عدد القراءات: 8339

الحركات الإسلامية المتطرفة، ودورها في فرملة التحرر الإسلامي (2)

لنعد إلى سؤالنا الأول : لماذا التلازم بين حركات التحرر وحركات التطرف ؟
  هذا التساؤل أتوجه به بشكل خاص إلى الشباب الذي لا يزال يرى في تلك الجماعات ممثلا حقيقيا للإسلام ويرى في تفسيرها الفهم الأصح والأوحد له، وكذلك إلى بعض الرموز الذين لا يشك أحد في إخلاصهم والمنخرطين بقوة في ترويج هذا الفهم وجذب المؤيدين والأتباع له من صفوف الشباب الثائر بقصد أو بغير قصد  .
لاشك أن التلازم بين الأمرين، يطرح الكثير من علامات الاستفهام والأكثر من علامات التعجب، وكأن هذا الأمر بات الوصفة السحرية التي تلجأ إليها الجهات التي من مصلحتها بقاء الشعوب الإسلامية عامة والعربية على وجه الخصوص قابعة في ذيل الأمم تابعة ذليلة مستجدية، في كل وقت تستشعر فيه خطر يقظة تلك الشعوب، فتظهر جماعات لا يعلم أحد إلا الله من أسسها ثم من أين ظهرت، ولا أين كانت قبل ذلك ولا متى تشكلت ولا كيف تسلَّحت؟؟. ولعل الملفت أيضا أن جماعات جديدة بمسميات جديدة يجب أن تظهر في كل مرة، لأن الجماعات السابقة تكون في الغالب قد فقدت الكثير من رصيد الثقة بها، أي أنها لم تعد تشكل ذلك الفخ أو تلك المصيدة المغرية القادرة على اجتذاب الشباب المتحمس قليل العلم والخبرة والوعي، كثير الألم والمهانة والفقر والضياع.

هل نذهب إلى نظرية المؤامرة؟ 
لا أشك أن في الأمر مؤامرة، ولكنني لن أدخل هنا  في متاهات تلك النظرية التي لا أنكرها، وأعتقد أنه لا ينكرها إلا ساذج، فالمؤامرة موجودة، وهي من طبائع الأشياء فكل الدول تتآمر لما يحقق مصالحها ولو على حساب مصالح الدول والشعوب الأخرى، فبحسب الفلسفة السياسية المعاصرة لا أخلاق في السياسة، والأنانية المطلقة للدول هي سرُّ النمو والتقدم والاحتفاظ بالقوة والاستقرار بحسب الفلسفة ذاتها، ولكن الشيء المهم في الموضوع هو أن ندرك نحن الذين نكون دائما مطيَّة لمؤامرات الآخرين وميدانا للعبهم بمصالحنا، أنه لا يكفي أن نعلم أن العالم يتآمر علينا ومن ثم نغرق في حالة من الكراهية والحقد عليه، هذا التعامل العاطفي الطفولي القائم على ردات الفعل هو نفسه سبب أساسي لنجاح مؤامراتهم وتحقيق مراميها.


المطلوب أولا أن نفهم أن المؤامرة شيء طبيعي في عالم السياسة منذ القدم، فالدول -القوية طبعا- لا تخفي مصالحها أو لنقل مطامعها في الدول الأخرى، بل تشترط في أي تسوية أو أي اتفاق تأمين مصالحها أولا، فالمصالح باتت البوصلة التي توجه التحركات السياسية، وليس في السياسة صديق أو عدو، شقيق أو أجنبي، بل المصلحة ولا شيء سوى المصلحة، صحيح أن المصلحة تتجمل في معظم الأحيان بقناع الدبلوماسية الناعم، والعلاقات الأخوية والدوافع الإنسانية والصداقة المديدة والمصير المشترك وووو، إلا أن ذلك لا يمكنه أن يخبِّئ بريق المصلحة وحوافِّها الخشنة ونتوءاتها الحادة.
والمطلوب ثانيا الانتقال من ردَّات الفعل إلى الفعل ، وأول خطوة في هذا الطريق تتمثل في التفتيش عن العيوب، أو لنقل النقاط الرخوة والثغرات التي يتسلل منها المتآمرون إلينا أو يبنون عليها مؤامراتهم، المطلوب الإجابة عن التساؤل التالي: لماذا تنجح المؤامرات في بلادنا وتحقق وبيسر وسهولة أكثر مما تمناه المتآمرون، في حين نجد دولا وشعوبا أخرى محصنين ضد المؤامرة، وكأن أحدا لا يتآمر عليها .!!


