإخافة وترهيب الاعداء وقمع الاصوات المعارضة.
إن اشمئزاز المسلمين من هذه الوحشية قد يفضي إلى تقويض داعش، ولكن في الوقت الحالي فإن تركيز واشنطن على وحشية داعش لن يفيد إلا في تدعيم هالة قوتها.

لأسباب مشابهة تبين للولايات المتحدة الأمريكية وشركائها صعوبة مواجهة جهود التجنيد التي تقوم بها داعش لاستقطاب المسلمين الشباب نحو صفوفها.
تبنى سياسة القاعدة في تجنيد الاتباع على المناقشات الدينية وعلى الرسالة العلمية الزائفة بغية تفضيل مصلحة وصالح الامة. بن لادن والرجل الثاني وخليفته منذ زمن طويل، ايمن الظواهري عملوا بحذر  على بناء صورة الشرعية والتعاطف الديني؛ ففي افلامهم الدعائية، يظهر الرجال كمحاربين زهّاد، يفترشون ارض الكهوف، ويدرسون في المكتبات او يلجؤون إلى مخيمات في اماكن نائية، وتضع المجموعة انشاء الخلافة كهدف طويل المدى، يشابه حلم المدينة الفاضلة ؛ حيث يأتي تثقيف وتعليم الملة في المرتبة الاولى، وحسب فكر القاعدة  لا يوجد مكان للخمر او النساء، وفي هذا السياق تبدو صورة القاعدة غير جذابة على الإطلاق،  وبالطبع فبالنسبة لافراد القاعدة فإن الجنس يأتي بعد الزواج او بعد الشهادة، حتى بالنسبة لاكثر الشبان المسلمين غضبا، فإن محاولة قادة القاعدة تقديم انفسهم كمثل اخلاقية متزمتة لها جاذبيتها المحدودة يشكل صورة يصعب تسويقها للشبان.

داعش على العكس تقوم بطرح رسالة مختلفة للشباب، وفي بعض الاوقات النساء. المجموعة لا تقوم بجذب فقط من يريدون نصرة الدين بل ايضا من يبحث عن المغامرة، السلطة الشخصية و الاحساس بقيمة النفس و المجتمع. وطبعا بعض الاشخاص  يريدون القتل فقط – ترحب بهم ايضا- العنف الوحشي للمجموعة يجذب الانتباه، يدل على الهيمنة ويحث الناس على التصرف

داعش تعمل بنظام مدني وتطرح فرصة القتال المباشر لمجنديها. تقوم بالاعلان عن طريق بث مقاطع مبهرة من عمل مجنديها على الجبهات وتوفر شركاء جنسيين لمقاتليها الذكور، بعض من هؤلاء النسوة يتطوعون ولكن الاغلب يتم اكرههم او استعبادهم حتى، المجموعة لا تحاول ان تبرر هذا الافعال بمصطلحات دينية
، ملعب مبيعاتها ثابت في جميع الميادين، متضمننا الجانب الجنسي وقد كونت لنفسها مفهوم خلافة خاص بها  بوجود البغدادي كخليفة، وبذلك جعل الحاضر (ولو كان بطريقة محدودة، للوقت الحالي ) ما تعتقده القاعدة الشكل الاقرب للمدينة الفاضلة المعاصرة.

بالمختصر داعش يقدم عروض قصيرة الامد، تقدم الاشباع الذاتي. داعش لا تقوم بزرع التطرف بطريقة يمكن التصدي لها بالمنطق فالمراهقون ينجذبون للمجموعة من دون ان فهم حقيقتها، والمقاتلون الأكبر عمرا يسعون لان  يكونو ا جزءا من "نجاح" داعش. فالمقارنة مع مقاتلي القاعدة المتطرفين، واشنطن وجدت انه  من الاصعب التصدي لجاذبية داعش ربما لسبب بسيط جدا : الرغبة بالقوة و التعجرف والنتائج الفورية متغلغلة بالحضارة الامريكية

