عدد القراءات: 3341

التغيير قد يبدأ بفكرة

لقد عصفت الأحداث بالسوريين وهبّت بهم رياح الألم و العذاب كما لم يحدث إلا لقلة قليلة من شعوب الأرض عبر التاريخ، لا داعي للاستزادة والغوص في وصف المآساة السورية فدفئ الدم ما يزال على وجوهنا وصوره صارت على الشاشات وفي أروقة الأمم.

راهنية اللحظة قاسية للغاية إذا ما نظرنا إليها بمعزل عن حركة التاريخ ومسيرة حياة الشعوب.... صحيح أننا ذقناه بأقسى درجاته، لكن أبداً لا يبنى مستقبل الشعوب على مجرد احساسها بشرعية الألم .... عندما خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية كانت قد فقدت 7 ملايين انسان وخسرت 55% من ذكورها ولحقت الإعاقة بـ 28 % من الباقين، وسويت مدن كثيرة منها بالأرض ودمرت عاصمتها....انتهت الحرب فعلياً في صيف العام 1945 على واقع كارثي أصاب المجتمع والاقتصاد الألماني الذي لم يلبث أن قسّم أيضاً في دولتين، وفي العام 1947 كانت ألمانيا الغربية قد بدأت بالعودة بمجرد فكرة آمنت بها النساء الألمانيات اللائي رفعن شعار (لا تفقدوا الأمل، نحن شعب قوي، نحن أفضل شعوب الدنيا) ثم جاء ألماني آخر هو "لودفيج إرهارد" و الملقب بمعجزة الاقتصاد الألماني ليؤطر هذا الحماس والإيمان والإصرار ضمن بنية صناعية واقتصادية تنموية فعالة جعلت ألمانيا تحوز بعد ثلاثين عاماً (1975) على المركز الثالث على مستوى العالم في معدل التنمية.
من الدروس الهامة التي تستقى من التجربة الألمانية هو حفاظ الألمان على جذوة الأمل في نفوسهم، وبهذه الطريقة  كانوا يحمِّسون أنفسهم للعمل والبناء..... لقد كان المحرك الأساسي لهم  إيمان شديد راسخ بأنهم أحسن شعب في الدنيا، وكانت هذه مجرد فكرة لا تدور سوى في رؤوسهم وتثير سخرية الآخرين.

