عدد القراءات: 7961

التحديات والمخاطر التي ستواجه السوريين بعد سقوط النظام وقبل استقرار الأوضاع

 

 

التحديات والمخاطر التي ستواجه السوريين بعد سقوط النظام وقبل استقرار الأوضاع 
إن السياق المذكور في تقرير اليوم التالي  فيما يخص الوضع السوري من المؤسسات المقيدة والكوادر المسيّسة والقوانين التي تنتهك حقوق الإنسان والمحاكم الاستثنائية ومراكز الاعتقال السرية والتفلت من العقوبات يشكل أكبر التحديات التي سيواجهها قطاع القضاء خلال المرحلة الانتقالية. أي باختصار، النظام القضائي المدني الواهن الذي تم إفساده، هو أحد أهم العقبات  التي يجب التركيز عليها،  حيث أن القاعدة التي يوفرها هذا السياق أضعف بكثير مما يلزم لبناء سيادة القانون. ولذا يتعين على الحكومة الانتقالية أن تتعامل مع واقعٍ موروث من جهاز دولة قد لا يؤدي وظائفه، ومن انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان والتي تحتاج إلى معالجة فورية (إطلاق سراح السجناء السياسيين، على سبيل المثال)، ومن شعبٍ لديه مبررات إنعدام الثقة في هياكل ومؤسسات الدولة.  ويزيد على ذلك أن مسار الثورة والصراع الدائر ما قبل المرحلة الانتقالية يولّد في العادة المزيد من التحديات كما يُلاحظ في تجارب الشعوب الأخرى. ولذا ليس بإمكان مشروع اليوم التالي التنبؤ بأي درجة من الدقة بطبيعة التغييرات التي ستحدث في النظام أو الأوضاع اللاحقة لذلك. لكن يمكننا حسب البحوث والأمثلة الميدانية  توقّع التحديات التالية وتقديم توصيات بخطط طوارئ لمعالجتها.

التحدي الأولضعف النظام القضائي الحالي. بينما ستكون الحاجة ملحة لقضاءٍ قوي خلال المرحلة الانتقاليّة. يتحتم على الحكومة الانتقالية العمل على الوقف الفوري لانتهاكات حقوق الإنسان التي قام بها النظام السابق، وملء الفراغٍ الكبير في الجهاز القضائي وتجنب الفوضى خلال المرحلة الانتقالية والاستعداد لتقديم مرتكبي الجرائم  للعدالة.  تشمل التحديات بشكل خاص:

- انعدام استقلالية النظام القضائي بشكل ملحوظ وحقيقي.

- وجود المحاكم الاستثنائية أو حالياً الميدانية والتي تفتقد إلى الشرعيّة وتعدّ انتهاكاً لحقوق الشعب السوري.
- النقص في عدد وكفاءة الكوادر في النظام القضائي، والخوف من عدم عودة العديد منهم إلى رأس عملهم خلال المرحلة الانتقالية، والحاجة إلى حمايتهم من أي أعمال انتقامية (في حال كانوا معروفين في زمن النظام السابق) أو من الضغط الشعبي للانتقام من رموز النظام السابق.
- الأضرار أو الدمار الذي لحق بالبنى التحتية والسجلات القضائية بما في ذلك السجلات اللازمة لتدريب السجناء وتأهيلهم مهنياً ولمحاكمة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم المرتبطة بالنزاع الحالي.
- التدخل المحتمل لجماعات ثوريّة مسلّحة في العمليات المرتبطة بتطبيق العدالة وإنفاذ الأحكام القضائية.
- وجود قوانين تنتهك حقوق الإنسان.
- حتمية توقيف واحتجاز منفذي الجرائم المرتكبة في زمن الثورة وتأمين الحماية اللازمة لهم.