مكافحة الارهاب لم تكن العنصر الوحيد من عناصر الامن القومي التي قامت الولايات المتحدة باعادة اكتشافه و احيائيه بعد الحادي  عشر من ايلول /سبتمبر وكذلك مكافحة التمرد اخذت حيز كبير.
في الوقت الذي اندلعت فبه  الفوضى في العراق بعيد الغزو و الاحتلال الامريكي 2003، بدأت الولايات المتحدة تدريجيا بالتفكير بمكافحة التمرد، الموضوع الذي سقط عن اجندة حماية الامن القومي الامريكية بعد حرب فيتنام،و المثال الأنجح لتطبيق سياسة مكافحة التمرد كان في مدينة سرجة بالعراق عام 2007، تحت قيادة الجنرال دافيد باتريوس في العام 2006،في الوقت الذي بلغ فيه العنف السني في محافظة الانبار ذروته فاستنتج المسؤولون الامريكيون ان الولايات المتحدة تخسر الحرب ، ردا على ذلك قرر الرئيس جورج بوش الابن ارسال 20،000 من الجنود كقوات دعم الى العراق. الجنرال جون الن، الذي كان يشغل وقتها منصب نائب قائد القوات الدولية في محافظة الانبار سعى لتوطيد العلاقات مع القبائل السنية في المنطقة وغذى ودعم ما يعرف بالنهضة السنية، التي قامت خلالها اكثر من 40 قبيلة بتغيير الطرف الذي يقاتلون لحسابه ووقفوا مع الولايات المتحدة ضد قوات القاعدة في العراق. في صيف 2008 انخفض عدد هجمات المتمردين الى اكثر من 80 %

بالنظر الى المناطق السنية  التي تسيطر عليها داعش في العراق، التي ألغت معظم التقدم الذي تم تحقيقه  في سرجة، يجادل البعض ان على واشنطن الرد بتطبيق سياسة مكافحة التمرد مرة اخرى، ويبدو ان البيت الابيض مقنع بشكل كبير بمنهج التفكير هذا :في العام الماضي طلب الرئيس اوباما من (الان) أن يكون المشرف على تشكيل تحالف ضد داعش في المنطقة .وهذه المقاربة منطقية بشكل كبير. بما ان داعش تحصل على الدعم من العديد من الجماعات المسلحة التي قامت الصحوة السنية بتحيديها – التي عادت للظهور كتهديد بعد الفراغ الذي تركه انسحاب القوات الامريكية من العراق في 2011 و حكم المالكي الطائفي في بغداد


ولكن يوجد اختلاف كبير بين الموقف الحالي و الموقف الذي تواجهه واشنطن في العام 2006 ومنطق سياسة مكافحة التمرد لا يناسب الصراع مع داعش. الولايات المتحدة لن تستطيعان استمالة العرب السنة في العراق، لان حكومة المالكي خسرتهم. فحكومة العراق ذات الاغلبية الشيعية اطاحت  بشرعيتها بشكل كبير بحيث اصبح من المستحيل استعادتها، بالاضافة الى ذلك الولايات المتحدة لم تعد تحتل العراق. من الممكن لواشنطن ان ترسل قوات ولكن ذلك  يعيد الشرعية لحكومة لم تعد تسيطر على البلاد….. داعش ليست بمجموعة ارهابية تحارب ضد حكومة حقيقية ولكن طرف في حرب اهلية بين مناطق منفصلة و حكومة مركزية ضعيفة 

فرق تسد؟
اعتمدت الولايات المتحدةعلى سياسة مكافحة التمرد ليس فقط لإيقاف انقسام العراق الى عدة ولايات، ولكن ايضا لتكون مثالا لكيفية قمع الحركات الجهادية. القاعدة بسطت نفوذها عن طريق اقناع المجموعات المقاتلة ان تحول نشاطاتها لاقليمية الى جزء من حركة القاعدة الجهادية العالمية واحيانا للتحول لجناح  للقاعدة، وكان هنالك العديد من الاهداف المشتركة بين الجماعات من الشيشان، الفلبين، اندونيسيا، كشمير و فلسطين التي حاول بن لادن ضمها تحت خيمة القاعدة ووجدت القاعدة الكثير من الصعوبات في التنازل عن بعض اهدافها لغرض التقرب من أجنحتها البعيدة

