No votes yet
عدد القراءات: 2377

التوجه التركي الجديد المعادي لأمريكا - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Editorial Board
تاريخ النشر: 
8 آب (اغسطس), 2016
اللغة الأصلية: 

بعد الصدمة التي تعرضت لها جراء محاولة الانقلاب الفاشلة، تبدو الحكومة التركية يائسة في بحثها عن جهة تلقي باللوم عليها. فبدل أن تشرع بفتح تحقيق شامل في حقيقة ما جرى، عمدت السلطات التركية إلى اتهام الولايات المتحدة بالتواطؤ مع الانقلابيين مما أدى إلى إشعال موجة من العداء لأمريكا تزامنت مع حملة قمع عنيفة شنتها السلطات بحق أعداءها الواقعيين والمُفترضين مما أدى لخلق مخاطر حقيقية لحلف الناتو والعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، واستقرار البلاد على المدى البعيد.
ويرى الرئيس أردوغان وعدد من القادة الأتراك أن المتهم الرئيسي الذي يقف وراء انقلاب الخامس عشر من تموز إنما هو الداعية الإسلامي " عبد الله غولن" والذي يعيش في منفاه الاختياري في ولاية "بنسلفانيا" الأمريكية منذ العام 1999. وبدوره  نفى "غولن" أي علاقة له بمحاولة الإطاحة بحكم أردوغان. بيد أن أصابع اتهام الإعلام المؤيد للحكومة، والقادة السياسيين والمواطنين الأتراك من مختلف فئات الشعب، تشير كلها إلى واشنطن التي كانت قد نفت تورطها هي الأخرى.

الجدير بالذكر أنه وأمام مؤتمر للأمن عُقِدَ الأسبوع الماضي،عَبَرَ الجنرال " جوزيف فوتل" قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط عن مخاوفه من تداعيات عملية التطهير على الضباط الأتراك الذين عَمِلَ بعضهم مع الأمريكيين وهم الآن يقبعون في السجن. وبدوره، انتقد السيد أردوغان الجنرال "فوتل" لانحيازه إلى جانب مُدَبِري محاولة الانقلاب. وخلال كلمة ألقاها يوم الثلاثاء، تحدث السيد أردوغان عن ذات الموضوع  قائلاً : " الغرب يدعم الإرهاب بوقوفِه مع الانقلابيين"

وفي هذه الأثناء، اتهمت صحيفة "يني شفق" التركية المقربة من الحكومة كلاً من الجنرال في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية  "جون كامبل" وهو قائد سابق لحلف الناتو في أفغانستان، و"هنري باركي" مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز Woodrow Wilson" " بالوقوف وراء محاولة التمرد. و تَعرض الصحيفة الدليل ضد السيد "باركي" وتقول أنه تزامناً مع الانقلاب، كان الأخير يعقد ورشة عمل  لشخصيات أكاديمية في إحدى الجزر القريبة من اسطنبول. ووصفت الصحيفة هذه الورشة بـ "الاجتماع السري"  وتابعت أن "باركي" أجرى عدة اتصالات هاتفية (وهو نشاط ليس مثيراً للشكوك بأي حال). كما أوردت الصحيفة خبراً  يَدَعي أن الولايات المتحدة حاولت اغتيال أردوغان في تلك الليلة.

من غير المُقنع أن تحاول الولايات المتحدة زعزعة استقرار أحد حلفاءها في الناتو والذي يتعاون بشكل حاسم في موضوع أمن هذا الحلف ناهيك عن دوره في محاربة تنظيم الدولة، لا سيما وأن الفوضى تَعم معظم دول المنطقة.

وفي الوقت الذي يُفهَمُ فيه شعور الأتراك بالصدمة جراء محاولة الانقلاب التي يقول السيد أردوغان أنها أودت بحياة 273 شخصاً، إلا أنهم يلعبون لعبة منافقة ووصولية، حيث انتقد السيد أردوغان الدول الغربية لعدم إدانتها الصارمة لمحاولة الانقلاب، بيد أن شَكواهُ الفعلية كانت أن الغرب أطلق تحذيراتٍ من استغلال أردوغان للأزمة لطرد حوالي 66 ألف شخص من الجيش و الوزارات  والمدارس والجامعات . وهذا بعيد كل البعد عن ما يمكن تبريره وهو استخدام مفرط للقوة لدرجة إحداث تغييرات جذرية في طبيعة واختصاص هذه المؤسسات.

هذا ويفترض المسؤولون الأمريكيون ولسببٍ وجيه أن السيد أردوغان يُصَعِدُ من انتقاداته للضغط على واشنطن لجعلها تمتثل لمطلبه بتسليم "السيد غولن" الحليف السابق لأردوغان والذي كان قد انشق عنه قبل سنوات قليلة. ويُذكرُ أن تركيا قدمت الوثائق الإدارية الخاصة بهذا الشأن، إلا أنها لم تطلب تسليمه إليها رسمياً بعد.  ولغاية الآن، لا يرى الأمريكيين أيَ دليلٍ على أن السيد "غولن" ضالعُ في محاولة الانقلاب في تركيا.

إن على الأتراك أن يَعُوا أنه من حق  السيد "غولن" الإقامة بصورة شرعية في الولايات المتحدة، هذا ويتعين على وزارة العدل الأمريكية المُضي بعملية صارمة قبل اتخاذ قرارها بتسليمه لا سيما لبلد لا تبدو الكلمة فيه للإجراءات القانونية وإنما للتعذيب الذي يُمارَس ضد المعتقلين.

و تَكمُنُ مهمة تركيا في سبرِ غور من رَتَبَ محاولة الانقلاب ومعرفة الأسباب التي دفعته للقيام بذلك، بيد أن هذا يتطلب تنحية نظريات المؤامرة جانباً لصالح جمع الحقائق الغير منحاز.

على صعيد آخر، تشير التوقعات في واشنطن إلى أن التوتر الحاصل بخصوص السيد "غولن" سيزداد سوءً وقد يقرب المسافة سياسياً بين الأتراك والروس. ويقول مسئولين أمريكيين أن الأتراك قدموا  تأكيدات خاصة للجنرال " جوزيف دنفورد" رئيس هيئة الأركان الأمريكية لدى زيارته أنقرة يوم الاثنين بأنهم ماضون قُدُماُ في التعاون لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، بيد أن هذه التأكيدات هي قيد التعليق لغاية الآن.

ويواجه كلاً من حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية مشكلةَ على المدى البعيد، وهي كيف يتصرفون مع حليف محوري ينحرف بعيداً عن الأعراف الديمقراطية ؟. يقول الأمريكيين أنهم شَرعوا بدراسة خياراتٍ من بينها إمكانية أن يتخذ حلف الناتو قراراً  بنوع العواقب الغير محددة لغاية الآن لأي سلوك غير ديمقراطي قد يبدر عن تركيا.

إن مجرد ذِكرِ أي خطة قد يتخذها الناتو بحق تركيا، من شأنه إغضاب السيد أردوغان. في الوقت ذاته، من الصعب علينا رؤية كيف يمكن لتركيا أن تكون حليفاً موثوقاً في ظل احتضانها مبادئ وممارسات مغايرة لسلوك الغرب، أو كيف تضمن دوامَ أمنها وتنميتها من دون اتخاذ حلف الناتو ملاذَ لها.

 

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 721800

مقالات المترجم