ثمة خلل بنيوي فينا يجعلنا ميدانا سهلا للمؤامرة، ولقمة سائغة في تلك الأفواه الشرهة، ونحن لا ننتبه له أو لا نتجرأ على مقاربته، وهو يتمثل بحسب مقاربتنا للمشكلة بـ (الاستلاب للتراث)، هذا الخلل الذي صنع منا شعوبا تحركها العاطفة أكثر من أن يحركها العقل، يحركها التاريخ أكثر من أن يحركها الحاضر، تحركها الأحلام والتهويمات ،أكثر من أن تحركها تحديات الواقع ومشكلاته الحقيقية،  يحركها الهدم أكثر من أن يحركها البناء، تجذبها الفرقعات والخناقات والمصارعات، أكثر مما تجذبها الدروس والمحاضرات ... لذلك يسهل التلاعب فينا، إننا أشبه ببالون مملوء بالهواء، تكفيه نكأة صغيرة حتى ينفجر أو يفرغ هواءه ثم لا يحيق الضرر إلا به .. لا نزال  إلى الآن نقدِّر قوة العضل ونقدمها على قوة العقل، نعتمد على الخوارق والمعجزات والكرامات، ونقعد بغباء ننتظر نزول المسيح وخروج المهدي اللذين سيعيدان القوة لنا، فحتى هؤلاء لا ننتظرهما ليخلصوا العالم من الظلم والانحراف والفساد، بل ليخلصونا من أعدائنا ويردوا لنا التفوق والسيادة والقيادة التي فقدناها منذ قرون، فهما لنا نحن، وسيعودان لأجلنا نحن... هذه هي الثغرة الكبرى التي ينفذ منها المتآمرون.. المادة الخام التي يصنعون منها مؤامراتهم والخيوط التي ينسجونها منها. نحن أمة نعيش في الماضي بأحلامه وأمجاده، وصراعاته وحروبه ومشكلاته، لا زال الشيعة يلاحقون معاوية وبني أمية ليثأروا لعلي والحسين، ويلاحقون أبا بكر ليقتصوا لفاطمة ويعيدوا إليها أرض فدك، ويلاحقون عمر بن الخطاب ليعاقبوه على سرقة الخلافة من علي، ولا يزال السنة يلاحقون أبا لؤلؤة الفارسي ليقتصوا منه  لعمر، ويلاحقون ابن سبأ ليعاقبوه على إحداث فتنة عثمان وافتعال موقعة الجمل،لا يزالون يتقاذفون بتهم الخيانة والردة ويتلاعنون ويتسابُّون وفي غفلتهم يعمون عما يحاك لهم ويجري من حولهم .


يكفي أن يقوم أحد من (الآخر) بتمزيق مصحف لنثور ونقتل ونخرب وننسى واقعنا وأهدافنا وأننا مستهدفون

يكفي أن يقوم برسم مسيء لرسولنا صلى الله عليه وسلم حتى نغضب غضبا تدميريا، يكفي أن يقوم بإخراج  فِلمٍ يصف فيه ديننا بالتخلف والإرهاب، لنفجِّر ونخرب ونقتل، وفي الغالب أناسا لا صلة لهم بما حدث، وكأننا نقول له ولمن توجه إليهم بخطابه: نعم صدقت وهاك دليل عملي على كلامك!!

