عدد القراءات: 8582

الدروز من الحالة الوطنية إلى النأي بالنفس (4).. السويداء والتفاعل السياسي في منتصف القرن الماضي


دخلت سوريا في نهاية الأربعينات من القرن الماضي عصرا سياسيا متفاعلا مع الأحداث العربية والعالمية، ودخل الفكر السياسي إلى العديد من البيوت السورية، وكانت للأفكار الثورية وقع في كثير من النفوس، وخاصة بعد زهوة الاستقلال، وأخذت الأفكار اليسارية بالانتشار مع نمو قوة الاتحاد السوفيتي، وظهور نجم الولايات المتحدة كدولة عظمى ترعى الامبريالية العالمية، كما أخذت الأفكار القومية دورها في جذب الناس نحو حالة إيديولوجية تجمع ما بين الفكر اليساري والانتماء القومي.

دخلت السويداء عصر التجاذبات السياسية، كما أصبح ارتباطها أيضا بالدولة الوطنية، السورية، يتعمق، وذلك لانخراط أبناء المحافظة بالجيش وسلك الشرطة، كما بقية أبناء المناطق التي تعتمد على الاقتصاد الزراعي في سوريا، وهي مناطق أصبحت تريد الانعتاق من بقايا الإقطاع القديم، فوجد البعض سبل عمل في قطاع الجيش من خلال التطوع، وهو ما ناسب بالمقابل الأسر التجارية وما يسمى برجوازية المدن الكبرى المتحكمة بالقرار السياسي نتيجة نفوذ رأس المال، وامتناعها بشكل عام عن إرسال أبنائها للقطع العسكرية وغيره.


المهم في ذلك أن أبناء الدروز أخذو يتوجهون إلى مهن مختلفة بعيدا عن جغرافيا المحافظة، وأيضا ابتدأت أسر عديدة تتوجه نحو طلب العلم لأبنائها، ومع استقرار الوضع المعيشي والسياسي في سوريا بفترة الخمسينات، توسعت أيضا الرغبة بالدخول إلى الجامعات، ما جعل تناقل الأفكار الوطنية والسياسية أكثر يسرا وتفاعلا عابرا للجغرافيا المناطقية، لربما الصراع الذي أوصل أديب الشيشكلي بانقلابه العسكري إلى السلطة، وما تلاه من احتقان شعبي بعد عمليات التضييق والاعتقال بحق المعارضة، وإعلان السويداء العصيان على الحكم، ثم إعطائه الأوامر للجيش السوري بالتوجه إلى تلك المدينة لإخضاعها واعتقال سلطان الأطرش، كان حدثا يخفي بداخله الكثير من سياسة ترهيب المعارضة السورية لحكمه الديكتاتوري، وبحسب الدكتور سامي مبيض الباحث في التاريخ السوري كما ورد في موقع "سيريا نيوز"، فقد وصف الشيشكلي المعارضة السورية "أعدائي كالأفعى رأسها في جبل الدروز وبطنها في حمص وتمتد إلى حلب" وهذا كله يعني أن قصف السويداء من قبل الشيشكلي لم يكن فعلا طائفيا بل هو فعل ديكتاتور ضد مناهضيه السوريين، ومع ورود أنباء عن شهداء مدنيين بالسويداء في مواجهة الجيش، ابتدأ العصيان لدى قادة بعض القطع العسكرية بحلب وغيرها، كما أن عدم  تمكن الشيشكلي من اعتقال سلطان الأطرش، ربما ساعده على اتخاذ قراره بمغادرة الحكم،  وحسب مبيض أيضا فقد غادر الحكم إلى لبنان لتجنيب البلاد حربا أهلية.
في تلك الفترة التاريخية كان وزير الدفاع الضابط الدرزي من لبنان شوكت شقير، وهذا ينفي الصيغة الطائفية لأي توجه في تلك المرحلة التاريخية، بل ربما نستطيع القول إنها فترة غنية بالتفاعل السوري السوري، ومرحلة هامة من بدء خوض الحالة الديموقراطية كتجربة ناشئة بسوريا، ساهمت بتنامي الفكر السياسي المنفتح مقابل الأفكار المغلقة، وهذا كان بدوره فرصة للابتعاد عن الأداء الطائفي لجميع السوريين والذهاب نحو ترسيخ الوطنية، التي بدورها تراجعت مع الامتداد التعبوي للفكر القومي مع ظهور نجومية عبد الناصر السياسية وسحر الكلمات القومية على الشعور الجمعي، وهو أيضا توازى مع انتشار فكر البعث وشعاراته القومية في تلك الفترة، مع نمو واضح للفكر اليساري أيضاً، كان الإخوان المسلمون أيضا جزءاً من مشروع الفكر الذي يتجاوز الوطنية، كما اليسار الأممي والأحزاب والتيارات القومية، ولعل قضية فلسطين كانت الرابط الأهم بين جميع تيارات الفكر والسياسة.


