عدد القراءات: 3622

التحدي والاستجابة وعقم المحاولة الأولى- 2


 5   لا يمكن متابعة رموز الاستجابة للتحدي كلهم ولكنا نذكر أهمهم بانتظار العودة لهم في مجال آخر وهم شيوخ أزهريون تسلّم بعضهم مشيخة الأزهر وساهم في تطويره نذكرهم على التسلسل الذي يتطلب الشرح الوافي عنهم وهم
الشيخ حسن العطار ـــ الشيخ عياد الطنطاوي  ــــ الشيخ حسين المرصفي
ويبقى الأشهر بينهم رفاعة الطهطاوي الذي تحمل عبء الاستجابة للتحدي القادم من الغرب بشكل أوضح من غيره وترك مدرسة التجديد من بعده تواجه العقبات:
يذهب رفاعة إلى باريس ويعود ليخوض معركة التجديد في زمن بالغ الصعوبة وتخيم عليه غيوم التخلف الفكري والانصياع لخرافات وأكاذيب فرضت نفسها على العقول باعتبارها الدين ذاته وهي أبعد ما تكون عن الدين . وكانت قضية الأرض هل هي كرة أم مسطحة؟ وهل تدور أم لا؟ ويراوغ رفاعة قائلاً:

"قال البعض أن القول بدوران الأرض واستدارتها لا يخالف ما ورد فى الكتب السماوية ، وذلك لأن الكتب السماوية قد ذكرت هذه الأشياء في معرض وعظ ونحوه، جرياً على ما يظهر للعامة لا تدقيقاً فلسفياً ، مثل ما ورد فى الشرع أن الله تعالى أوقف الشمس ، فالمراد هنا تأخير غيابها عن الأعين وهذا يحصل بتوقيف دوران الأرض، وإنما أوقع الله الوقوف على الشمس لأنها هى التي يظهر فى الأعين سيرها" [د. عبد اللطيف حمزة – أبطال الدفاع عن اللغة العربية – مقال مجلة الثقافة – عدد يوليو 1965]

والحقيقة أن هذا الموضوع كان مثار تشبث شديد سواء من رجال الدين المسيحى أو الاسلامى وكان تأكيدهم أن الكتب السماوية أكدت أن الأرض مسطحة ولا تتحرك، لكن رفاعة امتلك رأياً آخر ووجد لنفسه مخرجاً للتعبير عنه.

 

فإذا كان قد اضطر إلى شطب العبارة السابقة والخاصة بوقف دوران الأرض بعد أن أوردها في مسودة كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" فإنه جازف وكتب :

"وقعت محاورة بين العلامة الشيخ محمد المناعي التونسي المالكي المدرس بجامعة الزيتونة وبين المفتي العلامة الشيخ محمد البيرم المؤلف لعدة كتب في المنقول والمعقول، وله أيضاً تاريخ دولة بني عثمان، وجرت المحاورة حول كروية الأرض أو بسطها، البسط قال به المناعي والكروية للشيخ محمد البيرم، وممن قال من علماء المغرب أن الأرض مستديرة وأنها سائرة العلامة الشيخ مختار الكنتاوي بأرض أذوات بقرب بلاد تمبكتو وهو مؤلف مختصر في فقه مالك ضاهى به متن الخليل، وضاهى أيضاً ألفية إبن مالك، وله مؤلفات كثيرة، وألف كتاباً اسمه (النزهة) جمع فيه جملة علوم ، فذكر بالمناسبة علم الهيئة ، فتكلم عن كروية الأرض وعن سيرها ووضح ذلك ، فتلخص من كلامه أن الأرض كرة ولا يضير الاعتقاد بتحركها أو سكونها"  [الطهطاوي - تخليص الإبريز فى تلخيص باريز – صـ97] ..)


ولعل من حقنا أن نتأمل كتابه هذا المجدد الماكر فى الحديث عن كروية الأرض فهو يتحدث عن الشيخ العلامة محمد البيرم وعن العلامة الشيخ  الكنتاوي بما يشبه الإعجاب ويقدمهما للقارئ كعلماء أجلاء لهما أبحاث وكتب عديدة .
ومع ذلك فإن رفاعة لم يسلم عن الهجوم لا هو ولا البيرم ولا الكنتاوي ، فيرد في أدب بالغ على علماء الأزهر الذين هاجموه قائلاً :