التحدي الثاني:  يصعب إحصاء السجون في سوريا وهي تعاني من تردي أوضاعها للغاية، بالإضافة إلى كونها تضم عدداً كبيراً ممن هم محتجزون بصورة غير مشروعة. تشمل التحديات بشكل خاص:

- وجود سجون سرية ومراكز اعتقال ووجود مستويات تحكم متعددة من الوزارات المختلفة والقوات المسلحة وأجهزة المخابرات.
- إطلاق سراح المجرمين بشكل متعمّد عند لحظات الانهيار،  أو هروب مجرمين خطرين خلال المرحلة الانتقاليّة والذين قد يشكّلون عنصر زعزعة استقرار بارتكابهم المزيد من الجرائم وأعمال العنف.
- اعتقال السجناء السياسيين واحتجازهم في نفس المكان مع المجرمين مما سيحتاج إلى عملية مراجعة وغربلة وإعادة تقييم لملفات السجناء. .
- وجود  الأحداث والأطفال في السجون في ظروف غير إنسانيّة.
- وجود عدد كبير من المعتقلين دون محاكمات، هذا بالإضافة إلى أهمية تقييم أوضاع السجون غير الإنسانية والتي تستدعي إصلاحاً فورياً وشاملا.
- ضرورة اعتقال مرتكبي الجرائم في زمن الثورة  وجرائم انتهاك حقوق الإنسان، مع تأمين أمنهم واعتقالهم في ظروف تتوافق مع معايير حقوق الإنسان العالمية وكذلك حمايتهم من أية أعمال انتقامية.

التحدي الثالث يتزايد احتمال تصاعد وتيرة الجرائم الخطيرة والمنظمة خلال المرحلة الانتقالية، كما كان الحال في دولٍ أخرى مرت بهذه المرحلة، ما يؤدي إلى تقويض جهود توطيد السلام والأمن والحكم. تشمل التحديات بشكل خاص:

- عصابات الجريمة المنظّمة الدوليّة والتي تقوم بتهريب المخدّرات والبشر والأسلحة (من وإلى وعبر الأراضي السورية)، بما في ذلك النشاط المستمر لبعض رموز النظام وجماعات الجريمة المنظمة أو الإرهابية التي قد تكون دعمت الثورة في مرحلة ما (بتهريب السلاح على سبيل المثال).
- الأعمال الانتقاميّة ضد من يُنظر إليهم كموالين للنظام.
- ارتفاع وتيرة العنف الأسري وغيرها من جرائم العنف كنتيجة للصدمات النفسية واسعة النطاق التي تعرضت لها نسبة كبيرة من الشعب.
- احتمال ضلوع عناصر من النظام السابق في جرائم بهدف زعزعة العملية الانتقالية وإثارة التوترات الطائفية.

التحدي الرابع: نقص آليات الإشراف والمراقبة، سواء بالنسبة لعناصر النظام القضائي الرسمي أو النظام الموازي الذي يديره الجيش وأجهزة الأمن، حيث عمل ممثلي الجهاز القضائي والأمني حتى اليوم بقدرٍ كبير من الحصانة التي تتيح لهم التفلت من العقوبات. تشمل التحديات بشكل خاص:

- الحاجة إلى وضع نظام إشراف ومتابعة جديد كلياً حيث لا وجود له حالياً.
- ضرورة مراقبة بعض الجماعات المسلّحة التي قد تستأنف نشاطها خلال المرحلة الانتقالية وتقوم بالإضافة لذلك  بانتحال بعض وظائف النظام القضائي (القيام باعتقالات واحتجار السجناء على سبيل المثال) أو بالضلوع في عمليات انتقامية.
- الحاجة إلى آليات استجابة لدى ورود تقارير متعلقة بحدوث انتهاكات، بحيث يكون للعملية الرقابية عواقب عند الحاجة.

