عدد القراءات: 3689

التحدي والاستجابة، وعقم المحاولة الأولى -3


ـــ 3 ـــ
القسم الثالث


الانقلابات على الاستجابة التنويرية صدرت من معاصرين لدعاة الإصلاح، ومازالت تتجدد وهي مستمرة، ولعل التعريض قد زاد على أيدي السلفيين الجدد وصار أكثر انتشارا .
من السلفيين الجديد نلتقط الفرق بين نظرتهم ونظرة الشيخ الطهطاوي إلى المرأة مثلاً، فنعود الى الكاتب مصطفى كريم  وما نشره بعنوان: رفاعة الطهطاوي ..البذرة الأولى لشجرة التغريب
يقول بعنوان لفقرة : جهود رفاعة الطهطاوي في مناهضة الشريعة
رائد الإصلاح والتنوير كما يطلق عليه مؤيدوه، كان الثغرة الأولى التي نفذ منها الغربيون إلى عالمنا الإسلامي، فكما يقول المستشرق "جب" :

"كانت المصادر الأولى التي أخذ الفكر الأوربي يشع منها هي المدارس المهنية التي أنشأها محمد علي، والبعثات العلمية التي أرسلها إلى أوربا ، ويذكر أن منها مدرسة الألسن التي كان يشرف عليها العالم "الفذُّ" رفاعة الطهطاوي، وهو تلميذ جومار ألبار"

ونلاحظ أنه وضع كلمة  الفذ  بين قوسين للإشارة إلى مدى ارتماء رفاعة في أحضان الغرب متبعا ذلك كونه تلميذ جومار ألبار .


أما ما يتعلق بإعجابه الهائل بزيف الحضارة الغربية، فيقول في كتابه خليص الإبريز في تلخيص باريز:

"والغالب أن الجلوس للنساء، ولا يجلس أحد من الرجال إلا إذا اكتفى النساء، وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس ولم يكن ثَمَّة كرسي خالٍ، قام لها رجل وأجلسها، ولا تقوم لها امرأة لتجلسها، فالأنثى دائمًا في هذه المجالس معظمة أكثر من الرجل، ثم إن الإنسان إذا دخل بيت صاحبه؛ فإنه يجب عليه أن يحيي صاحبة البيت قبل صاحبه ولو كبر مقامه ما أمكن، فدرجته بعد زوجته"

 

ويقول في وصفه لحال المراقص في باريس، ولا أدري ما حاجة الواعظ والإمام فضلاً عن غيره من المسلمين في دخول مثل تلك الأماكن:

"فالرقص في باريس دائمًا غير خارج عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر فإنه من خصوصيات النساء؛ لأنه لتهييج الشهوات، أما في باريس فإنه لا يُشم منه رائحة العهر أبدًا! وكل إنسان يعزم امرأة يرقص معها، فإذا فرغ الرقص عزمها آخر للرقصة الثانية، وهكذا، وسواء أكان يعرفها أو لا، وتفرح النساء بكثرة الراغبين في الرقص معهن"

ثم يسهب في وصف نوع الرقصات وشكلها؛ فيقول:

"وقد يقع في الرقص رقصة مخصوصة؛ بأن يرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه، وأغلب الأوقات يمسكها بيده"
ونحن نلحظ الجرأة في اقتحام المواقع لرصدها في حياة الغربيين، ولكن علينا أيضاً أن نقرأ ما أراده الشيخ رفاعة من نقل هذه الصور لتبيان مدى الأهمية التي تنالها المرأة في عالمهم وهو ماتفتقده النساء في عالمنا ) 

وهنا ( يتابع الكاتب مصطفى كريم ) يعلق الدكتور العفاني قائلاً :

"وهذا الكلام يوحي لقارئه بدلالات؛ نذكر منها اثنتين:
أن الأخلاق ليست مرتبطة بالدين، وهي فكرة انقدحت في ذهن الشيخ، لكنه لم يستطع أن يعبر عنها بجلاء، فها هو المجتمع يمارس ألوان الدياثة التي لا يرضاها الدين طبعًا، ولكنها مع ذلك ليست خارجة عن قوانين الحياء، ولا يُشم منها رائحة العهر، حتى قيل صراحة: إن الحجاب وسيلة لستر الفواحش، وأن التبرج دليل على الشرف والبراءة ، ومن ثَمَّ فلا علاقة بين الدين والأخلاق.
2- أن هذا المجتمع الديوث يكرم المرأة ويحترمها، وفي المقابل نرى المجتمع الإسلامي عنده يحافظ على العرض ولكنه يحتقر المرأة، ويصل إلى المفهوم الذي وجد في أوربا نفسه؛ وهو أن حقوق المرأة مرتبطة بتحررها من الدين، فما لم يُنبذ الدين فلن تحصل على هذه الحقوق"  

