عدد القراءات: 36870

التكفير ... في فقه الحشد الشعبي الطائفي

 

كتبت قبل أسابيع نصاً في خطاب التكفير عند ابن تيمية ونقلت عنه 428 مرة أفتى فيها بعبارة يستتاب وإلا قتل، وقد حظي المقال باهتمام كبير، ولم يكن هجوماً شخصيا على ابن تيمية بقدر ما كان هجوماً على لغة التكفير التي نرويها دون أن ندرك أبعادها ومفاعيلها في حياة الناس، وأعتقد ان هذا اللون من الدراسات يساعدنا على إدراك مخاطر التورط في هدر الدم الذي مارسه كثير من المشاهير خلال التاريخ في ظروف مختلفة.

وأجد من الوفاء للبحث العلمي أن أتوجه إلى الجانب الآخر من التكفير الذي يمارسه الفقه الشيعي خاصة أنه يعيش اليوم ازدهاراً لئيماً عبر ميليشيات الحشد الشعبي التي ثبت أنها اعتمدت على أقسى ما رواه فقهاء الشيعة من فتاوى التكفير في حق خصومهم، وأصبح من الطبيعي تماماً أن نرى آثار هذه الفتاوى اللئيمة في سلوك البلطجية الذين خرجوا يقاتلون داعش السنة بخطاب داعشي شيعي، لا يختلف في مضمونه وتفاصيله عن الخطاب الذي يزعمون أنهم يحاربون.


وليست غاية هذا البحث دمغ الشيعة بالتكفير وتبرئة السنة، ولا العكس، بل المقصود أن في الفريقين من يعمل على إنتاج فتاوى التكفير والترويج لها، وان أشرف نضال يقوم به من يجب هذا الدين هو مواجهة ثقافة التكفير سنية او شيعية والدعوة لإحياء ثقافة الإخاء والرحمة والتسامح التي تطفح بها كتبالإسلام الأولى.


والتكفير في الجانب الشيعي أشد ضراوة، وقد عزفت زمناً عن الكتابة في ذلك واعتقدت أن أئمة الشيعة وفقهاءهم أولى بمواجهة هذا اللون من التفكير، ولكنني اليوم أشعر بالأسى أن الدورالذي قام به فقهاء الشيعة كان محدوداً جداً وضعيفا جدا وغير مؤثر، وباستثناء اصوات من هنا وهناك كالشيخ علي الأمين والمرحوم هاني فحص والمرجع الصرخي والعلامة اللبناني محمد علي الحسيني والمفكر عبد الكريم سروش والباحث زكي ميلاد فإن الموقف الشيعي ظل في غالبه يتبنى تكفير النواصب، وهي العبارة التي توفر المبرر الفقهي لممارسة الانتقام من كل معارض سياسي لولاية الفقهيه..
ولست هنا في وارد التحليل السياسي وأهداف هذه الكتائب القادمة من الآفاق، ولكن أصبح من المؤكد أن شكل التطوع والاقدام والتجنيد الذي يتم بين الشيعة الفقراء خصوصا لخوض الحرب في سوريا يعتمد بشكل كبير على الفتاوى الطائفية التكفيرية.
وتماماً كما يقوم المتطرفون السنة بتحييد فقه التسامح والتراحم واستحضار فقه القسوة والشدة فإن هذا الدور نفسه يمارسه تجار الحرب من الشيعة الذين يطفئون عن عمد نصوص التسامح والرحمة التي تمتلئ بها كتب الشيعة على لسان أمير المؤمنين والحسنين والأئمة الصادق والباقر والكاظم وزين العابدين، وتعيد الترويج لفتاوى الحقد الأسود التي استهلكتها الحروب الأولى ويعيدونها اليوم جذعة لإنتاح موت جديد.


وسأتولى في هذه الدراسة كتاب الشيخ المجلسي صاحب بحار الأنوار وهو أكبر كتاب في التراث الشيعي وفي الوقت إياه أيضاً هو أشد كتب القوم انتشاراً اليوم في الحسينيات والمراقد والمشاهد ولم يكن كذلك قبل عدة عقود، وقد كتبه الشيخ باقر المجلسي في إيران في عهد الدولة الصفوية 1680 م
وأذكر جيداً أن الشيخ الجليل المجدد المرحوم آية الله منتظري أهدى الشيخ كفتارو نسخة من هذا الكتاب وقال له بالحرف ستجد فيه ما لا يسرك، ولا يمكنني الدفاع عنه، وأرجو أن نتعاون معاً في تنقية ما علق بهذا التراث من غبار.
وعلمت فيما بعد أن الحكومة الإيرانية منعت طباعة الأجزاء 29-31 من الكتاب لتضمنها إساءات بليغة للخلفاء الكرام وللسيدة عائشة وقد شن ياسر الحبيب المعروف بتعصبه الشديد وحقده على الصحابة والسنة هجوما عنيفا على حكومة ايران لمنعها هذه المجلدات.