التحدي الخامس: من الوارد حدوث تجمّعات عامّة ضخمة ومظاهرات عارمة خلال المرحلة الانتقاليّة، سواء للاحتفال بنهاية النظام أو بغية إظهار التأييد أو الاحتجاج على بعض جوانب المرحلة الانتقاليّة أو للتعبير عن الدعم السياسي أو المعارضة. وبشكل عام  فإن التجمعات العامة أمر مرحب به، لكن من الواجب إدارتها بشكل حذر لمنع نشوب العنف والتخريب. تشمل التحديات بشكل خاص:

- في أعقاب عهدٍ اتسم بقمع حرية التجمّع وخلا من أي مظاهر للاحتجاج، يفتقر عناصرالجهاز القضائي والشرطة إلى القواعد الأساسية للتجمعات العامة وإلى تقنيات إدارتها للمحافظة على السلم والأمن وحرية التعبير عن الرأي.
- قد يلجأ المخربون إلى إثارة البلبلة والتحريض على الإتيان بأعمال العنف في التجمعات العامة بغية زعزعة العملية الانتقالية.

التحدي السادس: نقص الشرعية وضعف ثقة الجمهور في النظام القضائي. فقد تم كسر العلاقة في أساسها ما بين الدولة والمجتمع. ومن الضروري أن تقوم العملية الانتقالية بإصلاح تلك العلاقة حتى في الوقت الذي تواجه فيه تحديات أكثر إلحاحاً. وتشمل التحديات بشكل خاص:

- انعدام ثقة الشعب بالدولة ووجود حالة من الشك في الحكومة السابقة، والتي قد تنتقل إلى الحكومة الانتقالية.
- الافتقار إلى إرثٍ سابق من الشفافية ومساءلة الأفراد الذين يشغلون مناصب في الحكومة الانتقالية وبين الجماهير عموماً.

------------------------------------------------------------------------

"المواد في هذا القسم مستخلصة من تقرير "اليوم التالي" وهو نتاج وأبحاث واجتماعات ودراسات قامت بها مجموعة مؤلفة من 50 ناشطاً سورياً يمثلون طيفاً واسعاً من المعارضة السورية، عملوا على إدارة هذا المشروع المستقل للتخطيط الانتقالي لسورية، وذلك بدعم لوجستي وتقني من معهد السلام الأمريكي والمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمن الدولي SWP"

 

التعليقات

هذه التحديات تتقلص فيما لو وضع برنامج يعتمد على المتخصصين في كل المجالات لادارة المناطق المحررة تباعا ....بمعنى انه لابد ان يسبق عمليات التحرير الاعداد للعمل الاداري النظام لن يرحل ويترك في سوريا جهازا يمكن الاعتماد عليه لبناء الدولة ......السوريين لاينقصهم التخصصات ولا الكفاءات ......نحن محكومين بالفشل ان تخلينا عن مبدأ الولاء للكفاءة وليس للانتماء .......طريقنا لن يكون مفروشا بالورد هو صعب وشاق ودامي لكنه يظلل افضل من حالة فقدان الذات التي كنا تعيشها في ظل الاستبداد