( هذا منتهى ماوصل إليه السلفي من رأي في المسألة ولم يفهم أن الحرية للمرأة وللرجل تعني تماثلهما في الحياة وفي الحضور الاجتماعي وفي المشاركة العلنية والأعمال والحقوق )

وعن بسطامي محمد سعيد ( مفهوم تجديد الدين ) نجد نقداً موجهاً  لرائد الإصلاح الشيخ محمد عبده يقول :
كثيرة هي الأقلام التي تناولت الشيخ محمد عبده (1226-1323 هـ/1849ـ 1905م) بالدراسة وبالنقد والتمحيص لآرائه وأفكاره، وقد بلغت إصلاحاته وآراؤه من الشهرة والذيوع ما يغني عن الدخول في تفصيلاتها. إنما نهتم هنا بالاتجاهات العصرانية عند محمد عبده ، والتي تظهر في كتاباته، وبالأخص في تفسيره لبعض الآيات، وفي بعض فتاواه، مما يجعل مدرسته الفكرية تضاهي وتشابه في بعض نواحيها مدرسة سيد أحمد خان في الهند، حتى إن تلميذه رشيد رضا لا يخفي إعجابه بمقالة نشرتها في ذلك الوقت جريدة (الرياض) الهندية ، عنوانها : «هل ولد السيد أحمد خان ثانية بمصر وظهرت جريدته ( تهذيب الأخلاق) بشكل المنار؟.
ففي منهجه لتفسير القرآن تتجلى واضحة النزعة إلى تفسير القرآن تفسيرًا يتناسب مع المعارف الغربية السائدة في العصر، ومن الأمثلة المشهورة لذلك تفسيره لقوله تعالى في سورة الفيل: ( وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ) (الفيل: 3 – 4) بأنها جراثيم الجدري أو الحصبة يحملها نوع من الذباب أو البعوض( .  وتفسيره لقوله تعالى: ( مِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ ) بأن المراد هنا (النمَّامون المقطِّعون لروابط الألفة) ؛ لأن السحرة المشعوذين يزعمون أنهم يقطعون الأواصر حتى بين المرء وزوجه بسحرهم. وقد اضطره لهذا التفسير إنكاره أن يكون السحر حقيقة ملموسة ، بل هو عنده نوع من الأساليب الماكرة ، وضروب من الحيل الخفية، ويؤول ما جاء في القرآن عن السحر بأنه من قبيل (التمثيل)، ويرد الأحاديث الصحيحة فيه. 


وفي بعض فتاوى محمد عبده نجد محاولة لتأويل أحكام الفقه تأويلاً يتلاءم مع أهواء الحضارة الغربية ، وتبرير واقعها، ومن أهم فتاواه في ذلك حِلُّ إيداع الأموال في صندوق التوفير وأخذ الفائدة عليها ، وفي مقالة له عن تعدد الزوجات تحدث عن تاريخ التعدد عند الشعوب الأخرى ، وعند العرب قبل الإسلام، وأن الإسلام قد خفف من العادة العربية في الإكثار من الزوجات، ووقف عند الأربعة رحمة بالنساء من ظلم الجاهلية، ولكنه يرى الآن -للظروف والملابسات السائدة في المجتمع، ولاستحالة العدل بين النساء- أنه لا بد من منع تعدد الزوجات إلا في حالات استثنائية يقررها القاضي.
وهكذا نلمح عند محمد عبده بعض ملاح المنهج العصراني، مِنْ صَرْف القرآن عن غير معانيه الظاهرة أحيانًا بحجة أنها تمثيل وتصوير، ورده للسنة الصحيحة أحيانًا لمعارضتها ما يظن أنه من علوم العصر، واستخدام المنهج التاريخي لمعالجة قضايا وأحكام الشريعة وربطها بظروف وملابسات مؤقتة. وإذا كانت هذه النزعات عند محمد عبده نزعات ضعيفة مصغرة -ربما بحكم ثقافته الأزهرية- إلا أنها قد تركت آثارها في تلامذته مِنْ بعده، فتضخمت في مجموعة منهم وصارت مضاعفة مكبرة، ومن هؤلاء: قاسم أمين وعلي عبد الرازق .
(المرجع : مفهوم تجديد الدين ، بسطامي محمد سعيد ، ص 142-143).