 

ونصوص التكفير في بحار الأنوار عموماً تجمع دوما بين قتال المشركين والكفار والنواصب، والنواصب هم من ناصب علياً وأهل بيته العداء، ويصرح مراجع الشيعة اليوم بأن المقصود بهم اليوم هم الوهابية وحلفاؤهم من المتشددين المعادين للطموح الشيعي، ولكن هذا الوصف ينسحب في نصوص الكتب الرئيسية إلى أن السنة هم النواصب، وذلك حين رضوا خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وهي تعني اغتصاب حق أمير المؤمنين علي، وهكذا فإن رأس الناصبة عندهم أبو بكر وعمر، كما أتى وصفهما في معظم كتب التفاسير بالجبت والطاغوت.

أما الأسباب الموجبة لقتال الكفار فيمكن التماسها في كتب التفسير الشيعي، بشكل خاص عند الآيات التي تأمر بالجهاد وتحض عليه، وهم في ذلك لا يختلفون عن السنة في التأويل، وتتشابه الروايات والفهوم للآيات التي أمرت بقتال المشركين وأخذ الجزية منهم، وزاد الشيعة على الحكم بقتال الكفار الحكم أيضاً بنجاستهم نجاسة حسية، فبينما ذهب السنة إلى تأويل آية التوبة: انما الشركون نجس، بالنجاسة المعنوية فإن عموم الشيعة ذهبوا إلى أن نجاسة المشركين نجاسة حسية، وأنه يجب غسل موضع الملاقاة وجوباً إذا كان اللامس رطبا  بعد مصافحتهم ومجالستهم. وإن كان يابسآ رشّ الثوب بالماء استحبابآ1
ونقل العاملي الاجماع على نجاستهم في الجملة لنصّ الآية الشريفة، (يا ايها الذين آمنوا إنما المشركون نجس) وقال: وإن كان العامّة يتأوّلونها (أي النجاسة) بالحكميّة، وفي الغنية : أنّ كلّ من قال بنجاسة المشرك قال بنجاسة غيره من الكفّار، وفي حاشية المدارك: أنّ الحكم بالنجاسة (على المشركين) شعار الشيعة2
وفي فنوى الكركي صاحب المقاصد: الكافر سواء كان أصليآ أو مرتدّآ وسواء إنتمى إلى الإسلام كالخوارج والغلاة .... والنواصب .. نجسون حساً ومعنى، وربما تردد بعضهم في نجاسة القسم الثاني ، والأصحّ نجاسة الجميع3 .

 

وتمضي تأويلات الشيعة لآيات الجهاد في كتب التفاسير بأنها موجهة ضد النواصب من أهل السنة، وأنهم هدف مشروع للجهاد، حيث لا يقبل من النواصب إلا التوبة أو القتل.
وفي بحار الأنوار نقرا ما يلي:
"والثاني في جواز قتلهم واستباحة أموالهم، قد عرفت أن أكثر الأصحاب ذكروا للناصبي ذلك المعنى الخاص في باب الطهارة والنجاسات وحكمه عندهم كالكافر الحربي في أكثر الأحكام، وأما على ما ذكرناه له من التفسير فيكون الحكم شاملا كما عرفت" .
وقال الصدوق: قلت لأبي عبد الله الامام الحسين عليه السلام، ما تقول في الناصب؟  قال : حلال الدم لكني أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطا أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد به عليك فافعل، قلت: فما ترى في ماله ؟ قال خذه ما قدرت" 4  .

وفي الأنوار النعمانية أن حكم النواصب  أنـهم كفار أنجاس بإجماع علماء الشيعة الإمامية، وإنـهم شر من اليهود والنصارى، وإن من علامات الناصبي تقديم غير علي عليه في الإمامة 5
عن ابي عبد الله الحسين قال :{ ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت لانك لاتجد رجلا يقول انا ابغض محمدا وآل محمد ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم انكم تتولون وتتبرؤن من عدونا وانكم من شيعتنا} وعن محمد بن احمد قال: كتبت الى ابي الحسن اساله عن الناصب هل احتاج في امتحانه الى اكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد امامتهما فرجع الجواب من كان على هذا فهو ناصب 6
ولعل آخر تجليات هذا اللون من الجهاد فتوى السيستاني بالجهاد ضد التكفيريين النواصب، والمقصود بهم تنظيم داعش، وقد انطلقت حملة هائلة من تجنيد الشيعة للقتال ضد النواصب تحت عنوان لبيك يا حسين، وقد اتخذت الحملة طابعاً طائفياً واضحا، ثم تم تغيير الاسم إلى لبيك يا عراق، ولكن ممارسات الحشد الشعبي لا تزال طائفية واضحة.
ومع أن هذه الخلفيات واضحة في سلوك المقاتلين الشيعة ولكنها بالطبع ليست الخطاب الرسمي للنظام الايراني ولا العراقي، حيث يستخدم النظامان لغة دبلوماسية دقيقة، في حين لا يمكن إخفاء الروح الطائفية المتصاعدة في خطاب المحاربين الشيعة، خاصة أولئك الذين انخرطوا في القتال ضد النواصب بدعوة مباشرة من السيستاني وذخيرة مريرة من كتب التراث.

