عدد القراءات: 9020

الدروز من الحالة الوطنية الفاعلة إلى النأي بالنفس (3) ... بين السياسة والمجتمع


بعد الإضاءة السريعة على نمو وترسخ الحالة الوطنية في الجنوب السوري في بداية القرن المنصرم، من خلال الجزأين السابقين، ولأن هذا البحث المختصر أخذ للأسف التسميات الطائفية للتركيبة السورية، والتي اعتقدنا واهمين أننا تجاوزناها، أجد في تلك الرسالة التي وجهها سلطان الأطرش إلى قضائي راشيا وحاصبيا وبعد ما يقارب المئة عام أنه من المهم الإشارة إليها، وقد وردت في "أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش عام 1925-1927م، دار طلاس، دمشق2007"
إلى إخواننا المسيحيين في قضائي حاصبيا وراشيا المحترمين أعزهن الله:
بلغنا من الوطنيين الأعزاء أن بعضكم داخلهم خوف من وجود الحملة الوطنية في جوارهم، فأخذوا ينزحون توهماً منهم أن الثورة الوطنية قد تصيبهم بالأذى، فساءنا هذا الخبر، وآلمنا جدّ الألم، لأنهم إخوان لنا، لا فرق بينهم وبين أي كان من الطوائف الأخرى، وثانياً لأن عملهم هذا يؤذي شعورنا لما فيه من عدم الثقة بما أسلفناه من البيانات التي أوضحنا فيها حقيقة الثورة الوطنية، ولقد اضطررنا بسبب موقفكم هذا إلى مخاطبتكم بصفتكم الطائفية، على حين أننا لم نفعل من قبل تنزيهاً للثورة الوطنية من شوائب النزاعات البعيدة عن الروح القومية..
ولكننا رأينا بعض السذج لم يدركوا الأغراض النبيلة التي ترمي إليها ثورتنا هذه، فأسرعنا ببيانها على هذه الصورة تطميناً لهم، وإننا نرجو أن نثبت لكم عن قريب أن المبدأ الرئيسي الذي تستند إليه حركتنا القومية هو ما صدرنا به هذا الكلام..
الدين لله والوطن للجميع..
تشرين الأول 1925م
باسم قائد الجيوش الوطنية
زيد الأطرش


