عدد القراءات: 5177

الحركات الإسلامية المتطرفة ودورها في فرملة التحرر الإسلامي (1)


كلما لاحت في سماء الوعي الإسلامي عامة ، والعربي خاصة بادرة نهضة وتحرك نحو التحرر، نبتت فجأة جماعات إسلامية متطرفة  تسد الطريق وتحرف الوجهة وتبعثر الجهود ، وتكون النتيجة دائما خمود ذلك النشاط  والعودة إلى الوضع السابق أو إلى ما هو أسوأ منه ربما ، مع مخزون كبير من الآلام و الدماء والخراب والأذى الذي ينضاف إلى الذاكرة المتخمة أصلا ، وليتحول مستقبلا إلى ما يشبه الفرامل الذي يكبح كل تحرك تحرري ، بتذكيره بمآل سابقه والنتائج المؤلمة التي أفضى إليها .

وهنا تظهر (لماذا ؟ ) ملحَّة واخزة مؤرقة ، بل ينبغي أن تظهر الآلاف منها (اللماذات ؟)فلن نتمكن من التخلص من عاهاتنا إن لم نشهر مشرط النقد والمراجعة ونحفر حولها  عميقا لنقتلعها من الجذور .
نعم لماذا ؟
- لماذا هذا التلازم  لم يكد يتخلف مرَّة عن كل نشاط تحرري ، عن كل تحرك نهضوي ؟
- لماذا تلك الجماعات تنشط بنشاط الوعي التحرري وتخمد بخموده . فهي في أزمنة استقرار الاستبداد وهيمنته تتلاشى وتنزوي ، أو على الأقل تتحرك بوَجَل تحت جنح الظلام الذي يشبهها ، بينما في لحظات صحوة الشعوب الإسلامية تعاود – وبشكل مفاجئ ومريب - الظهور والتمدد والصراخ بصوت عال منادية بضرورة وأولوية تطبيق الشريعة (بحسب فهمها الضيق ) وإحياء الخلافة الإسلامية ومواصلة ما انقطع من مسيرتها في فتح البلدان وإخضاع الشعوب وقيادة العالم .
فهل ولادة تلك الجماعات ونشاط ذلك التفسير المتطرف للإسلام هي أثر حتمي عن حركة الوعي الإسلامي؟

أي هل  أن الوعي الإسلامي لا يمكن أن يتجسد واقعا إلا في صورة تلك الجماعات وأن تلك هي صورته الوحيدة والحقيقية ؟

وبعبارة مباشرة : هل الإسلام دين عنفي متشدد مخاصم للعالم لا يمكن أن يوجد إلا في صورة تلك الجماعات ؟؟
إذا كان منطلق الإجابة عن هذه التساؤلات هو إسلام التراث والتاريخ ، فالجواب هو: نعم بكل أسف. فكتب الفقه والتفسير والتاريخ والسير وغيرها ، مترعة بأسس ومبادئ ذلك الإسلام – إسلام داعش وأخواتها السنية والشيعية  – فهو الإسلام الأقوى سندا والأعلى صوتا وبإمكانه أن يغلب أي إسلام آخر يستند إلى التراث نفسه ويعالج القضايا بالمناهج ذاتها ، وينظر إلى الحياة والآخرين عبر ذات المنظار   . ولذلك نجد المحاولات التي تعمل على إظهار ذلك الإسلام بأنه دين مسالم ، ومتصالح مع الحضارة والإنسانية ، متعتعة وضعيفة ولا تصمد في ساحة النقاش أمام مخزون المستندات والأدلة التي يتمترس بها دعاة الإسلام المتشدد .
أما إن كان المنطلق هو إسلام الرِّسالة ، إسلام القرآن ومحمد وصحبه ، فالجواب هو حتما : لا . لا يمكن لإسلام الرسالة أن يتجسد أصلا أو ينجح في استئناف مسيرته التنويرية والتحريرية إلا إن تحرر هو أولا من قيوده المتمثلة في جنازير التراث الصدئة ... إلا إن حدث الطلاق القطعي بين النصوص المقدسة وبين التفسيرات والتأويلات (المتمقدسة ) التي حجبت أنوارها وحبستها في أزمنة وأمكنة سحيقة ، ورهنتها لتأويلات كانت السياسة ، سياسة تلك الأزمنة ،المحرك والمولد للكثير منها والمؤثر الأكبر فيها  .

فإسلام الرسالة جاء لـ:

- تحرير الشعوب وتكريمها فجعله إسلام التراث لاستعبادها واستذلالها .
- للتعارف والتآلف بين الأمم فجعله التراث للتخالف والتكاره .
-  لنشر التواضع والرحمة وحقن الدماء فجعله التراث للكبروالقتل والأشلاء .
- الإسلام لكل الناس ، فجعله التراث حكرا على المسلمين وملكية خاصة لهم ، بل حتى الله تعالى وعز وجل هو لنا وحدنا ، رحمته لنا وعذابه لهم ، جنته لنا وناره لهم ، عطاؤه لنا ومنعه لهم .
-  ليكرِّم العقل ويعلي مكانة العلم ويبين أن الكون تحكمه السنن والقوانين ، فجعله التراث دين الخوارق والمعجزات والكرامات ، وكلُّ تمجيد للعلم فيه المقصود به هو العلم بذلك التراث فهو وحده العلم وحملته  وحدهم العلماء .
- ليضيِّق مساحة المحرمات ، ويوسع مساحة المباحات ، فجعله التراث دين المحرمات .
هل أظلم أو أتجنى ؟؟؟ من يظن ذلك فليرجع إلى تلك الكتب (كتب العلم ) فسيجد فيها  الذي ذكرت وأكثر . ولكن ليقرأ بعين النقد لا بعين التمجيد .
أليست هذه سنن من قبلنا اتبعناها – كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم - شبرا بشبر وذراعا بذراع تسللت إلى ديننا كما تتسلل الأفعى ( لتتبعن سنن من قبلكم ... حتى إذا دخلوا جحر ضب لدخلتموه ).


                             ...........يتبع

علِّق