هذا خلق نقطة ضعف التي سعت الولايات المتحدة و حلفائها لاستغلالها. حكومات اندونيسيا و الفلبين حققت نجاحات كبيرة على القاعدة في بلادهم عن طريق الجمع بين مكافحة الارهاب و بناء العلاقات بين المجتمعات، وادرجت انظمة ديمقراطية مدنية، وفرضت تدريب  ديني في السجون واستخدمت ارهابين سابقين تم اعادة تاأهليهم كمتحدثين باسم الحكومة واحيانا للمفاوضة حول النزاعات المحلية.
بعض المراقبين ناشدوا واشنطن ان تستخدم نفس السياسة ضد داعش وتقوم بكشف خطوط التصدع بين الجزء العلماني المؤلف من ضباط سابقين في الجيش العراقي، رؤساء القبائل السنية،و مقاتلي المقاومة السنيين وعلى الطرف الاخر الجهاديين المخضرمين. ولكن الوقت تأخر لأن تكون هذه المقاربة ناجحة لان قادة داعش الحاليين هم قادة سابقين في الجيش العراقي مدربين بشكل جيد على يد الولايات المتحدة الامريكية و يعلمون تقنيتها و عاداتها،  وبعد ان قامت داعش بضم القوات التي دربتها الولايات المتحدة قامت بنهب المعدات الامريكية فباتت مسلحة بالدبابات الامريكية، الاسلحة، ومركبات الهمفي المدرعة و المركبات المضادة للالغام
من الممكن ان تصبح السياسات الدينية المتشددة لداعش اكبر من ان  يستطيع مجاراتها الحلفاء البعثيون السابقون، ولكن في الوقت الحالي ضباط صدام  السابقين ليسوا ممن ينتمون لفكر محاربي داعش : بل هم يقودون، و تحت يدهم خلقت داعش جيشا معقدا من المشاة متسلح بالاسلحة الامريكية.

بالطبع هذا يمهد الطريق لمقاربة اخرى لداعش غير مكافحة الارهاب و مكافحة التمرد، حرب كاملة تقليدية ضد المجموعة. بهدف التدمير الكامل لداعش. حرب كهذه ستكون حماقة بعد اكثر من عقد من الحروب المستمرة. والمجتمع الامريكي ببساطة لن يساند احتلال طويل الامد و قتال عنيف  للقضاء على داعش. البحث عن حملة عسكرية كاملة غير منقوصة سيتخطى إمكانيات الولايات المتحدة وسيحمل أملا ضئيلا في تحقيق هذه الاهداف.فالحرب بالنظر الى الواقع السياسي  لا يمكن الفوز بها

احتواء التهديد
الحكمة تقول ان الولايات المتحدة لا تملك خيارات عسكرية جيدة لمحاربة داعش ولا خطط مكافحة ارهاب او مكافحة تمرد او خوض حرب تقليدية ستعطيها فوزا كاملا و حقيقيا على المجموعة. في الوقت الحالي، على الاقل  السياسة التي تلائم الاهداف الامريكية بالحفاظ على مصالحها هي الاحتواء : الجمع بين حملة عسكرية محدودة، ضغوط سياسية و اقتصادية للضغط على داعش و اضعافها وتوحيد مصالح العديد من الدول التي يهددها تطور و تقدم المجموعة

داعش لا تسبب مشكلة للولايات المتحدة فقط، و الحروب في سوريا و العراق لا تؤثر فقط على اللاعبين المحليين ولكن على العديد من الدول الاخرى مثل تركيا، روسيا الاتحادية، ايران، المملكة العربية السعودية و دول الخليج الاخرى. فعلى واشنطن ان تكف عن التصرف كأن القوة العسكرية من الممكن ان تحل جميع المشكلات الاقليمية وان تبدأ بتعزيز دورها كقوة دبلوماسية عظمى

بالتاكيد ستكون القوات الامريكية مهمة جدا في الحركة العسكرية لاحتواء داعش. الضربات الجوية تستطيع تثبيت داعش في مكانها، وقطع امداداتها من الادوات التكنولوجية، الاسلحة، و الذخائر عن طريق قطع طرق التهريب سيضعف داعش اكثر. وفي نفس الوقت على الولايات المتحدة ان تستمر بارشاد ودعم القوات العسكرية العراقية، ومساندة المجموعة العسكرية الاقليمية مثل البشمرغا الكردية و توفير المساعدات الانسانية للمدنيين الفارين من داعش. على الولايات المتحدة ان توسع مساعدتها الى الدول المجاورة ايضا كلبنان و الاردن، التي تكافح لاحتواء الاعداد الهائلة من اللاجئين السوريين، ولكن نشر المزيد من القوات العسكرية الامريكية سوف يكون له نتائج عكسية بتوريط الولايات المتحدة بحرب لن تفوز بها من الممكن ان تستمر لعقود. الولايات المتحدة لن تستطيع اعادة بناء العراق ولا تحديد مصير الحرب الاهلية في سوريا، بالرغم من ان هذا يثير الاحباط عند البعض ولكن على الولايات المتحدة ان تبقى واقعية من حيث معرفة مدى حدود القوة العسكرية الامريكية كحل طويل الامد.