فمن المؤلم أن نستذكر اليوم تلك المحطات لا للسرد التاريخي والتوثيق، بل لندافع عن مستقبل نريده ، لقد دخل السوريون مرحلة تأسيس الاستقلال بسقف وطني عال وصلب، حتى قبل إعلانه في 17 نيسان 1946، والذي ترافق مع جلاء الفرنسيين، وبقيت تلك الأهداف الوطنية التي تجمع الناس سمة عامة للسوريين، وتوضحت في عودة سلطان الأطرش ورفاقه من منفاهم بعد وداع رسمي وشعبي عشائري لهم بالأردن، واستقبالهم بدمشق استقبالا رسمياً وشعبياً كبيراً في 18 أيار عام 1937، ولعل هذه السنوات التي حملت الكثير من المتغيرات الفكرية وتأسس خلالها العديد من الأحزاب والتجمعات السياسية، كانت لو قيض لها أن تنمو بشكل سليم كانت ستؤدي ربما إلى عكس ما وصلنا إليه في الألفية الجديدة.
فعلى صعيد الشخصيات العامة التي أثرت في العالمين العربي والإسلامي قد نستذكر شكيب أرسلان بطريقة أخرى، وقلائل من الدروز وغيرهم حالياً يعرفون أن هذا الرجل الملقب بأمير البيان، وبرغم أنه درزي لبناني، كان قد انتخب سكرتيراً أولا عن الوفد السوري الفلسطيني ليكون سفيراً لهم في الغرب وطالباً لاستقلالهما عام 1921 في مراكز القرار الدولية، كما نال الجنسية السعودية عام 1926 تقديراً لمواقفه العربية والإسلامية، وقد ترأس هذا الأمير الدرزي المؤتمر الإسلامي الأوربي الذي عقد بجنيف عام 1935، وقد اعتبر أرسلان من مؤسسي النهضة الإسلامية التنويرية وتتلمذ على يديه عدد من شخصياتها بحسب عدة مراجع عربية وإسلامية ومنها موقع "القصة السورية"، وموقع "المجلة" دراسة لقاسم الرويس، والعرب نيوز "مادة نشرت في 22-9-2004" وغير ذلك.
كانت تلك الشخصيات الدرزية العديدة تدرك أن العمق الإسلامي للدروز لا ينفصل عن عمقهم العربي، وأن النهضة الإسلامية تعني النهضة العربية التي تضمن النهضة للجميع بلا استثناء وبدون البحث بالمعتقد، وهو أيضاً ما تعاملت به الشخصيات الوطنية السورية كما ورد بالجزء الثاني، لكن هل سارت الأمور كما يجب أن تسير؟.
لقد نظرت الأحزاب السياسية القومية واليسارية منذ نشأتها بشكل عام للطائفية والعشائرية والعائلية بصفتها أمراض يجب استئصالها، والتقت مع الطموح الشخصي للأفراد في المجتمعات الخاضعة لسلطة العائلة أو العشيرة أو الطائفة بشكل أو بآخر ومنها الدروز، فانتمى لهذه الأحزاب أو ناصرها الكثيرون، لكن كما كانت اللعبة العائلية والعشائرية تخفي خلف كواليسها رغبة الظهور والسيطرة وإلغاء الآخر أحياناً، وكما كان لها دور في تكريس الغرائز الضيقة إلى حدود العائلة والعشيرة لكي تبقيها على تماسكها وتدعيماً لزعيمها، مارست هذه الأحزاب الدور ذاته إنما بطريقة إيديولوجية، ولم تعنَ كثيراً بالدخول في سلبيات بعض الممارسات العائلية والعشائرية والسعي لاستبدالها بسلطة القانون الحقيقية، واعتقدت أن بضعة شعارات واجتماعات ونقاشات غير منضبطة ورفض عادات مترسخة بذهن الناس يمكن أن تؤدي إلى نتيجة، وتدعيماً لتصرفاتها استبدلت حالة الاستناد على الحاضنة الاجتماعية بسلطة النفوذ الشخصية، وكأنها ردات فعل للتعويض عن حالة نقص دون أن تكون حالة فعل للنهوض بالمجتمع.
دخلت السويداء المعترك السياسي في سوريا من خلال تلك الرؤية، وهكذا عاش المجتمع حالة فصام داخلي ببنية الفكر بين الموروث الديني والاجتماعي وبين الانتماء السياسي، فإن سمي ذلك العصر بعصر التنوير الفكري، فهو بالوقت نفسه كان عصر الانتهازية السياسية التي تغلغلت في المجتمع وأثرت في انفتاحه، والمفارقة أن بعض السياسيين الذين كانوا يدينون العائلية والعشائرية حزبياً قد اعتمدوا على انتمائهم العشائري والعائلي وأيضاً على تمثيلهم الطائفي للوصول إلى الهدف دون التدقيق في الوسائل أو النتائج، واتضحت حالة الفصام بالشخصية الفردية بين نظرتهم للنسيج الاجتماعي وبين الفكر الحزبي، وأصبح الاستهزاء بالرموز الوطنية بحجة مهاجمة العائلية أيضاً سمة باطنية لدى بعض المثقفين، وكأن الباطنية الدينية التي في خلفية الذهن وجدت متنفسها في باطنية سياسية، ولكن البعض الآخر من المثقفين شكل حضوراً عاماً، ومنهم شخصيات مهمة حافظت على توازنها العام وعلاقاتها الطيبة بالمجتمع، وكان لها أثر في تطور الوعي الوطني والفكري والاجتماعي.
إن حاجة المجتمع الناشئ في فترة ما بعد الاستقلال للثقافة والأفكار جعلته شغوفاً بتلقيها أياً كان مصدرها، لكن المرجعية الدينية للمجتمع بقيت في انغلاقها ورفض أية محاولة للتنوير وإعادة تقويم دور الدين بالمجتمع، والبحث في صلاحية الصفة الباطنية بالنسبة لطائفة ومدى انسجامها مع الواقع المحيط الذي أخذ يتطور بامتلاك المعلومة، لم تظهر أية كتب أو اجتهادات ذات قيمة عن رجال دين يمكن لها أن تؤثر في فهم أسباب الباطنية الدينية ودورها في البناء الديني والفكري إن كان سلباً أو إيجاباً، وبقيت المرجعيات الدينية تمارس حضورها من خلال طقوسها الخاصة التي تقربها من ربها بطريقة تبدو مغرقة بالزهد، وبالوقت ذاته أصبح دورها كراع اجتماعي فيما يخص المشاكل الداخلية في الطائفة، وبشكل رئيسي بحل النزاعات الحادة كوجه مقبول للوساطة الاجتماعية وقد ارتضت لنفسها هذا الدور الإيجابي الذي يعطيها حضوراً عاماً، لكنها لم تشكل حضوراً دينياً له أثره بعيداً عن التقاليد والأعراف السائدة، وبهذا دخلت السويداء مرحلة الخمسينات في سوريا بانفتاح فكري على مجمل المشاريع السياسية المطروحة، وتابعت المحافظة عبر مرجعياتها الدينية على الحالة الباطنية لكن بلا تعصب، وساعدت الأحداث السياسية في المنطقة العربية وبالأخص القضية الفلسطينية بتوحيد الرؤية العامة للمجتمع، والذي يتقاطع مع الهدف السوري والعربي الأسمى تجاه تلك القضية بعد النكبة، وهذا ما جعل أي حديث ديني يتراجع إلى الدرجة الثانية والثالثة بالاهتمامات، وهو المناخ الطيب والملائم الذي سيمارس المثقفون والسياسيون فيه دورهم، والحقيقة حصدوا نتائج إيجابية كون العاطفة العامة للمجتمع متوحدة في فهم الخطر الداهم في فلسطين والذي جاء بعد نشوة الاستقلال في المنطقة العربية.
 

 

 

 

 

علِّق