"ولا تتوهم أن علماء الفرنسيس هم القسوس . فالقسوس علماء في الدين فقط ، وأما من يطلق عليه أسم العالم فهو من يمتلك معرفة فى العلوم العقلية التي من جملتها علم الأحكام والسياسات وعلم الهيئة" [الطهطاوي - تخليص الإبريز- صـ273،208] .. )
وهكذا كاد أن يقول لعلماء الأزهر .. / إن علماء الدين ليسوا علماء غير الاختصاص الديني فلا يتدخلوا فيما لايعنيهم وليتوقفوا عند فقه الحيض والنفاس فذلك اختصاصهم /

ويواصل رفاعة معركة التجديد فى فهم مقصود الشريعة مهتماً بقضايا ذات دلالة.. وأهمها التعليم فيقول "التعليم يجب أن يكون عاماً لجميع الناس يتمتع به الأغنياء والفقراء على السواء، فهو ضرورى لسائر الناس يحتاج إليه كل إنسان كاحتياجه إلى الخبز والماء" [الطهطاوى – تخليص الإبريز – صـ72]
وهذا ماصرح به التنويري طه حسين من بعد بأن العلم كالهواء لاغنى عنه للمصريين ، بل إن العلوم التيينكرها شيوخ الأزهر هي علوم إسلامية ، يقول :
"إن مدار سلوك جادة الرشاد والإصابة منوط بأولى الأمر فى هذه العاصبة [شيوخ الأزهر] التى ينبغى أن تضيف إلى ما يجب عليها من نشر بالسنة الشريفة ورفع أعلام الشريعة المنيفة، معرفة سائر المعارف البشرية المدنية التى سيما وأن هذه العلوم الحكمية العلمية التى يظهر الآن أنها أجنبية هى علوم إسلامية نقلها الأجانب إلى لغاتهم من الكتب العربية"  [مناهج الألباب المصرية فى مناهج الآداب العصرية – صـ 273]
والتعليم للبنات والبنين على السواء "فدخول البنات والغلمان واجب قانوناً فى جرمانيا وفى كل بلاد أوربا وهذا هو سر أن بلادهم من أقوى البلدان" [الطهطاوى- المرشد الأمين فى تعلين البنات والبنين – فصل بعنوان: فى تشريك البنات مع الصبيان فى التعليم وكسب العرفان – صـ66]
ومن قضية التعليم يتجه رفاعة وبجسارة إلى قضايا المرأة ويصرخ بصيحة تجديد تتحدى الجميع فيما يتعلق بمسألة الحجاب قائلاً:

"إن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتى من كشفهن أو سترهن، بل ينشأ ذلك من التربية الجيدة أو الخسيسة والتعود على محبة واحد دون غيره وعدم التشريك فى المحبة والالتآم بين الزوجين" [تخليص الإبريز- صـ305]
ثم يواصل تحديه بضرورة المساواة بين المرأة والرجل فيقول:

"فإذا أمعنا النظر فى هيئة المرأة والرجل فى أى وجه من الوجوه لم نجد إلا فرقاً يسيراً يظهر فى الذكورة والأنوثة وما يتعلق بها، ثم إن للمرأة بغض النظر عن تباين صفات أخرى تتميز بها عن الرجل" [المرشد الأمين – صـ35]
ولا شك أن شيوخ زمانه قد أغضبتهم هذه الكلمات، وخاصة فى موضوع الحجاب. ولكن رفاعة يأبى إلا أن يزيد من غضبهم مدافعاً عن حق المرأة فى العمل:

" فكل ما تطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن وهذا فى شأنه أن يشغل النساء عن بطالة، فإن فراغ أيديهن من العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل، وقلوبهن بالأهواء، وافتعال الأقاويل ذلك أن العمل يصون المرأة عما لا يليق بها، ويقربها من الفضيلة، فإن اليد الفارغة تسارع إلى الشر والقلب الفارغ يسارع إلى الإثم "  [تخليص الإبريز – صـ201]
ويمعن رفاعة فى تحديه للفكر المغلق والظلامى الذى ساد فاعتبر أن الفراعنة كانوا رمزاً للفكر، وأن التماثيل التى تركوها كانت لبشر سخطهم الله بسبب كفرهم، وصاح رفاعة "لم يكن فى الأمم مثل قدماء المصريين فى قوتهم وفى الركض فى ميادين الفخار" وأن آثارهم ثورة لمصر على مدى الأجيال.

لايمكن أن نرى قوة التحدي والاستجابة حتى نعرف كيف انتكست المفاهيم التجديدية وارتد السلفيون على أعقابهم تحت حجج واهية وبتأثير عقول واهنة في المواجهة الحضارية رغم قدرتها الفقهية وتعمقها في سبر أغوار التاريخ . إنها الدعوات المتأسلمة بواجهة الحداثة .
وهذا حديث آخر

علِّق