سنأتي على ذكر هذين العلمين ونهجهما في اقتحام الموروث وتحطيم الأصنام ، ولكنا نقف هنا عند التهمة التي أوردها بسطامي في كتابه ألا وهي المنهج العصراني ، اتهاما لكل جديد ومعاصر بأنه يتلاءم مع الأهواء الغربية ويسعى لهدم السنة والدين .
إن العديد من السلفيين فى زماننا الظالم يفتون فى كل شئ وأى شئ وحتى فى مجالات العلوم الطبيعية وعلوم الفضاء دون خجل، وهم إذ يشاركون فى الفعل السياسى فإنهم يقررون أن ما يقولونه هو تعبير عن رأى السماء دون أن يسألهم أحد ومن فوضكم وحدكم باسم السماء ، ويقررون أن مخالفهم هو مخالف للشريعة دون أن يدركوا أن أى رأى يقولونه هو رأى إنسانى ، وهم لا يقبلون التجديد متناسين الحديث الشريف "إن الله يبعث على رأس كل مئة من السنين لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها" [رواه أبو هريرة]

ويقول السيوطى فى "حُسن المحاضرة":

"ولا يشترط أن يأتى المجدد كل مائة عام ولا أن يكون واحداً بل قد يكونون أكثر من واحد ، وهؤلاء المتأسلمون يختارون الأسوأ والأكثر بعدا عن العقل ويرفضون التجديد ولا يدركون أنهم يدفعون بالدين وأهله الى بئرهم المظلم"


المهم في هذا التيار أنه يرفض الحداثة الغربية. باعتبار أنها هي - وليس غيرها- التي أفرزت القوى الاستعمارية التي حطمت الخلافة الإسلامية من جانب، واستعمرت بلاداً عربية وإسلامية عديدة من جانب آخر. وقد يكون مقبولاً هجوم الإسلاميين على القوى الاستعمارية الغربية، غير أنه من غير المقبول في الواقع النظر إلى الثقافة الغربية وكأنها كتلة واحدة صماء، لا تمايز فيها ولا تنوع.  ومن ثم، لا ينبغي التعميم الجارف على الثقافة الغربية، وادعاء أنها بطبيعتها مضادة للقيم الإنسانية الرفيعة، التي تتعلق بالحرية والعدل والمساواة، كما أنها ليست معادية أيضاً للإسلام وللمجتمعات الإسلامية.
ويمكن القول أن الأخطر من الرفض المطلق للثقافة الغربية هو ادعاء الإسلاميين المتشددين أن الخراب لم يلحق بالبلاد العربية والإسلامية إلا بسبب تبني مبادئ الحداثة الغربية ، ومن بينها تطبيق القوانين الوضعية ووقف تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وهو ادعاء ليس له من أساس .وهاهي دول تقوم بالشريعة من مائة عام لم تدخل الحداثة وهي تستورد كل شيء من الغرب والشرق غير المسلم ومازادت إلا تفريخاً لتيارات التطرف والتكفير.


غير أن نقطة الانقطاع التاريخية في التاريخ العربي المعاصر هي تحول هذه المناظرات الفكرية بين أنصار الحداثة الغربية والرافضين لها من جماعات الإسلام السياسي المتطرفة إلى معارك دموية يسقط فيها عشرات الضحايا، بعد أن تحولت الجماعات المتطرفة إلى جماعات إرهابية صريحة قامت من خلال القياس الخاطئ والتأويل المنحرف لنصوص القرآن الكريم والسيرة النبوية إلى إضفاء المشروعية على قتل المسلمين وغير المسلمين واستحلال أموالهم.
وهكذا تحول ما أطلق عليه «الإرهاب الإسلامي» إلى إرهاب معولم أصبح يمثل خطراً داهماً على أمن الدول الغربية والاسلامية ذاتها، ما دعا إلى حملات متعددة لمحاولة وقف هذا المد الإرهابي الخطير.
وها نحن أمام المشهد «الداعشي» – إن صح التعبير- حيث تمدد تنظيم «داعش» من  العراق إلى سوريا واحتل مناطق هائلة، وتسرب بعد ذلك إلى ليبيا،  ومناطق أخرى في العالم ناشراً إرهابه تحت مايسمى تطبيق الشريعة ما يدعو إلى تكوين حلف دولي لمواجهته تشترك فيه دول عربية شتى.
غير أن الذي يهمنا التركيز عليه هو أن هذه التطورات الخطيرة دعت إلى حملات متعددة شعارها ضرورة «تجديد الخطاب الديني»، ولم تنطلق هذه الحملات من إطار منهجي مدروس يجيد وضع المشكلة والتماس الحلول لها. وفي هذا المسار بين التحدي والإستجابة نسعى لرصد نقاط البناء المعاصر لمواقف القبول والرفض في شؤون حياتنا ومستقبل بقائنا بين الأمم

....وللحديث بقية
 

علِّق