No votes yet
عدد القراءات: 3504

الخطأ القاتل في خطة ترامب لمواجهة تنظيم داعش

الكاتب الأصلي: 
Robert Ford
تاريخ النشر: 
23 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة: مقاتل كردستاني من وحدات حماية الشعب يشير إلى  قافلة من المركبات العسكرية الأمريكية تسير في مدينة الدرباسية بالقرب من الحدود التركية، سوريا 28 أبريل/ نيسان 2017.

 

 

هل يستطيع ترامب الإبقاء على الأتراك والأكراد إلى جانبه؟

 

لا شكَّ في أنَّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأثناء زيارته لواشنطن الأسبوع المقبل، سيمضي والرئيس دونالد ترامب وقتاً طويلاً في مناقشة مستقبل وحدات حماية الشعب الكردي "YPG"، وهي الفرقة المفضّلة لدى أمريكا في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وقد تمكّنت القوات المعادية لداعش والتي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردي، بمساعدة أمريكية على امتداد العامين ونصف العام المنصرمة، من استعادة قرابة 7.400 كم مربع من الأراضي الشمالية الشرقية في سوريا من أيدي عناصر هذا التنظيم الإرهابي. ومن وجهة نظر أردوغان، تساعد هذه الاستراتيجية، التي تبنتها إدارة أوباما في السابق والتي تتبناها إدارة ترامب اليوم، تساعد التنظيم الكردي الإرهابي الذي يهدّد أمن تركيا وسلامة أراضيها اللذَيْن من المفترض أن يسهم حلف الناتو في حمايتهما. أما رد أردوغان المحتمل: سيكون المزيد من الضغط على حلفاء أمريكا السوريين الأكراد، حتى وإن كان ذلك الضغط يقوّض هدف واشنطن في الحد من التهديد العربي المتطرف في شرق سوريا.

 

 

وتُظهر الأحداث الأخيرة كم سيكون هذا الأمر معقداً بالنسبة لإدارة ترامب. علاوةً على ذلك، عقب القصف التركي لمواقع وحدات حماية الشعب الكردي في شمال العراق وسوريا يوم 15 أبريل/ نيسان، التقى ضابط عسكري أمريكي بقائد معروف لحزب العمال الكردستاني "PKK"، وهو جماعة متمردة لطالما كانت عثرة في الطريق التركي، وتحدثا عن قائمة المنظمات الموصوفة بالإرهابية "FTO" منذ عام 1997. وقد أثار ذلك اللقاء موجة غضب في تركيا واستجلب توبيخاً حاداً من أردوغان، وأظهر إعلان يوم الأربعاء عن تسليح الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب أنّ أردوغان قد أخفق في إقناع الأمريكيين بتغيير مسارهم مع وحدات حماية الشعب، على الرغم من الضغط الشديد، كما وتتوعد زيارته لواشنطن بأن تكون صعبة بالنسبة للحكومتين.

 

وعلى الرغم من أنّ أردوغان شخص أوتوقراطي إلى حد مفرط، إلا أنه ليس مخطئاً في الحقيقة فيما يخص اختلاط الجماعات الكردية المختلفة.  ففي مقابلة أجريت عام 2013 مع "أسامة أوجلان"، شقيق زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون "عبد الله أوجلان"، ادّعى أسامة أنه قام، وبمساعدة شخصيات أخرى من حزب العمال،  بتأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD"، وهو الذراع السياسي لوحدات حماية الشعب الكردي عام 2003 في جبال قنديل في العراق، وهي مقرات حزب العمال الكردستاني. كما يُعد حزب PYD عضواً في اتحاد الجماعات الكردية، الذي تأسس عام 2005 في جبال قنديل من قبل مجلس الشعب الكردستاني، وهي منظمة تابعة لحزب العمال الكردستاني الذي أضافته وزارة الخارجية الأمريكية إلى قائمة "FTO" في شهر يناير/ كانون الثاني عام 2004.

 

كما أنّ الرئيس المشارك للمجلس التنفيذي لاتحاد الجماعات الكردية هو "سيميل بايليك"، وهو الزعيم بالنيابة لحزب العمال الكردستاني، فضلاً عن أن  نشطاء حزب العمال الكردستاني والمقاتلين والقادة يشغلون الكثير من المراتب في حزب PYD ووحدات حماية الشعب الكردي. بالإضافة إلى ذلك، كان أحد المقاتلين في وحدات حماية الشعب الكردي قد أخبر وول ستريت جورنال أنه كان مع حزب العمال الكردستاني من قبل، وأن المقاتلين يتناوبون بانتظام بين كيانات حزب العمال الكردستاني المسلّحة. وقال رئيس إقليم كردستان العراق "مسعود بارزاني"، وهو حليف مقرّب من الولايات المتحدة في الحرب ضد داعش، قال في شهر مارس/ آذار إن حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني هما في الأساس كيان واحد.

