عدد القراءات: 4825

الخائفون من الحرية

 

* أحمد الرمح

 

نتيجة الهزيمة الحضارية التي مُني بها مجتمعنا أمام الآخر، وحالة التخلف العلمي الشديد التي تركتنا فيه قوى كثيرة تناوبت على حكمنا باستبداد ودون شرعية، دخلت أفكار مستوردة إلى مجتمعنا؛ حملها أبناء المجتمع الذين تعلموا في الخارج أو اطلعوا على ثقافته وتجاربه، طرحت تلكم الأفكار حلولاً لمعالجة المشكلات المستعصية، ولقد أخطأ حملة تلكم الأفكار بعدم مراعاة طبيعة المجتمع المتدينة؛ إذ قدموها بشكل راديكالي؛ تجاوزوا فيها سنة التدرج في التقديم ،فصُدِم الاستبداد بهذا الطرح الذي يسحب البساط من تحته، وكذلك المؤسسة الدينية المتحالفة مع الاستبداد؛ المتخلفة في كل شيء المتقوقعة على كتب صفراء؛ تعتقد أن الحلول فيها، فتولدت فينا أزمة هي الخوف من الحرية؟.

والسؤال: لماذا يخافون من الحرية...ولم يخوفوننا منها...وما غايتهم: 


يخوفوننا منها بدعوة أن الحرية ليست إلا الفساد الأخلاقي والإباحية الجنسية، والخروج عن المنظومة الأخلاقية للمجتمع؛ حتى أصبح لدينا فوبيا الحرية؛ وهذا ليس صحيحاً ؟. فالحرية هي المسؤولية؛ وفكرياً هي حق النقد الموضوعي البعيد عن الإساءة لرموز ومقدسات الآخرين ؟.
تحت تلك الذريعة ـ الخوف من الحريةـ أخذت الأصوات تعلو بمنع أي رأي أو أعمل إبداعي يختلف معنا بأفكاره ومفاهيمه وطريقته في حلَّ الأزمة.
وباركنا كل قرار يصدره الاستبداد وتعاونت معه المؤسسة الدينية في منع هذا العمل أو ذاك تحت ذريعة الحفاظ على هوية المجتمع، وتلك كلمة حق أريد بها باطل؟.


سلوكية منع الرأي الآخر؛ ليست من الإسلام ؛ إنها مكارثية؛ تولدت نتيجة الفشل أمام المعاصرة بحجة الخوف على طهورية النص الديني من التأويل المتمحل. وهذا ما يرفضه القرآن الكريم لسبب بسيط؛ أن الإسلام لم يخف أبداً من الحرية، ودائماً يشجع عليها، ويدعو الجميع ليطرحوا أفكارهم دون أي خوف منها، ويطالب صاحب كل رأي بالمبدأ العلمي والبرهان التحليلي: قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.(البقرة:111).
كما يدعو لمناقشة الأفكار كلها بجو من الحرية فما كان صحيحاً سيبقى، وما كان مزيفاً سيولي بلا رجعة، والمجتمع هو الحكم ولقد أكد على تلك الحقيقة بقوله : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ(الرعد:17).
وانتبه إلى قوله تعالى(وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ) ولم يقل: وأما ما ينفع المسلمين. لأن الإسلام في مقاصده يبحث عن المنفعة العالمية، وليست الضيقة.
كان من الواجب علينا أن نحَصَّن المجتمع علمياً وعقلياً، ونزرع فيه المضادات الحيوية الثقافية التي تجعله منيعاً أمام أي فكر منحرف لا أن نمارس الوصاية عليه، ونسلك سلوكاً فرعونياً (لا أريكم إلا ما أرى).
علينا أن نعترف بحقيقة وهي أن كل من يخاف من الحرية؛ إنما يخاف على معرفته الناقصة، ويخاف أن ينكشف جهله وتفضح عورته الثقافية والمعرفية وتهزم أمام الحقيقة والعقل، أما الإسلام فلا يخاف الحقيقة ولا الحرية لأنه أول مَنْ صَدَّرَها ودعا إليها؛ وليست لديه عورات يخاف أن تنكشف ؟!

القرآن الكريم أشار إلى تلك القضية حينما طرح المخالفون أفكارهم ؛ فعالجها بسلام إذ قال :
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ قُل لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سبأ:24+25)
إن الحرية كانت مطلب رسول الله؛ فحينما رفض مستكبرو قريش رسالته، ومنعوه من طرح أفكاره، لم يقهرهم عليها، ولم يمارس ثقافة القطيعة معهم، بل طالبهم بالحرية فقط، وتحداهم بها على أن يكون الناس هم الحكم على ما يطرح، وكان يصرخ قائلاً : خلو بيني وبين الناس. أي امنحوني حرية طرح أفكاري على الناس .


إن مصادرة آراء الآخرين مصادرة لحرية التعبير التي كفلها الإسلام للجميع، أما نحن علينا أن نرد الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، لا أن نمنع الآخرين من التعبير عن آرائهم. ونمارس استبداداً يهدم كل ما كنا ندعو إليه، عندما كانوا يستبدون بنا؟!.
وأما الذين يخافون من الحرية؛ فإنهم يخافون على معرفتهم الناقصة؛ من أن تكشف عوراتها أمام العقلانية والابداع والرأي الآخر؛ وهذا المجتمع لم يعد قاصراً؛ حتى تتولوا الحديث باسمه؛ ولم يعد أبكماً؛ فهو يعرف كيف يعبر عن مراده؛ وإنْ أردتم إبداعاً وتنمية ونهضة وتحضراً؛ فامنحوا المجتمع الحرية؛ وهو يعرف كيف يعقلنها؛ لينهض مرة أخرى محطماً قيود التقليد؛ وأغلال التخلف؛ وسينهض كما العنقاء من تحت الرماد.

 

*أحمد الرمح كاتب وباحث

علِّق