كتب عبد المعين زريق عندما سقط النظام السوري فجأة انقطع بث القنوات السورية عن الفضاء الخارجي، وبدأت الأشرطة الإخبارية الدوارة لقنوات التلفزة العربية والأجنبية تجتاح الشاشات وتغطي بلونها الأحمر العاجل أكثر من نصف الشاشة. لا يمكن إخفاء حالة النشوة الكبيرة التي تجتاح القنوات النفطية وشريكاتها العالمية وتوابعها في المنطقة. المشهد عارم ومثير ومؤثر، إذ يتوالى المحللون النفطيون ومعارضو «الخارج» بدون توقف... تُهدى التحايا وبشرات النصر وبطاقات الشكر لمستحقيها، لكل الدول التي وقفت بجانب «الثورة السورية»، وأصدقاء الشعب السوري من دول عظمى وإقليمية وعربان وخلجان، وتجتاح المشاهدين فيضانات من الأحاسيس المتناقضة والشعور الملتبس. الكل يذرفون الدمع ويطلقون العبرات فرحاً أو قهراً. إن مذيعي هذه القنوات يشكلون جوقة لا تقهر، ما تزال تعزف على أنغام سيمفونيات الرجل الأبيض وأهوائه ويرقصون على حباله الممدودة. إنهم يتابعون ما حصل في تونس ومصر وليبيا واليمن منذ أشهر قليلة عند سقوط أنظمتها في سياق «الربيع العربي» الهائج المثير. تخوض سورية اليوم سيناريو آخر معاكساً لسيناريو سقوط دمشق شاشاتهم اليوم ووجوهم المنتشية الثملة بالنصر وطريقتهم المفرطة في الحماسة تعلن: «لقد سقط النظام في سورية». لقد دخل «الثوار» دمشق وحلب وبقية المحافظات السورية، لقد سيطروا على قلب العاصمة واستولوا على المباني الحكومية وأحاطوا بمبنى التلفزيون السوري وقنواته الزميلة، ولم تعرف المصائر الحقيقية للقيادات السورية... لقد تحقق المطلوب! وهاهي سورية تدار بزاوية أفقية معاكسة وتسلخ من محورها، وستضم قريباً للركب الأميركي في المنطقة، وستصبح قاطرة إضافية في سياق عولمي استعماري لطالما عاندته وعاكسته، واتهمت مراراً أنها مصابة بحساسية قومية عربية ووطنية سورية عميقة. ها هو النظام المتجذر فيها منذ عام 1963 تضطره الثورة إلى التبخر الإجباري والانزواء القسري والاختفاء الاضطراري. اتُبع في ذلك كلُّ الأساليب الممكنة، لعل طبيعة «الثوار» المنوعة الأطياف والانتماءات والايديولوجيات ومصادر التمويل والتأثير، من شباب متحمس وجهاديين غرباء وحالمين بدولة دينية بدأت باستخدام أساليب مختلفة في إقصاء قيادات الدولة والتنكيل بها. وبات الجيش السوري يخضع بدوره لحملة تشكيك وتصفية تأخذ بالشبهات الطائفية وتقتل على الشُبَهِ والظنون. بدأت المدن الكبرى والبلدات والمناطق السورية تشهد انزياحات ديموغرافية، تفرضها حالات انتقام طائفية وعرقية ومذهبية، تأخذ صفة المجازر البشرية البشعة. إن أعداد الثائرين وروحهم الطائفية المتدفقة مع أحجام الجهاديين الغرباء كفيلة في تفسير عشرات المجازر المتنقلة الشنيعة التي تقع في بقاع مختلفة من سورية. اجتاحت الحارات والأزقة في المدن حالات من الفوضى العارمة، وفرض أمر الواقع، واستبيحت أبنية الدولة كلها ونهبت البنية التحية، وصودرت مصالحها الحيوية بأيدي جماعات مسلحة غير منضبطة، وقطعت الطرقات بين المدن والبلدات ووضعت السواتر والحواجز والمتاريس وأعلنت بقع كثيرة كإمارات لأمراء حرب، عددها أكثر من أسماء الكتائب والألوية الثورية التي فرختها «الثورة» السورية. تطايرت القوانين الناظمة للمجتمع وفرضت قوانين السلاح والإرغام والترهيب، وبدت المجاميع البشرية في سورية تعود إلى قوانين ما قبل المجتمعات البشرية. التمزق والانقسامات الأفقية والشاقولية فيها لم تسمح حتى بالانكفاء إلى الحاضنة