أمر آخر يمكن الاستفادة منه في هذه التجربة هو تقبل الألمان الغربيين لنظرائهم الشرقيين وإدماجهم في المجتمع الجديد بعد هدم جدار برلين في 9 نوفمبر 1989 ، لقد كان هذا من أفضل الدروس حول ماذا يمكن أن تقدم وحدة المصير للشعوب، فقد كان الألمان الشرقيون متخلفين معدمين وكانت طبقة كبيرة منهم معادية لنظرائهم الغربيين، ليس كفكر عامة فقط، بل إنهم مارسوا ذلك ضمن أجهزة ألمانيا الشرقية العميلة للسوفيات، فقد تجند عشرات الألوف منهم في أجهزة القمع تلك وقتلوا الآلاف من مواطنيهم، و تآمروا على نظرائهم الغربيين تآمر الخصم على عدوه، ومن يقرأ ما كتب عن إرشيف جهاز المخابرات الشرقي السري المسمى (شتازي) سينبهر كيف استطاع الألمان الالتئام فيما بعد.
الآن، و رغم أن كثيرين- وأنا منهم- يحملون الاعتقاد القائل بأن السوريين ليسوا الألمان بالضرورة، إلا أن تقاطعات القصة كثيرة جداً وتتطابق في كثير من المواضع، الدمار والألم، الانقسام، تآمر جزء من الشعب على الآخر، ثم النهوض والأمل...لكن يبقى الجزأ الأخير وهو الأهم، كسر جدار الكراهية والخوف وإعادة اللحمة والانطلاق وهذه هي النهاية التي يجب أن نسعى إليها جميعاً بعد أن يلقى كل المجرمون مصيرهم العادل، سيما وأن بقية عناصر القصة مكتملة، فلجهة الألم فالتطابق واقع، ولجهة الأمل والعمل ورغم كل ما حل بالسوريين الآن من فرقة إلا أننا لا نستطيع أن ننسى كيف هبّوا بكل أمل وثقة لنصرة بعضهم في العام 2011، كيف ساهمت السويداء الدرزية بفك الحصار الغذائي عن درعا السنيّة، وكيف فعلت السلمية الاسماعيلية الشيء نفسه مع حماه، لم يكن دافع ذلك طائفي كما نضطر لوصفه هنا، بل محض وطني، لن ننسى الشباب السوري؛ طلاب الطب الذين تركوا جامعاتهم والتحقوا بالمشافي الميدانية، رجال الأعمال الذين مولوا السلل الغذائية، الشباب النشطاء الذي حملوا أكفهم على أرواحهم لنقل صورة ما يحدث للخارج، المغتربون الذين هبوا لنجده أهلهم بأعز ما يملكون..... في الحقيقة لقد تمكّن النظام السوري منا ليس لأنه يملك أسلحة فقط، بل لأنه استطاع تفريق هذا الجمع الوطني وفرزه في كانتونات طائفية ومناطقية وطبقية، ومن هنا يجب أن نبدأ؛ إعادة الدولاب إلى السكّة من جديد.
أسوق كل ما سبق لأصل إلى ما أريد قوله هنا؛ إن الشعوب تقع وتتألم بدون خيار منها في غالب الأحيان، لكنها تستطيع النهوض فقط  بخيارها هي.
هذا المشروع المتواضع الذي نضعه بين أيديكم الآن ينظر بهذه الشمولية للموضوع، ليس لأنه يدعي أنه بحجم هذه التحديات وقادر على حلها، لكن لأنه يؤسس لخطوة ولو صغيرة على هذا الطريق، أن يعاد جمع الروح الوطنية للسوريين، مترافقاً ذلك بمراجعة شاملة واستفادة من الدروس، انتهاءً بالبدأ بالعمل... سيهزء كثيرون من هذا الجهد وهم معذورون لأنهم واقعون تحت الألم اللحظي، ولا يمكنهم تخيل أي مستقبل طالما النظام السوري موجود.... لكن لا بد أن نؤمن أن مستقبل الشعب السوري العظيم لا يجب أن يقف عند شخص مهما كانت سلطته وتأثيره فلقد مرّ كثيرون من قبله...الأشخاص إلى زوال في النهاية لكن الشعوب هي الباقية والمستمرة، ولا بد من استشراف المستقبل السوري ما بعد سقوط هذا النظام المجرم، فلحظة الحقيقة ستحين، ولن ننتظر لنجد أنفسنا أمام مفاجأة أو أحجية تجعلنا نطيح بما تبقى لدينا من أمل بالمستقبل.
شعار السوري الجديد هو (مشروع وعي وتغيير):
الوعي؛
لأننا بحاجة لذلك لفهم ما يجري من حولنا الآن، وكذلك ما جرى في السابق خلال تاريخنا، وصولاً إلى نفطة الادراك والمعرفة التي نستطيع منها الانطلاق نحو ايجاد الحلول، وفي هذا الإطار فإن المشروع يحاول تقديم المعلومات التي يجب أن يعرفها السوريون بالضرورة ليبنوا قناعاتهم ومواقفهم على معلومات وليس انطباعات، يوجد في الموقع قسم متخصص بشرح السياسات الدولية وآخر لترجمة ما ينشر حول القضية السورية من 5 لغات حية، وقسم متخصص بالماضي السوري يشرح بدايات تكون المجتمع والهوية السورية من فجر التاريخ مروراً بالقرن العشرين وانتهاء باليوم، كما يوجد قسم متخصص بنقاش الموضوعة الدينية تحت عنوان (دين ودنيا) يعيد التنقيب والبحث في الموروث الديني كأحد المحركات الأساسية لشعوبنا، بالإضافة لمكتبة الكترونية تضم كتباً منتخبة بعناية للمساهمة في الدفع بحركة الوعي هذه.
التغيير؛ لأنها المرحلة التالية للوعي ولتفعيل هذه الحالة وتحويلها إلى حركة حقيقية، وفي هذا الإطار لدينا قسم متخصص تحت عنوان (التغيير) يقدم رؤية على هذا الطريق بالإضافة لقسم (المستقبل السوري) الذي يتضمن آراءاً حول رؤية المستقبل السوري.
ليس لدينا الجرأة للقول على أننا قادرون على القيام بهذه المهمة الكبيرة، لكننا ندعي أننا نزرع بذرة في هذه الحديقة، ونراهن على السوريين الوطنيين أن يقفوا إلى جانبنا، وأن يكون مشروعنا سبباً لغيرة وتحفيز آخرين على تقديم شيء مشابه أو أكثر فائدة وأهمية، وحينها –ومع هذا الجو من الأمل والجهد- سنكون قادرين على كسر الجدران بيننا والعمل معاً لمستقبل سورية.
في النهاية لا لابد أن أشكر كل من تطوع للعمل في هذا المشروع، معنا حوالي 40 مترجماً وباحثاً وفناناً وكاتباً سورياً متخصصين في شتى المجالات ويقيمون كافة أصقاع الأرض، كثير منهم على مستوى تأهيل وخبرة دولية، وافقوا جميعاً على الانضمام لهذا الجهد بمجرد أنهم استشرفوا منه أملاً بفكر جديد، كما أشكر أيضاً أولئك الذين انضموا لنا من الداخل السوري من دمشق وحلب ودرعا والقنيطرة.
و المشروع مفتوح ويرحب بانضمام من يريد أن يشاركنا هذا الجهد.
كل المحبة

إياد شربجي

علِّق