عدد القراءات: 8392

الدروز من الحالة الوطنية الفاعلة إلى النأي بالنفس (2) .... الاندماج والتفاعل

كان الجزء الأول من هذه الدراسة المختصرة قد بين انفتاح الدروز في السويداء على السوريين جميعاً، وتُوج ذلك بالتوافق الوطني على سلطان الأطرش كقائد عام للثورة السورية الكبرى.
لم تكن طريقة الحكم العثماني الإدارية للبلاد سبباً حقيقياً في إبعاد النسيج السوري عن بعضه، رغم أن العثمانيين تعاملوا مع الدروز كعشيرة تحكمها وجوه عائلات أكثر من كونهم طائفة، بل يمكن القول إن التجهيل العام للسكان كان من أهم الأسباب التي باعدت السوريين عن بعضهم، ومع انطلاقة الثورة السورية الكبرى وتنقل الثوار من مكان لمكان، وحاجتهم للسلاح والذخيرة وأيضاً للوجه السياسي للثورة في العاصمة، أصبح الحديث سورياً وطنياً بشكل عام وبدأ السوريون يتعرفون على بعضهم أكثر وعلى الجغرافيا التي تخصهم، ربما بالبداية وبحسب العاطفة التي تربط الجغرافيا كان الشعور الداخلي لدى الثوار يرسم حدودا تمتد ليس على الأراضي السورية الحالية فحسب، بل على كامل أراضي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، وخاصة أن مغادرة الملك فيصل لدمشق لم يمضِ عليها سوى بضع سنوات، لا شك أن الثورة كان وقودها الفلاحون حيث انطلقت بالأرياف ولم تتأثر بالبرجوازية المتمركزة بالمدن، وإنما بقيت حالة عاطفية صادقة لا تتبع أية تعاريف سياسية أخرى، وفي الجنوب السوري حيث الترابط العشائري للأرياف يمتد جنوبا وغربا مضافاً إليه حاجة الفلاح لأدوات زراعته التي كانت تعتمد على الحيوانات قبل تعميم الآلة، ساهمت في تحديد العلاقات بين أبناء المنطقة بكل انتماءاتهم الدينية، من حيث أنها العامل الاقتصادي الذي أثر في سلوك السكان بين بعضهم، كما وأن سلطان الأطرش ووالده ذوقان الأطرش كانا على علاقة جيدة مع الشريف حسين والد فيصل، وفي هذا الصدد يقول الكاتب ايهاب شوقي في مقال له بموقع التجمع القومي الديموقراطي الموحد في إقليم وادي النيل: "المؤلف الأمريكي البروفسور مايكل بروفنس، الذي راجع أكثر من خمسة آلف وثيقة فرنسية رُفعت السرية عنها أخيرًا، أعاد النظر في التسمية وأصر على إطلاق صفة الوطنية/القومية عليها، سبب ذلك أنه رغم أنها انطلقت محليًا وذات أهداف مطلبية محضة، تحولت بعد فترة قصيرة من انطلاقتها، إلى ثورة ذات طابع وطني مطلبها تحرير بلاد الشام، الممتدة، من منظور قادتها وفي مقدمتهم سلطان باشا الأطرش، من جبال طوروس شمالاً إلى البحر الأحمر جنوبًا، أي كل الأراضي التي تضم أراضي سورية ولبنان والأردن وفلسطين".‏
ما يهمنا بعرض ذلك هو الانتماء الدرزي للعمق العربي وتأثره به، لنستنتج أن الجغرافيا التي وجدوا عليها في الجنوب السوري لم تسبب لهم عداء مع جيرانهم لا نحو الأردن ولا نحو سهل حوران أو ريف دمشق ودمشق، وإلا لما تنامى الحس الوطني وتطور إلى إحساس بالانتماء إلى وطن جامع، فلو كان العكس لكان بالتأكيد سيولد العزلة، وبهذا يمكن أخذ المعيار العشائري العربي للدروز كمؤثر بالانتماء وليس الطائفة، وقد نستشهد بأنهم لم يعيشوا بعزلة طائفية بين محيطهم من خلال استعراض مساهمتهم مع الدولة الهاشمية منذ تأسيسها حيث يذكر الدكتور سلمان فلاح في مقال تعريفي له بمجلة العمامة عن كتاب صدر في عمان عن دار أزمنة للنشر والتوزيع بعنوان "بنو معروف في واحة بني هاشم" من تأليف الدكتور تيسير أبو حمدان يقول "أسماء شخصيات درزية لامعة كان لها دور كبير في الحياة العامة في الأردن منها الزعيم رشيد طليع الذي أسس أول حكومة أردنية والأمير عادل أرسلان الذي عُين مستشارا في أول حكومة أردنية والأخوة فؤاد وعارف ونصري سليم الذين كانوا من المجاهدين والعسكريين في الجيش الأردني، والسيد عجاج نويهض مدير الإذاعة الأردنية والأمير زيد الاطرش والضابط حسيب ذبيان والأمير أسد الأطرش.