 

إننا نقدم هذه القراءات للجيل الجديد من السنة والشيعة على السواء لنقول لهم إننا جميعاً مستباحون في خيارنا الثقافي وان التراث هنا وهناك منجم طافح بكل شيء فيه خطاب المحبة وخطاب الكراهية وخطاب الجماعة وخطاب الشقاق، وأن علينا أن نمارس الانتقاء البصير، ولا توجد طريقة أخرى للتعامل مع التاريخ تحترم بها عقلك إلا الانتقاء من هذه النصوص المتناقضة، وانتقاء الرجل قطعة من عقله، ورحم الله امرأ نشر المليح وستر القبيح، وقل لي ماذا تنتقي أقل لك من أنت.

الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.

---------------

الهوامش

1- الحلي، حسن بن يوسف بن المطهر، المعتبر، ص122
2- العاملي، السيد محمد جواد، مفتاح الكرامة ج1 ص142 

3- الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد في شرح القواعد، ج1 ص64
4- وسائل الشيعة 18/463، بحار الأنوار للمجلسي 27/ 231.
5- الأنوار النعمانية ج2 ص 206
6- وردت هذه العبارة في 14 مصدراً من كتب الشيعة المعتمدة، وأهمها الحدائق الناضرة للمحقق يوسف البحراني ج5 ص 186  ومستطرفات السرائر لابن ادريس الحلي  وبحار الأنوار لمحمد باقر المجلسي ج 69  

 

 

التعليقات

اولاً انتشار كتاب بحار الانوار في الحسينيات والمشاهد كلام مضحك حتى الحوزات لا تدرس الكتاب إلا في مراحل معينه ، هو كتاب حديثي لا علاقة له بالفتوى ، ثانياً الفتوى عندنا لها مراجع تقليد احياء مجتهدون ولا يوجد من يقلد المجلسي والسابقون على فرض فتاوى صدروها ، أين فتاوى مراجع الشيعة التي تأمر بالتفجير والقتل على الهوية والعقيدة ؟ ! فتوى السيد السيستاني كانت واضحة الدفاع ولم يخص بها الشيعة بل كل العراقيين وبدليل مشاركة الكل في محاربة داعش واخواتها . محاولة تبرير ارهاب وكتب تنطق بالارهاب لن تجدي بهذه الطريقة . الشيعة بمقدروهم تفجير وقتل الوهابية في الحجاز بنفس اسلوبهم وفي البحرين وغيرها وهم قادرون ولديهم كل الشجاعة لفعل هذا ما يمنعهم هو الشريعة المحمدية العلوية و وعي و ورع قادتهم ومراجعهم . ولا يوجد من انكر وجود ما يسيء الي تراثنا ولكن الحشد والمقاومة لم يحركها التراث أو انتقام بل دفاع شرعي ضد المعتدي ولا اعلم ماذا تريدون أن نفعل نترك هؤلاء حتى لا نتهم بأننا طائفين وهل تريدون منا ترك شعارات الحسين حتى لا نتهم اننا طائفيين وهل لبيك يا حسين شعار طائفي الستم توالون الحسين وتحبون الحسين اليس الحسين بن رسولكم ولكل المسلمين لماذا تعتبرون ذكره شعار طائفي !!! مقال تغطيه وترضيه لاتباع بن تيمية والبلد المضيف وشكراً

نحن وانتم وهؤلاء وهم ان اقول لا اله الا الله محمد رسول الله ...... غير مقتنع بشئ غير مرتبط بشئ لا اعرف الفقية ولا اريد ان اعرف ابن تيمية .... اقراء القراءن بقلبي لانني سأحاسب علي فهمي وايماني وليس علي فهم وايمان الفقية او ابن تيمية ... القران ملئ بكلام يخترق القلب والوجدان ملئ بحب الله للعباد وحب العباد لله .... لكن تركنا هذا الحب وفضلنا نحن وانتم وهؤلاء..... اللهم امتني علي الاسلام الصحيح الذي عرفتة من كتابك ... اللهم امتني علي حبك وعبادتك .... اللهم اهدني الي صحيح دينك ففانا احبك ولا ابغي سوي حبك يا ارحم الراحمين...

علِّق