عدد القراءات: 7631

التعايش لأنه ضرورة وليس خياراً


سوريا اليوم تمر في أزمه  مؤلمه، صادمة و مزعزعه أدت الى إحداث شرخ في النسيج الوطني والمذهبي والاجتماعي حيث تفسخ كل ما يجعل من سوريا بلداً واحداً بشعب واحد يجمعه تاريخ مشترك وتجارب وتطلعات مشتركه،  هذا الشرخ وصل اليوم الى لدرجه ما بعد نقطة الانهيار.... أخر الاحصاءت تشير الى أن قرابة الخمسين بالمئه من الشعب السوري في حالة نزوح و أكثر من مليونين و نصف مهجر في الخارج موزعين في البلدان المجاورة اللتي أصبحت هي أيضا تحت ضغط شديد وعرضة لخطر الانزلاق والانجرار في دوامة العنف و بشكل خاص العراق و لبنان حيث أمتدت الحرب  اليهما اليوم.

لذلك يتوجب على أي رؤيه جديده ومستقبليه لسوريا تسعى للحدّ من سفك الدماء وإحلال الاستقرار و إعاده إعمار البلاد، أن تكون قادره على تحديد قواسم مشتركه بين الأطراف المتنازعه و توفير الآليات اللازمة اللتي من شأنها أن تساعد السوريين للتوصل الى التوافق. و لعل من أبرز وأهم هذه القواسم المشتركه هويةٌ وطنيه جديدة. فالعمل على تطوير وتعزيز هذه الهويه الوطنيه الجديده سيجمع بين الأطراف و يشجع على التوافق و الاستقرار.  من شروط هذه الهوية الوطنية الجديده أن تكون ممثله في دولةٍ سورية لجميع السوريين تعالوا فوق الهويات العرقية و الطائفية والعشائرية و الاجتماعية، لأنه فقط تحت سقف هوية سورية جديدة كهذه تضمن المساواة و استقرار الدولة، قد يستطيع الشعب السوري اليوم أن يتوحد.

إن من أبرز التحديات لانشاء وتطوير هوية وطنية جديده بهذه الصفات فقدان أغلبيه المواطنين السوريين لأي مؤسساسات سياسية و فكرية قادرة أن تمثلهم في دولتهم الحديثة، و المؤسسات تلك القائمة حاليا عاجزة عن الاستجابة الحقيقية لاحتياجات الشعب السوري في المرحلة القادمه. و إصلاح هذه المؤسسات بحيث تصبح قادره على تطوير المواطنة و تعزيز التفاعلات الاستراتيجية والاقتصادية والثقافيه ضمن المجتمع  يحتاج أيضآ الى إصلاح سياسي و اجتماعي جذري. اصلاحٌ يأخذ بعين الاعتبار التباين الطبقي والاقتصادي و عدم التساوي على أرض الواقع بين مكونات المجتمع السوري المختلفة، و يطوّر بالمقابل منظومة سياسية تمثل المكونات العرقية و الطائفية و الاجتماعية بطريقة عادلة.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو كيف يمكن تحقيق هذه الرؤية الجديدة لسوريا جديدة.  عمليه تطوير هذه الرؤيه يجب أن يتم تحقيقها من قبل السوريين بذاتهم من خلال تعزيز روح الوحدة الوطنية بين مختلف مكونات المجتمع السوري المتنوع وبناء توافق وطني حول القيم والمبادئ الأساسية للأمة بالإضافة إلى العمل على عقد اجتماعي جديد بين الدولة والشعب. و لا يمكن تحقيق ذلك من دون العمل بجهد على خلق الثقة المتبادلة بين المجتمع ككل وكافة مكوناته الاجتماعية الصغرى والكبرى. و يبدأ العمل على بناء هذه الثقه من خلال التأسيس لسورية كدولة مدنية تحفظ فيها حقوق وحريات كافة المواطنين والمساواة بين جميع الأفراد أمام الدولة على أساس المواطنة بغض النظر عن دين الفرد أو طائفته أو جنسه أو قوميته، مواطنون لهم الحق بالمشاركة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وإدارة اقتصادية تضمن العدالة الاجتماعية، والتطوير الإنساني، والتنمية المستدامة، وحماية الثروات الوطنية.

لكن رغم كل هذه التحديات لا بد من الإشارة إلى أن الهوية الوطنية حتى عندما تم تعزيزها بشكل غير متساوي عبر العقود الأربع الماضيه فلقد أثبتت قوتها عند الكثير من السوررين. و لعل سبب ذلك هو مرونه مفهوم الهوية الوطنية وقدرتها على التعايش و التنافس مع الهويات العرقية والطائفية والعشائرية الأخرى طيلة هذه الفترة. و ذلك يدعوا للتفاؤل؛ أنه هناك أمل بالإمكان اعادة تثبيت و تأكيد هوية وطنية جديدة بالمواصفات والمفاهيم المذكوره أعلاه في الفترة القادمة. انما يجب التأكيد أيضا أن البديل عن تطوير و تعزيز هذه هوية وطنية جديده كقاسم مشترك تجمع مكونات المجتمع السوري المختلفه حولها وتكون المحرك لاصلاح سياسي و اجتماعي، جذري هو الانهيار الكامل للدولة، عقود من عدم الاستقرار و حروب أهليه مستدامه... لذا يجب أخذ الموضوع بكل جدية ومسؤولية.
 

علِّق