مع ذلك، تستمر إدارة ترامب – وإدارة أوباما من قبلها- بالمجادلة، كما حدث مؤخراً في 8 مارس/ آذار، بأن حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني كيانان منفصلان؛ لكن لا أساس لهذا في الواقع الملحوظ. وبالنظر إلى الروابط العضوية بين الحزبين، فإن المنطقة المستقلة لحزب PYD  ووحدات YPG في شمال شرق سوريا، من المحتمل أن تحقّق عمقاً استراتيجياً لحرب حزب PKK المستمرة والمستقبلية ضد تركيا، وهذا أمر يدركه أردوغان ويخشى حدوثه. وهناك تقارير تركية تشير إلى أن الميليشيات الكردية المتحالفة مع حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي، كانت قد تدربت في المناطق الشمالية الشرقية في سوريا والتي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب، لشن الهجمات التي وقعت في إسطنبول وأنقرة وبورصة عام 2016.

 

وبالاعتماد على وحدات حماية الشعب في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، إنما تساعد الولايات المتحدة جماعة إرهابية في قتال أخرى. ويأتي ذلك على الرغم من سياستها طويلة الأمد في عدم التعاون مع أية منظمة مُدرَجة في قائمة FTO، كما تفعل اليوم مع وحدات YPG، التي تُعد رديفاً لحزب العمال الكردستاني. وبطبيعة الحال، يجادل البعض بأن حزب العمال الكردستاني لا ينبغي أن يكون على قائمة FTO الأمريكية، كما أنّ نقاشاً في العمق فيما يخص شروط التخلص من حزب PKK سيتطلب شهوراً. وفي غضون ذلك، فإن التجاهل الصارخ لقيود FTO فيما يتعلق بسلوك الولايات المتحدة الرسمي مع منظمة مدرَجة في القائمة مثل PKK وتوابعها، إنما يعكس عدم انتظام مطلق في السياسة، ما يقلّل من مصداقية الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب.

 

ومن شأن إعجاب الولايات المتحدة بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني أن يتسبّب بتجاهلها لبعض الوقائع غير المريحة التي ستطاردها طويلاً بعد تغلبها على تنظيم داعش وإخراجه من الرقة. وعلى الرغم من أن منظمة حزب العمال الديمقراطي توحي بأنها منظمة علمانية، إلا أنها ليست ديمقراطية؛ ذلك أنها اضطهدت المنافسين السياسيين واعتقلت ناشطين أكراد آخرين بالإضافة إلى اعتقال صحفيين مستقلين ومضايقتهم. بل وأكثر من ذلك، سيتسبب تأكيدها على المساواة بين الجنسين وإصرارها على فرض أجندتها السياسية، بمشكلات فيما يخص الحكم المستقبلي لمدينة الرقة، العاصمة الفعلية لتنظيم داعش، وغيرها من المدن ذات الغالبية العربية والتي تساعدها الولايات المتحدة في الاستيلاء عليها من تنظيم داعش.

 

ولننظر في قضية "ليلى محمد"، وهي عضو في حزب الاتحاد الديمقراطي وناشطة في مجال حقوق المرأة من مدينة تل أبيض على الحدود السورية التركية. في إحدى المحادثات، تحدّث مسؤول أمريكي رفيع المستوى عن الناشطة ليلى بإعجاب لتفانيها والتزامها بقضية المرأة في سوريا. وعلى الرغم من ورود اعتراضات عن بعض قادة المجتمع العربي في الرقة، قامت قوات سوريا الديمقراطية التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني (وهي كيان يعمل بصورة أساسية بدعم من واشنطن لتغطية حملة حزب YPG المدعومة أمريكياً ضد تنظيم داعش) بتعيين ليلى محمد رئيساً مشاركاً للمجلس الإداري الجديد للرقة، الذي سيتولى حكم المدينة بعد خروج داعش منها.

 

لكن الرقة معروفة بين السوريين على أنها مدينة عربية محافظة أكثر من دمشق وحمص وحتى حلب، إذ تُبقي الكثير من المجتمعات فيها على روابط من شبكات قبلية تمتد على طول نهر الفرات وشرقاً إلى الصحراء السورية باتجاه العراق. كما تسود فيها الأعراف التقليدية بما فيها تلك التي تحكم دور النساء. ويجد الكثير من الأمريكيين أن القيود المفروضة على المرأة العربية موضع اعتراض، ويثنون بالتالي على نشاط السيدة محمد. لكن كما من المفترض أن تكون حرب العراق قد لقّنت واشنطن درساً، فإن واشنطن لا تستطيع أن تفرض معاييرها الاجتماعية والسياسية، مباشرة أو عن طريق وكلائها المحليين، على المجتمعات الشرق أوسطية المحافظة دون إثارة رد فعل معاكس محتمل.