القبلية للاحتماء بها. سورية كانت قد تجاوزت هذه المرحلة إلى مجتمعات مدنية، نسفت الانتماء العشائري والقبلي في مناطق عديدة، حتى القبائل اختلفت سياسياً مؤخراً ووصلها الانفجار والتشظي في مواجهات المصير. يبدو واضحاً التمايز والاختلاف بين أطراف انتصرت معاً في ثورتها على النظام السوري وها هي تختلف عمن سيقود سورية اليوم وعن الطريقة المثلى لقيادتها (خلافة إسلامية، دولة مدنية ديمقراطية، دولة فيدرالية أم كونفدرالية طوائف أم...). حُلَّ الجيش وتبخر أفراده في ليلة وضحاها، وبات كل مواطن يبحث عن أمنه الذاتي من الأخطار اليومية الداهمة. وقع الشعب تحت رحمة الميليشيات، وتمزق البلد إلى «كانتونات» أمنية طائفية مذهبية عرقية، تفصلها حدود من حقد وكراهية ودم ونار. انفجرت الحدود السورية بالنازحين، لا يمكن تخيل هذه الأعداد المذهلة الهاربة من جحيم الموت والحقد والخراب. فوضى عارمة ومجازر متنقلة، ولا يمكن الاتكال إلّا على رحمة القتلة والمجرمين الذين يملؤون الساحات والشوارع والطرق في المدن. لن يعير أحدٌ من المواطنين السوريين الواقعين تحت نير الأسلحة المتوحشة كلَّ الهذر الثوري والشعارات الكبيرة التي تصدرها شاشات العولمة النفطية التي تفتح بثها لخواجات المعارضة السورية في الخارج، لقد اعتادوا عليهم بأنهم دائماً يفتتحون بازارات الدم السوري ويَبِيضون أكبر الشعارات الثورية: «لقد انتصر الشعب السوري وحقق حريته». يسير الواقع المتغير بسرعة كبيرة مثل الكثبان الرملية في موجات متلاحقة لا تتوقف، يشكلها الغازون للمدن والبلدات السورية، كل شهر أو أشهر عدة تحدث موجة تجتاح حياة السوريين وأمنهم وأرزاقهم، في حملةٍ يعلنها فصيلٌ جديد متشدد بعنوان تحرير جديد ومشروع جديد بشعارات مستجدة. إن الذين لم يتفقوا على أسلوب إسقاط النظام في سورية، أنّى لهم أن يتفقوا وقد أسقطوه وبات وهج السلطة وبريقها يلوح أمام أبصارهم. سيخوضون حملات متكررة من التصفية والتصفية المضادة، ما سيجعل بسطاء الشعب السوري بأطيافهم يدفعون الثمن الغالي والأكلاف الباهظة. كيف لا وقد استخدمت كلُّ الشعارات الثورية الحماسية، ولعب التحريض الطائفي والمذهبي لعبته الدموية، وشُيطنت طوائف ومذاهب وأعراق وقطاعات من الدولة السورية، بخاصة الجيش السوري وجيش الدولة من الموظفين. استمرت فتاوى التكفير بتأثيرها في الرؤوس الحامية، وانقدحت روح الأحقاد والانتقام، وتمظهرت روح الله في تصرفات «المجاهدين»، فمارسوا سلطته في أَحكام المخالفين معهم فطبقوا الحدود بحماسة واندفاع. تفرغُ سوريةُ من سكانها... من تبقى منهم بقيةُ مسلحين خلف متاريس الأزقة والحارات، يعيشون عبث الحكم فوق الخراب والدمار، وتهدد سورية بالزوال والذوبان في أقاليم جديدة تتشكل وفق تصور مجنون لبرنارد لويس في زمن السيولة الجغرافية وتوحش الأحلام الاستعمارية لدول الشركات متعددة الجنسيات. إن سيناريو كارثياً مُتخيلاً كهذا نشاهد مثيلاً له اليوم في ليبيا وقد شاهدنا مثيلاً له في بغداد نيسان 2003. لا يلزم لتحققه إلا انصياعٌ تام للدولة السورية بمكوناتها الوطنية الجامعة (دولة عميقة وشعب حضاري وجيش عقائدي) لرواية الأضاليل والكذبات الكبرى المصدّرة لنا من مراكز التفكير والتوحش العولمي في الغرب. إن استرجاعاً متأنياً ومراجعة دقيقة لنواتج اللوثة الهرمونية المرضية التي أصابت بعض الدول العربية في سياق ما دعي «الربيع العربي»، وما أفرزته من صراعات وانقسامات مجتمعية