عدد القراءات: 11442

الدروز من الحالة الوطنية الفاعلة إلى النأي بالنفس (5)- السويداء و بداية الإقصاء

كانت مرحلة الستينات في سوريا هي المرحلة التي قصمت ظهر الدروز في الحضور المؤثر والفاعل، ورتبت دخولهم لمرحلة حكم آل الأسد من خلال ما سمي بصراع البعث، وبالذات بعثيو العسكر، ضمن التحضير المتوازي الذي مورس أيضاً على بقية المكونات السورية.


أمر صلاح جديد وحافظ الأسد باعتقال عدد من الضباط الدروز تحت ذريعة تأييدهم لانقلاب 23 شباط 1966، ثم تلاه إرسال حافظ الأسد للمروحيات لتحوم فوق السويداء مترافقة مع كتيبة صواريخ ومهددا بقصف المدينة، وبمقابلة أجرتها جريدة النهار مع سليم حاطوم في الأردن بأيلول علم 1966، قال :

"إن الضباط العلويين متمسكون بعشيرتهم وليس بعسكريتهم وهمهم حماية صلاح جديد وحافظ أسد، وإن الاعتقالات الأخيرة شملت مئات الضباط من جميع الفئات إلا العلويين. وفي مؤتمر صحافي أيضا بالأردن أشار حاطوم إلى أن "الروح الطائفية تنتشر بشكل فاضح في سوريا وخاصة في الجيش سواء بتعيين الضباط وحتى المجندين، وأن الفئة الحاكمة تعمد إلى تصفية الضباط والفئات المناهضة لها، وتحل مكانهم من أتباعها في مختلف المناصب، فقد بلغت نسبة العلويين في الجيش خمسة مقابل واحد من جميع الطوائف الأخرى".
وهذا ما أشار إليه أيضاً لجريدة النهار طلال أبو عسلي وهو كان يشغل قائد الجبهة السورية مع إسرائيل قبل فراره إلى الأردن إذ قال:

"هذا الانقسام قائم في الجيش لدرجة الاقتتال في أي لحظة، وأن هذا سيكون رداً طبيعياً على التكتل العلوي المنتحل صفة الحزب، إن التسلط العلوي شمل كل المستويات لدرجة أنك ترى الإمرأة العلوية تتصرف وكأنها هي السلطة، وفي كل المنازل التي يسكنها العلويون يرى جيرانهم تسلطهم باسم السلطة وباسم الحزب، وكل علوي من كبير أو صغير يعرف ماذا سيحدث من تطورات، ومن تنقلات ومن اعتقالات قبل أن يعرف بعض كبار المسؤولين".
إذا ومع إبعاد أو سجن الضباط السنة منذ بداية الستينات حيث بلغ نحو 700 ضابط، أبعد أيضاً أكثر من 200 ضابط درزي، ومع اعتقال عدد منهم، وجه سلطان الأطرش برقية مفتوحة لرئيس الأركان في ديسمبر 1966 يقول فيها:

"أولادنا في السجون مضربون نحملكم مسؤولية النتائج. لقد اعتاد الجبل وما يزال أن يقوم بالثورات لطرد الخائن والمستعمر ولكن شهامته تأبى عليه أن يثور ضد أخيه ويغدر ببني قومه، هذا الرادع الوحيد، نقتصر مبدئياً على المفاوضات".