ولعل الدولة الهاشمية السنية في المنطقة العربية باعتمادها على شخصيات درزية في مراكز حساسة في ذلك التاريخ الذي ابتدأت فيه مرحلة التشكل الوطني للدول، هو أهم الدلائل التي يمكن الاستناد عليها على مدى الانفتاح الذي أخذ يخط طريقه، وأيضاً على الوعي المتنامي عند الأغلبية السنية بأهمية تدعيم حالة الانتماء من خلال بناء جسور تواصل لا جدران عزلة.
إن أثر السلطة الدينية على السلطة العائلية للنفوذ الاجتماعي لدى الدروز بقي أيضاً كالمرحلة التي سبقته بالدرجة الثانية، وكما ذكرنا بالجزء الأول فإن تنامي حضور شخصيات عامة تنتمي إلى العائلات المعروفة وتتميز بفكر نهضوي، قد ساهم التواصل العائلي والديني بين دروز لبنان وسوريا بتدعيمه، حيث برزت شخصيات وازنة ومؤثرة في نهاية القرن التاسع عشر وامتدت إلى القرن العشرين كالمفكر شكيب أرسلان الذي لقّب بأمير البيان، بالمقابل كان لتواصل شخصيات وطنية سورية كشكري القوتلي وعبد الرحمن الشهبندر ونسيب البكري وغيرهم كان له أثر إيجابي على تراجع الحالة العشائرية لصالح الحالة الوطنية، لكن اضطرار الثوار الدروز في عام 1927 للجوء نحو الأزرق بالأردن بعد تقدم الجيش الفرنسي، أعاد إلى الواجهة علاقات الصداقة العشائرية الممتدة من الأردن نحو الأراضي السعودية، فلقي الدروز معاملة طيبة من العشائر العربية بالأردن، إلى أن أرسل الملك عبد العزيز ملك السعودية برقية لسلطان الأطرش يرحب بهم بالأرض السعودية مع بقاء سلاحهم بيدهم فانتقلوا إلى وادي السرحان في صحراء السعودية وذلك بعد أن طلبت منهم بريطانيا مغادرة الأردن، فدعا سلطان الأطرش لعقد المؤتمر السوري الذي سمي بمؤتمر الصحراء بحسب ريم منصور الأطرش "سيرة حياة سلطان الأطرش" (حيث عقد برئاسته وحضره معظم الوطنيين السوريين واللبنانيين، ثم خرج المؤتمر بمقررات هامة كان لها الأثر الكبير على ما جرى في ما بعد وعلى المفاوضات والمسار الذي اتخذته لتحقيق الاستقلال التام، فكان هذا المنفى تعبيراً عن رفض الاستسلام للمستعمِر وعن مقاومة الثوار لوجوده على أرض وطنهم الغالي؛ من هنا، كان سلطان الأطرش يعتبر أن الثورة السورية الكبرى دامت 12 سنة، من 1925 إلى 1937).
لم تظهر في ذلك الوقت أية تشنجات أو أفعال لها طابع ديني أو طائفي في تاريخ المنطقة، وبقيت العلاقات العامة تحددها الخطوط الوطنية والسعي لامتلاك وطن لكل السوريين، وإن غنى تلك المرحلة بالأحداث الهامة والمفصلية، كان له الأثر الأكبر في انفتاح العقل السوري على بعضه، وبقي هذا الانفتاح والتفاعل قائماً ومتوقداً على جميع المستويات، وإن كافة الكتب التي يمكن الاطلاع عليها إن كانت للسوريين أو للمستشرقين، أو مذكرات شخصية، كانت تدرس هذا الجانب بشكل أساسي ولم تتطرق إلى الخصائص الدينية كعامل في تحديد الهوية أو نسج العلاقة مع الآخر، ولعل أبرز سمات تلك المرحلة هي وضوح الحركة الوطنية السورية أمام المكونات السورية وتناغم الفكر النهضوي فيما بينه، وفشل كافة المحاولات الفرنسية بتشكيل دويلات طائفية تستند على الثقل السكاني الديني ومنها دولة جبل الدروز، ومن معالمها أيضاً انتشار التعليم وتوسعه برغم الفقر الذي يحيط بحياة الناس، وكان لذلك أثر ليس بقليل في تطوير مفاهيم الانتماء للوطن ومشاكله وطموح مواطنيه كافة، متوازياً مع استمرار الرابط الداخلي للدروز بشكل واضح وبقائه متماسكاً وله طابعه الخاص الذي يميزه إن كان من حيث طبيعة العلاقات الاجتماعية أو من خلال الزي والتراث الشعبي، وبقي له دوره في المشاعر العامة، وإن دفاع عامة الدروز عن الطائفة يستند على موروث القربى والعادات إضافة إلى مسلمات ومفاهيم خاصة لديهم، لعل أهمها الاعتقاد بالتقمص فيعتبرون بعضهم سلسلة مستمرة عبر الأجيال، بالرغم من أن التعاليم الدينية تعتبر حكراً على شريحة رجال الدين فقط.

في الأجزاء القادمة سنتابع تطور المفهوم الوطني عند الدروز وما هي المطبات التي أدت إلى عدم التوازي في الانفتاح ببنية "المجتمع الدرزي" الدينية، الأمر الذي أوصلهم بعد قرن من الزمن إلى انغلاق على الذات في مرحلة من أهم مراحل التاريخ السوري وهي الثورة التي يعيشها الشعب السوري حالياً.
 

علِّق