وسياسية وإثنية وعرقية في سيناريوهات سيئة، تتشابه في «كارثيتها» بين تلك الثورات التي سرعان ما أسقطت أنظمتها بالعنف الثوري أو بالهروب أو التنحي أو تلك الأنظمة التي أصاب إسقاطها الاستعصاء، يظهر أن الربيع العربي لم يقدم نموذجاً جيداً للاحتذاء والامتثال. كان نمطاً مشبوهَ المصدر والأسلوب في التغيير الديمقراطي القادم على أنغام جوقات استدعاء الناتو وسطوة الفصل السابع، وبتمويل باذخ من بلدان رياح الخماسين ونفط صحارى الربع الخالي. إن المسارات التي اتخذتها صراعات السلطة في بلدان الربيع العربي وعدم المقدرة على سدِّ الفراغات المهولة الناجمة عن انهيارات السلطات الحاكمة في تلك الدول العربية المتجانسة بشرياً وإثنياً يجعل استعراض السيناريو السوري الكارثي، سابق الوصف، أمراً واقعياً كون المعارضات في كل البلدان العربية - بخاصة تلك المعارضات العريقة في مصر - لم تكن قادرة على تأمين بديل آمن من النظام السابق، فكيف بالمعارضة السورية التي اتسمت بالتشتت والتطرف والمراهقة وبكونها طفيلية غارقة في التبعية لجهات مختلفة، تعيش على الأحقاد القديمة وعلى الخطاب الطائفي المقيت، وكيف بسوريا المتنوعة الأعراق والأجناس والمذاهب والطوائف. يفترض نجاح هذا السيناريو إغفالاً للدور الحضاري السوري الموغل آلاف السنين الذي شكّل نسيج البروكار البشري السوري في مواجهة غيلان الصحارى القاحلة وأحلام الواهمين باستعادة عصور سلطانية ماضية. تخوض سورية اليوم سيناريو اخر معاكساً لسيناريو سقوط دمشق. تختار فيه أن تقف في وجه العاصفة والجهل القادم من قلب التاريخ والجغرافيا، مزودة بسياسات تحدي ومقاومة وممانعة معاكسة لسيل لا يتوقف من التخلي والعمالة والركون للعولمة الغربية المتغطرسة ينهمر في بلدان المنطقة. تعدُّد العوامل المساعدة للسيناريو المعاكس يشكل مروحة واسعة من دوافع الصمود والمقاومة، تبدأ بنواة محور عالمي يتشكل من جديد، لينتهي بمواطن سوري معاند يرفع أصبعه معترضاً في وجه النظام العالمي الجديد، ويفضل أن يمارس طقوس ديكتاتورية المواطنة على أن يعيش ديمقراطية الطوائف والمحاصصة. فُرِضت على سوريا معركتها، وهي معركة الجدار الأخير، تحتمي فيها بتراث إنساني حضاري عريق وشعب أصيل وجيش متمرس عقائدي، يدافع عن ترابه الوطني في وجه غرباء ومضللين وأصحاب أوهام وأحلام، وليس أمامه إلا الانتصار. إن دولة كسورية وقفت وحيدةً مع كثير من الشعوب العربية والمسلمة في وجه الغزو والسطو المسلح الأميركي الغربي لدول المنطقة، واستطاعت بدعمها لحركات المقاومة في المنطقة (يجب التنويه بالمقاومة العراقية وإن شذّت بعض فصائلها وأخطأت الطريق والهدف)، واستطاعت عبر محورها الداعم التأسيس لسياسة «انهيارات الدومينو المعاكسة»، والتي عشنا بعض فصولها في انتصارات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، وبسقوط الدور الوظيفي لدولة الكيان الصهيوني والأفول المتدحرج للسياسات المتغطرسة للقطب الأميركي في المنطقة. إن كل الحلول القسرية التي تُصدّر إلى سورية عبر معارضاتٍ مشبوهة مرتزقة تعتبر إيغالاً في سفك الدماء السورية، واسترخاصاً لها في ألعاب الأمم. وتعدُّ عبثاً لا طائل منه ما لم تعتمد الحلول أساساً على التحاور السوري وعلى ثوابت الضمير السوري الجمعي، وتراكم فهم الوطنية السورية في القرار الوطني المستقل بعيداً من الإملاءات والرغبات الخارجية. * كاتب سوري الاخبار رأي العدد ٢٥٢٧ الاربعاء ٢٥ شباط ٢٠١٥