 

كما تسهم استطلاعات للرأي العربي في الأعوام الأخيرة في توضيح هذا التوتر، إذ أظهرت دراسة استقصائية غير رسمية لمقاتلي تنظيم داعش منذ عام 2014،  أجرتها شركة اتصالات لبنانية، أظهرت أن الدفاع عن المجتمعات السنية التي تتعرض للاعتداءات كان السبب الأساسي في انضمام مقاتلين من بلدان إسلامية أخرى إلى تنظيم داعش. ويسلّط مسح أجرته وكالة " ASDA’A Burson-Marsteller "عام 2016، الضوء على أن النزاعات حول أفضل تفسير للإسلام والتصورات التي تشير إلى أن الثقافة الغربية قد فُرضَت على المجتمعات العربية، هي التي تسهم في تغذية تجنيد المتطرفين. كما أن التنافس العرقي العربي الكردي طويل الأمد، فضلاً عن أجندة حزب PYG الأيديولوجية، التي تعمد إلى فرض المساواة بين الجنسين فجأة، كل ذلك مسؤول عن تعزيز تجنيد المتطرفين في حال تحوّل تنظيم داعش إلى وضع التمرد بعد سقوط الرقة.

 

لكن الأكثر إثارة للقلق هو الأدلة على أن المتطرفين العرب السنة يتعلّمون من أخطائهم ويعملون على تكييفها مع الواقع. ففي محافظة إدلب في الشمال السوري، تحوّل تنظيم القاعدة بعيداً عن التكتيكات الوحشية التي صقلها في العراق منذ 2004 وحتى 2009، ليقلّل من العنف ضد السكان المحليين، وذلك عن طريق التحوّل إلى ما يسمى "القاعدة: إصدار 3.0"، ومن ثم توفير البنية التحتية وتقديم الخدمات عن طريق مسؤولين محليين. كما قام بالإضافة إلى ذلك بالاندماج أكثر مع المجتمعات المحلية. وفي حال رأت المجتمعات العربية في الشرق السوري أن حزب PYG ووحدات حماية الشعب يسعيان للهيمنة عليها، قد يقوم زعماء تنظيم القاعدة وتنظيم داعش الأكثر حكمة  بجذب المزيد من المجنّدين، ما يصّعب احتواء الثورة العربية القادمة.

 

وحتى الآن، ما يزال تنظيم داعش في الرقة كما أنه لم يتحول بعد لحركة تمرد واسعة النطاق. لكن لن يطول الأمر حتى يتعين على واشنطن اتخاذ قرارها حول من سيحكم الرقة وشمال سوريا ويسيطر عليها، ومن سيدفع ثمن ذلك. وكما قال "كولن باول" لـ"جورج بوش" عام 2003، إنه في حال أطاح بوش بصدام، "ستحظى" أمريكا بالعراق وعليها أن تتولى مسؤولية ذلك. وربما سيزيد عدد القوات الأمريكية قريباً ليصبح ألف جندي على الأرض في الشرق السوري، هذا فضلاً عن أن قوات أمريكية بالوكالة تستعيد أراضٍ جديدة من أيدي تنظيم داعش أسبوعياً بدعم أمريكي، بما في ذلك قصف المدفعية البحرية والغارات الجوية المنتظمة. ويوجد بالإضافة إلى ذلك قوات حفظ سلام أمريكية منتشرة في مدينة منبج وبالقرب من تل أبيض لمنع تبادل إطلاق النار بين المقاتلين الأتراك والعرب السوريين من جهة، والمقاتلين الأكراد السوريين من الجهة الأخرى، كما أن أمريكا اليوم تسيطر على الشرق السوري بصورة فعالة.

 

وعلى الرغم من أن إدارة أوباما هي من أقحم أمريكا في هذا الاتجاه على علم منها، إلا أن ترامب الذي ندد ببناء الأمة في حملته، سيدفع الفواتير الأكبر القادمة. وستزداد الصعوبات الأمريكية سوءاً إذا أثارت تركيا المزيد من المشاعر المعادية لحزب PYG وYPG  في المنطقة ذات الأغلبية العربية. وبذلك، سنكون بحاجة إلى التوصل إلى اتفاق مع أردوغان.

 

والأهم من ذلك كله أن الأكراد السوريين، كحال العديد من الشرق أوسطيين من قبلهم، يعتقدون أن الأمريكيين سيحمونهم من أعدائهم، لكنه قد غاب عن بالهم التجربة المريرة التي خاضها "مصطفى بارزاني"، الزعيم العراقي الكردي الذي دعمه الأمريكيون في السبعينيات ضد نظام العراق البعثي، ليغدروا به عام 1975 عندما توصل شاه إيران الذي تدعمه الولايات المتحدة إلى اتفاقية مع بغداد. وعندها توقف "هنري كسنجر" عن تزويد بارزاني بالأسلحة وسيطرت بعدها القوات العراقية على كردستان العراق. وهنا كان يجب على "مصطفى برزاني"، والد الرئيس "مسعود برزاني"، الهرب إلى المنفى في الولايات المتحدة ليقضي نحبه هناك. وبناء على هذا، لا ينبغي لأكراد سوريا اليوم أن يتوقعوا أن يقدم لهم الأمريكيون أكثر من هذا، لا سيما في وجود رؤساء كأوباما وترامب.

--------------------

الكاتب:

روبرت فورد (Robert Ford): زميل في معهد جاكسون في جامعة يال، وهو سفير أمريكي سابق لدى سوريا ونائب السفير الأمريكي في العراق.

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2501312

مقالات المترجم