يكفي أن يقوم رجل دين شيعي بنعت أهل السنة بالنواصب ليقوم رجل سني بتفجير نفسه بمسجد شيعي يغص بالمصلين أولاد المتعة

يكفي أن يقوم شيخ سني بنعت الشيعة بالروافض لتبدأ حفلات اللطم وتصدح الحناجر وتلمع السيوف والخناجر منادية بثارات الحسين وزينب، ويقوم رجل شيعي بتفجير نفسه في مسجد سني يغص بالمصلين، أو سوق شعبي يغص بالمتسوقين والباعة

يكفي أن يقرأ داعية (فضائي) صفحة من تاريخنا لتتأجج الأحقاد وتعود إلى الحياة الثارات... والغريب العجيب في الأمر هو من أين يأتي الناس بالشجاعة للقيام بتلك الأمور، بينما هم في حياتهم العادية خاضعون ذليلون جبناء أمام كل طاغية صغير يمكن أن يقتل منهم العشرات والمئات والآلاف، ويزج بهم وبأبنائهم في أقبية الموت وهم لا منتفض ولا غاضب، بينما حياة الإنسان في إسلام الرسالة أقدس وأهم عند الله من نسخة مصحف ومن الكعبة المشرفة

..... انظر مثلا كم يقتل من المسلمين يوميا في سوريا، بينما بقية العرب والمسلمين في دولهم يعيشون بسلام وأمان ولهو ومتعة دون أن يقوموا ولو بمظاهرة، دون أن يرتفع منهم صوت ليطالب حكوماتهم بفتح الحدود أمام الفارين من حمامات الموت،وأقصى ما يمكن أن تحصل عليه منهم هو التعاطف السلبي والكثير من الحوقلة والحسبلة، بينما لو قام أحد بحرق أو تمزيق مصحف فسنرى المظاهرات تعمُّ العالم العربي والإسلامي، وسيقدم كثيرون أرواحهم وممتلكاتهم في سبيل الانتصار لشرف القرآن، وكأن شرف القرآن سينسكب بتمزيق نسخة مصحف،  وفي كثير من الأحيان  تكون تلك الحادثة صورة أو لقطة فيديو مفبركة، كم من السهل التلاعب بنا!!!


إن الإرهاب هو العدو الصديق لأنظمة الجور والطغيان، ولدول الهيمنة العالمية، هو عدو ظاهر وصديق باطن، بل لم يعد ينطلي على أحد أنها هي من صنعته، بشكل مباشر أو غير مباشر، فهو الوصفة المعاصر للسيطرة على الشعوب وإخضاعها، ليس شعوبنا فقط بل حتى شعوبهم، وهو أيضا الوصفة السحرية لتحريك عجلة اقتصاداتهم كلما تباطأت حركتها ونهب ثروات الشعوب،  وصحيح أنه (الإرهاب) يخرج بعض الشيء في بعض الأحيان عن السيناريو المرسوم ويسبب لها بعض الآلام غير المتوقعة، إلا أنه يبقى مع ذلك العدو الصديق والخادم الوفي والوسيلة الناجعة في استلاب  وعي الشعوب  و إخضاعها والسيطرة على مصائرها والحيلولة دون تحررها .
وطالما أننا متمسكون بتراثنا (وهو المولد لذلك الإرهاب والمؤيد له) بسلبياته وإيجابياته، بحيه وميته، بنافعه وضاره، فلن نتمكن من الخروج من شرك المؤامرة. إذا لم نعمل على استرداد إسلامنا وعقولنا وأنفسنا من متاهات التراث، وننعتق من التاريخ ونلج الحاضر، فلا أمل بالخروج من النفق، وستبقى رحى الحروب والصراعات تطحننا إلى ما لا نهاية، وسيبقى الاستعمار والاستبداد،  باسطا هيمنته على مصائرنا وممسكا برقابنا يوجهها متى وأين يشاء، وسلاحه الرخيص هو: الجماعات الإسلامية المتشددة وخزانات التراث العامرة التي تأبى الانحصار بين جدران المتاحف.

علِّق