بالنسبة للدروز في تلك الفترة ذهب انتماء العديد من شبابهم نحو الأحزاب القومية واليسارية، ولم يؤثر الفكر الإخواني في أي توجه إيجابي أو سلبي نحو تلك الخيارات، ومع تراجع البرجوازية التقليدية والإقطاعية عن أثرها بالكتل السياسية الناشئة، وبحث الطبقة الوسطى الوليدة من المثقفين والموظفين الحكوميين عن مكان لهم في عالم السياسة والمجتمع، ساهم ذلك بالإضافة إلى ما ذكرته أعلاه في تشكيل مجتمع سوري جديد تأثر به الدروز وتفاعلوا معه، ولو استغلت تلك الفترة التاريخية من نشوء هذا التفاعل الفكري في تظهير المعتقدات الباطنية إلى النور، لإعادة دراستها وتنقيح ما هو دخيل فيها إن وجد، والذي يمنع ويؤثر على انفتاحها نحو الأصول التي انبثقت عنها، لكانت أنجزت خطوات هامة نحو ترسيخ النسيج السوري بلا تناقضات مخفية لا ندري متى ستنفجر بوجه الجميع، كذلك الحركات الفكرية الإسلامية التي ذهبت نحو الدعوة إلى نهضة الأمة، لم تحاول صياغة برامج وأفكار تسعى إلى مقاربة الفكر السياسي الديني لمفهوم النهضة مع مكونات الأمة جميعها ومنها الدروز، لمحاولة فتح الطريق أمام الخروج من الأداء الباطني إلى الأداء العلني والواضح والمباشر، والذي بدوره سيكسر الكثير من الأوهام المفبركة التي استغلها الاستعمار والحكام والإقطاع تاريخيا، واستغلتها السلطات الدينية المتعاقبة لفرض حضورها أيضاً، على الرغم من أن دعاة الفكر النهضوي الإسلامي يضعون المفكر الدرزي شكيب أرسلان من ضمن قائمة أساتذة النهضة الإسلامية، حيث اهتم بأحوال المسلمين بأنحاء العالم، وأسس جمعية "هيئة الشعائر الإسلامية" في برلين عام 1924، وكما ذكرنا في مادة سابقة أنه ترأس المؤتمر الإسلامي الأوروبي المنعقد في جنيف في سبتمبر (أيلول) عام 1935، حسب مقال "الأديب والملك" للكاتب قاسم الرويس في موقع المجلة.


إن الرابط الاجتماعي والآداب الاجتماعية العامة هي التي ربطت الدرزي مع الدرزي، أكثر من الرابط الديني الذي أصلا غير متاح لطبقة الجهال كما يقال درزيا، وهم الطبقة التي لا تمارس الشعائر الدينية ولا ترتاد أماكن العبادة، وهذه الطبقة أي طبقة الجهال هي الطبقة الأكبر، وبقي  للسلطة الدينية كما سابقا حضورها الأدبي الذي تقابله الناس، احتراما لها كهيئة دينية وللزي الذي يعرفون به، وإن صرامة العادات والتقاليد التي تفرض قواعد الاحترام في تعامل الناس مع  بعضها، والتي تحارب العيب والخطأ مهما كان صغيرا، هو أهم ما ميز الترابط الدرزي الداخلي، لكنه ساهم أيضا بعدم المس أو الغوص من قبل المثقفين والمتنورين، في أسرار المؤسسة الدينية، وما تحويه من تعاليم باطنية إن كان في الكتب أو في الشروحات.
لست متخصصا في الدراسات الدينية ولكن أطرح هذه الجدلية من باب الخروج والانعتاق من كلمة باطنية، فأي فكر باطني مغلق مصيره كأي بيت لم تصله أشعة الشمس الضرورية للنمو، وهذا هو دور المثقف في المجتمعات، وفترة الخمسينات كانت هامة في نشوء ثورة فكرية وثقافية عامة على المستوى السوري، حتى وإن كان بعض ذلك الفكر إيديولوجيا، والذي بدوره للأسف مارس أيضا دور الباحث عن السلطة بطريقة الشرطي الأمني، عوضا عن أن يكون باحثا عن طرق التخلص أو إصلاح الرواسب الفكرية، التي تمنع المجتمع من التقدم نحو التماسك والنمو السليم الذي يناسب المرحلة التاريخية.


وفي تلك الفترة الخصبة أيضاً غزت صور عبد الناصر العديد من البيوت، وأيضا أسماء مواليد متل، جمال، ناصر، وغيرها تشير للاتحاد، وأخذ الفكر الوحدوي يلهم الجميع أكثر من أي فكر آخر، وكان لزيارة الرئيس عبد الناصر للسويداء وإلقاء كلمة حوت الكثير من العاطفة العروبية الجياشة وتقديره لدور سلطان الأطرش، دور هام في زيادة توقد الحالة القومية عند الدروز، بل شدة دفاعهم عن انتمائهم العربي لا يمكن أن يتناسب مع بقاء جانب باطني يعرقل حالة الانسجام مع المحيط العام، كما أن الفتاوى التي خرجت عن الأزهر ومن مكة المكرمة بأن الدروز هم مسلمون، لا تكفي لوحدها لإعادة نسج الثوب الديني بالمنطقة بما يتطلبه الواقع، ففشلت الأفكار القومية في إخراج المجتمعات من حالة الجمود الداخلي، لتدخل في حالة ركون من نوع آخر ساهم فيه العسكر بانقلاباتهم المتتالية في ستينات القرن الماضي، فتراجعت الأفكار السياسية وتقدمت الانتهازية الفكرية والعسكرية، وأخذ المجتمع السوري يؤسس لانهياره طوال فترة الستينات، لتتراجع المثل العليا التي كانت تربط المجتمع، أمام عادات خارجة عن الأسس السليمة لبناء الفرد والمجتمع والدولة، ارتكز عليها الأسد ليؤسس بدوره لمرحلة معقدة، اختلطت فيها المفاهيم وتأثرت فيها الطوائف سلبا ومنها الدروز.
 

 

 


 

علِّق