ادارة اوباما عقدت منذ وقت قريب قمة حول" مقاومة المتطرفين "و  جمعت قادة العالم في واشنطن لمناقشة طرق محاربة الجهاديين المتطرفين – وكانت ذات قيمة. وبالرغم من انها سلطت الضوء على الخطر الذي يفرضه جهاديو القاعدة إلا أنها اكدت ان داعش تعدّ تحديا كبيرا في مقاومة الارهاب. في الواقع داعش شكلت خطرا اكبر بكثير يسعى لتحدي النظم الدولي الحالي،  وهي تقترب بشكل كبير من تحقيق هذا الهدف. الولايات المتحدة لا تستطيع لوحدها حماية المنطقة والعالم من هذه الدولة ذات التوجه الديني الانتقامي والعدائي في أن واحد وليس عليها ذلك.
على المجتمع الدولي ان يقوم بطرح مقاربة عسكرية، دبلوماسية و اقتصادية تضمن بان تبقى هذه الدولة الزائفة محتجزة وان يتم نبذها عالميا. الخبر الجيد انه لا يوجد اية حكومة تسند داعش، نحج المجموعة بان تجعل نفسا العدو لكل حكومة محلية في الاقليم، وكذلك في العالم. لاستغلال هذا الواقع على واشنطن ان تضغط لاجندة اكثر عدوانية دبلوماسيا بمشاركة قوى محلية و عالمية و ان تتضمن : ايران، المملكة العربية السعودية، فرنسا، المانيا، المملكة المتحدة، روسيا وحتى الصين وكذلك دول جوار سوريا و العراق لتشكيل رد موحد على داعش 

هذا الرد يجب ان يكون اكبر من تقديم التزام متبادل للحد من التطرف و تجنيد الجهاديين وبعيدا  عن التحالف العسكري الذي قامت به الولايات المتحدة في المنطقة، على القوى الدولية و اللاعبين المحليين ان يتفقوا على شديد حظر الاسلحة المفروض حاليا على داعش،  وفرض عقوبات اكثر صرامة على المجموعة، القيام بدوريات مشتركة على الحدود، توفير المزيد من المساعد للاشخاص المهجرين و اللاجئين، وتقوية مساعي الامم المتحدة لحفظ السلام في الدول المجاورة للعراق وسوريا
بالرغم من ان بعض هذه الادوات تتدخل مع مكافحة الارهاب، فإنه يجب ان تستخدم لخدمة استراتجية لمحاربة عدو اقرب الى ممثل دولة : داعش ليست قوة نووية، ولكنها تفرض تهديدا على الاتزان العالمي مثل الخطر الذي تفرضه كوريا الشمالية ويجب ان يتم معاملتها بنفس الجدية

بالنظر الى المواقف السياسية الخارجية الامريكية  سوف تتصعد باقتراب الانتخابات الرئاسية الامريكية في عام 2016، البيت الابيض سوف يواجه العديد من الهجمات حول مقاربة الاحتواء التي لن ترضي  اي من الصقور او معارضي التدخلات داخل منظمات الامن القومي الامريكية. وفي مواجهة انتقادات كهذه على الولايات المتحدة ان تلتزم بمحاربة داعش على مد طويل بطريقة توافق بين الوسائل و النتائج، مساعدة و تطوير الجهود الامريكية الاحتواء  الحركة عن طريق تخطي الطرق لتقليدية لمكافحة الارهاب و التمرد وفي الوقت ذاته مقاومة الضغط لخوض حرب كاملة العتاد ضد المجموعة. مع الوقت الاحتواء الناجح لداعش من الممكن ان يفتح خيارات دبلوماسية جديدة، لكن في المستقبل القريب؛  الاحتواء هو افضل سياسة من الممكن للولايات المتحدة ان تتبعها.

علِّق

المنشورات: 2
القراءات: 9357