عدد القراءات: 634

الحجاب.... مجدداً

 

احتدمت ساحة النقاش مؤخراً حول موضوع الحجاب، وفتحت وسائل التواصل الاجتماعي الباب المقفل منذ عقود، وسمحت لنا بالتحدث في أمور كان محظوراً مجرد الخوض فيها أو التطرق لها

وارتفع بالتوازي مع ذلك الصوت الذي يقول بفصل الحجاب بشكله الحالي عن القرآن الكريم، بل وحتى الحديث الشريف، وتم نسبه إلى العادات والتقاليد التي كانت سائدةً في ذاك العصر والزمان، وحتى لو كان الطرح مبنياً على أدلة ووثائق، إلا أن قائليه يتوقعون ردة فعل مستحيلة من ملايين المسلمات، تتمثل في رمي النساء للحجاب أفواجاً لمجرد قرائتهم لرأي أو لمقال أو حتى لبحث يمتد لصفحة أو صفحتين،

ولكن الحقيقة الصارخة التي يغفلها هؤلاء، أن للحجاب أبعاداً كثيرة مرتبطة بالبعد الديني ولكنها ليست دينية على الإطلاق، وعلى اعتبار أن الأبحاث الدينية في الحجاب كثيرة ووافية، سألخص سريعاً الأبعاد الأخرى التي يحملها الحجاب

إن شكل الحجاب الذي ترتديه المسلمة في سوريا مثلاً يشابه كثيراً الحجاب الذي ترتديه المسلمة في المغرب بل وحتى المسلمة في أندونيسيا، بل وكنّ يرتدينه في عصور كان الاتصال بين تلك الأصقاع صعباً وبطيئاً على عكس الوضع اليوم، وإن دلّ ذلك على شيئ فإنما يدل على أن المجتمعات المسلمة طوّرت الحجاب الحالي وهي بمعزل عن بعضها، فعوامل وأسباب ظهور هذا الحجاب كانت موجودة ولايمكن حصرها بالأسباب التي يتم تسويقها كالجهل، والعادات والتقاليد، بل والتخلف حتى!

إن شكل الحجاب الحالي هو عبارةٌ عن عملية تفاعل وتطور استمرت لمائة عام بين النصوص الدينية، والعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تمرّ بهدا تلك الدول، وأتى حجاب اليوم كوليد لتلك الظروف والتفاعلات

 

سياسياً مثلاً، حمّل الحجاب بعداً سياسياً في إيران خلال فترة حكم الشاه، فكان ارتداؤه دليلاً على رفض الحكومة وسياسياتها، وكذلك كان الحال في تركيا بل وفي سوريا حتى إبان فترة نزع الحجاب في الطرقات،

فقد حمل الحجاب هذا البعد السياسي كانتماء لتيار ثائر، ورافض للحكومة، وتغيّر الحال مثلاً في إيران إبان الثورة الإسلامية فبات خلع الحجاب علامةً على الثورة، وارتداؤه بطريقة معينة علامة على الولاء الكامل لحكم الولي الفقيه، وامتد البعد التبعي السياسي للدول العربية، فبات وضع الحجاب على الطريقة الإيرانية دليلاً على الولاء للمرجعية الشيعية، كما بات وضع الحجاب مع إظهار بعض الشعر دليلاً على الانتماء للتيار الانفتاحي

 

وأما اقتصادياً فقد تطرق الدكتور المسيري رحمه الله للبعد الاقتصادي للحجاب، أمام هجمة الرأسمالية وثقافة الاستهلاك ودخول الماركات العالمية بأسعارها الباهظة للأسواق.

 كان تبني الحجاب مع اللباس الشرعي يحمل موقفاً مضاداً لهذا الغزو الفكري، كما أنه يناسب معدلات الدخل المنخفضة بل وشبه المعدومة حتى لدى شريحة كبيرة من أبناء بلادنا، وسمّاه المسيري "التدين الشعبوي" فبات الحجاب يحمل موقفاً اقتصادياً بالإضافة للأبعاد الأخرى

 

وأما اجتماعياً فكان الحجاب بوضعية معينة أو بربطة معينة يدل على الانتماء لطبقة اجتماعية غالباً ماتكون من طبقة الدخل المتوسط في المجتمع، كما أن علاقات المصاهرة بين العائلات كانت تأخذ شكل الحجاب ولونه كدلالة على المكانة الاجتماعية للعائلة، فحمل الحجاب بعداً اجتماعياً بالإضافة للمعاني التي يحملها،

أضيفت كل تلك العوامل للعامل الأساسي للحجاب وهو المرجعية الدينية، والتي لاخلاف فيها عن أمر القرآن الكريم للمرأة بالتستر والاحتشام، وتم تفسير الآيات الكريمة ونصوص الحديث الشريف وفق العوامل المؤثرة المذكورة سابقاً والتي ولّدت شكل الحجاب الحالي!

ونصل إلى نقطة مهمة، كيف يمكن  لأحد من "النشطاء" أن يزعم سعيه لتحرير المرأة العربية والمسلمة، من خلال نزع حجابها، وذلك بمعزل عن كل الظروف المحيطة المذكورة أعلاه!

فالوضع الاقتصادي للأسوأ، والاجتماعي للأسوأ، والسياسي للأسوأ، وإن كان للحجاب بعدٌ اقتصادي أو سياسي بالأمس، فحجم هذا البعد تضاعف عشرات المرات إبان الربيع العربي، ومن ثم يتم نقاش موضوع الحجاب من خلال زاوية ضيقة جداً بهدف الوصول لنتيجة سريعة وحاسمة

 

إن دعوات كهذه خاصة الموجهة للنساء في بلادنا لا تعدو كونها سحابة صيف، خالية من المنطق، وخالية من دراسة موضوعية وتحليلية للظروف المحيطة، بل وتحمل في طياتها السؤال التالي: هل تهدف حقاً لتحرير المرأة في بلادنا؟ بلادنا التي يحتاج الرجل للتحرير فيها كذلك!

وهل ياترى لو خلعت العاملات على خطوط الإنتاج في المعامل حجابهن، وبقين يعملن لعشرة ساعات يومياً دون رعاية صحية أو تعويض نهاية خدمة أو تأمين تعليم مقبول لأولادهن أو ضمان راتب تقاعدي لهن سيكون خطوة "تحررية" في المجتمع!

 

علِّق

المنشورات: 4
القراءات: 42572