ومن بين من تم سجنهم اللواء فهد الشاعر وتمت معاملته بطرق قاسية ومهينة، وهكذا جاءت حرب حزيران 1967 في وقت استطاع فيه صلاح جديد وحافظ الأسد إفراغ الجيش من ضباطه، وهو ما مهد للهزيمة وضياع الجولان أو تسليمها، ثم وبعد هزيمة حزيران 1967 ألقي القبض على سليم حاطوم وعذب بطريقة انتقامية حتى الموت.
أتى انقلاب حافظ الأسد بعملية شكلية أشبه بالدراما المعدة وأخذت عنوان الحركة التصحيحية واستلام الحكم في عام 1970، وكان هذا استكمالا لتلك التصفيات على جميع المكونات السورية، فذهبت سوريا باتجاه تلاشي أركان الدولة وصعود أركان سلطة لبست عباءة البعث، وصادرت الجيش والأمن وحركة المجتمع المدني، وانتهت الحياة السياسية ومورست حالة ضبابية، أدت إلى اختلاط مفهومي الدولة والسلطة لدى الناس وكان هذا أخطر ما واجهته سوريا.
في السويداء كان السبيل لتثبيت دعائم تلك السلطة، بعد إبعاد أبنائها عن المراكز الحساسة، وعن الجيش، هو تجريد المجتمع من قيمه، وتهميش رموزه التي تستطيع جذب الناس للالتفاف حولها، أو على الأقل تحتفظ على مستوى ما من الانتماء الوطني وتحفظ بالوقت نفسه المجتمع. أخذ حافظ الأسد بتلميع وجوه جديدة تحت ستار البعث، وفهم دور بعض العائلات في الجبل، فتغلغل بها عبر ضعاف النفوس، واختار شخصيات هزيلة منقادة تؤدي له غرضه وتغذي عقد نقصها، وأطلق يدها أمنياً ودعم نفوذهافتعاملت بفوقية غير منضبطة ، وغاب رويدا رويدا دور النخبة الفاعلة لتنتج تلك السلطة نوعية جديدة مشوهة وذلك على امتداد القرى والأحياء والتجمعات، وأهملت المحافظة خدمياً، واقتصاديا وابتدأت مواسم الهجرة أو الاغتراب تعود من جديد، للبحث عن مصادر رزق أو منافذ أمان، وبرغم عدم وجود إحصائيات دقيقة لحجم الهجرة والاغتراب، إلا أنها وبكافة التوقعات ستزيد عن ثلث عدد السكان، فعاشت الناس بالكثير من المرارة وهي ترى عاداتها وتقاليدها وأركان عزتها، تنسج على عباءة سلطة سياسية فاسدة، بل وكثير من منتسبي البعث كان أهم أهدافهم تحطيمصورة سلطان الأطرش كقائد تاريخي وشخصية جامعة حتى أثناء حياته، بسياسة مدروسة تتناسب مع تسليط الضوء على قائد أوحد هو حافظ الأسد.


وبعد وفاة الأطرش عام 1982، وجد الأسد ضالته الكبرى فلم يعد في هذه المحافظة شخصية رمزية مؤثرة تنتمي لجيل الوطن الذي دفع الدم لأجل استقلاله، وأيضاً أحس الكثيرون من الشخصيات الاجتماعية والسياسية، أنهم على أعتاب مرحلة جديدة من الظلم والتهميش، ستعاني منه المحافظة بشكل عام، وهذا ماحصل، بل وصل الأمر إلى التلاعب بإنشاء مجرد نصب يمثل الراحل في دارته بالقريا، وتم ابتزاز ابنهالراحل منصور الأطرش، لأجل هذا الموضوع مرات عديدة، وأطلقت بعض الإشاعات حول دوره، بأنه هو وراء إهمال ذلك النصب، ووصل الأمر إلىمحاصرة احتفالات الناس بذكراه.
أعاد حافظ الأسد إلى الذهنية السورية مصطلح الطائفية، ووجد فيه وسيلة سهلة تقوده إلى زيادة تفتيت المجتمع لتيسير سبل التحكم فيه، وبالنسبة للدروز الذين ألهمهم الحس الوطني منذ بداية القرن الماضي، وجعل لحمتهم بالسوريين قوية، كان لإشاعة أنهم سبب هزيمة 1967، الذي أطلقها الأسد، دوراً في إعادة تلك النغمة الطائفية على الألسن، برغم أن المعاصرين لتلك الفترة يدركون أوامر حافظ الأسد للجيش بالانسحاب من القنيطرة بصفته وزيراً للدفاع، وذلك قبل الدخول الإسرائيلي بيومين، ثم تلاها اتهامه العقيد رفيق حلاوة بالخيانة في حرب تشرين عام 1973، وبحسب "جريس الهامس" في الحوار المتمدن بتاريخ 8 – 9 – 2014 فإن"اغتيال المخابرات الأسدية الضابطين الوطنيين اللواء عمر الأبرش والعقيد رفيق حلاوة، لمناقشتهما
أوامر الأسد الغبية، التي أضاعت كل بطولات شبابنا التي حرّرت مرصد جبل الشيخ وجزءا كبيرا من الجولان المحتل أدراج الرياح، بعد أن طلب الأسد وقف إطلاق النار من مجلس الأمن، منذ اليوم الرابع للحرب، الأمر الذي مكن العدو من التقدم الى مشارف دمشق (25 كم فقط)".


خلال فترة حكم حافظ الأسد، تأسس أيضا لظهور مجموعة جديدة من مشايخ الدين، على مستوى القرى، من متقاعدي الأمن أو الشرطة أو الحزب، وبدأت الناس تلحظ دورهم التفتيتي الداخلي، وأيضا اعتناءهم بالمظاهر على حساب المضمون، بعكس ما اعتادته الطائفة من رجال دينها، وهكذا استطاعت سلطة الأسد التغلغل في كافة أركان المجتمع الدرزي، وساهم هذا إلى حد بعيد بابتعاد الناس عن عاداتها وتقاليدها التي كانت بمثابة قانون اجتماعي صارم، يبدأ من آداب الجلوس والتحدث، إلى سبل صون الأرض والعرض. أما اقتصاديا فقد خلت المحافظة من أي مشروع تنموي يمكن ذكره، وبالتوازي فقد أهملت الأرض الزراعية لزحف التصحر مع مواسم الجفاف ومنعت الناس من استثمار المياه الجوفية تحت أي ظرف، وبقيت مياه الجمع الذاتية هي السبيل حتى لإرواء المواشي.


في تلك الفترة بدت بوضوح عملية رعاية نمو عصابات تهريب للمواشي والمخدرات والأسلحة، من البدو الرحل الذين لا ينتمون للمحافظة، بل أتوا وافدين بحجة الرعي، وبدأ هؤلاء بإنشاء مجتمعهم الخاص وأخذت علاقاتهم تترسخ مع الأجهزة الأمنية، ومع سلطة المحافظ، وعندما اشتكى وفد اجتماعي لمحافظ السويداء "دنحو داوود" عن تصرفات هذه العصابات وأنها تمتلك أسلحة فردية متطورة وسيارات بلا نمرة، وتقوم بالتهريب المنظم وبسهولة، أجابهم أن الدولة تعرف ذلك وهي تريدهم لحماية حدودها، فقال له أحدهم: "أتثق الدولة بالبدو الرحل ولا تثق بالمواطنين المستقرين من أهل المنطقة ليحموا حدودها"، فصمت ولم يجب، قد تكون هذه الحادثة البسيطة نموذجا عما كانت تنظم له السلطة السورية وعن خططها للتلاعب بالأزمات.
اعتمدت المحافظة اقتصاديا خلال تلك الفترة على ما يأتيها من تحويلات أبنائها المغتربين، وعلى بعض القروض البسيطة للتغلب على مصاعب الحياة مقابل رهن أراضيها للبنوك، وبالمقابل اتجهت الأسر وبكثافة ووضوح إلى تعليم أبنائها، عسى الشهادة تؤمن فرص عمل، بهذا اختزنت عدداً كبيراً من الشهادات في أغلب التخصصاتالعلمية، لكنه لم يقِها العوز، فالنظام غاياته واضحة ليس في السويداء وإنما على الجغرافيا السورية، تتلخص بمزيد من التجويع والإذلال، تأتي المكرمات كدواء، فيخلد مقدمها وتتهالك الناس ببحثها عن بارقة أمل.

علِّق