كتب عبد المعين زريق عندما سقط النظام السوري فجأة انقطع بث القنوات السورية عن الفضاء الخارجي، وبدأت الأشرطة الإخبارية الدوارة لقنوات التلفزة العربية والأجنبية تجتاح الشاشات وتغطي بلونها الأحمر العاجل أكثر من نصف الشاشة. لا يمكن إخفاء حالة النشوة الكبيرة التي تجتاح القنوات النفطية وشريكاتها العالمية وتوابعها في المنطقة. المشهد عارم ومثير ومؤثر، إذ يتوالى المحللون النفطيون ومعارضو «الخارج» بدون توقف... تُهدى التحايا وبشرات النصر وبطاقات الشكر لمستحقيها، لكل الدول التي وقفت بجانب «الثورة السورية»، وأصدقاء الشعب السوري من دول عظمى وإقليمية وعربان وخلجان، وتجتاح المشاهدين فيضانات من الأحاسيس المتناقضة والشعور الملتبس. الكل يذرفون الدمع ويطلقون العبرات فرحاً أو قهراً. إن مذيعي هذه القنوات يشكلون جوقة لا تقهر، ما تزال تعزف على أنغام سيمفونيات الرجل الأبيض وأهوائه ويرقصون على حباله الممدودة. إنهم يتابعون ما حصل في تونس ومصر وليبيا واليمن منذ أشهر قليلة عند سقوط أنظمتها في سياق «الربيع العربي» الهائج المثير. تخوض سورية اليوم سيناريو آخر معاكساً لسيناريو سقوط دمشق شاشاتهم اليوم ووجوهم المنتشية الثملة بالنصر وطريقتهم المفرطة في الحماسة تعلن: «لقد سقط النظام في سورية». لقد دخل «الثوار» دمشق وحلب وبقية المحافظات السورية، لقد سيطروا على قلب العاصمة واستولوا على المباني الحكومية وأحاطوا بمبنى التلفزيون السوري وقنواته الزميلة، ولم تعرف المصائر الحقيقية للقيادات السورية... لقد تحقق المطلوب! وهاهي سورية تدار بزاوية أفقية معاكسة وتسلخ من محورها، وستضم قريباً للركب الأميركي في المنطقة، وستصبح قاطرة إضافية في سياق عولمي استعماري لطالما عاندته وعاكسته، واتهمت مراراً أنها مصابة بحساسية قومية عربية ووطنية سورية عميقة. ها هو النظام المتجذر فيها منذ عام 1963 تضطره الثورة إلى التبخر الإجباري والانزواء القسري والاختفاء الاضطراري. اتُبع في ذلك كلُّ الأساليب الممكنة، لعل طبيعة «الثوار» المنوعة الأطياف والانتماءات والايديولوجيات ومصادر التمويل والتأثير، من شباب متحمس وجهاديين غرباء وحالمين بدولة دينية بدأت باستخدام أساليب مختلفة في إقصاء قيادات الدولة والتنكيل بها. وبات الجيش السوري يخضع بدوره لحملة تشكيك وتصفية تأخذ بالشبهات الطائفية وتقتل على الشُبَهِ والظنون. بدأت المدن الكبرى والبلدات والمناطق السورية تشهد انزياحات ديموغرافية، تفرضها حالات انتقام طائفية وعرقية ومذهبية، تأخذ صفة المجازر البشرية البشعة. إن أعداد الثائرين وروحهم الطائفية المتدفقة مع أحجام الجهاديين الغرباء كفيلة في تفسير عشرات المجازر المتنقلة الشنيعة التي تقع في بقاع مختلفة من سورية. اجتاحت الحارات والأزقة في المدن حالات من الفوضى العارمة، وفرض أمر الواقع، واستبيحت أبنية الدولة كلها ونهبت البنية التحية، وصودرت مصالحها الحيوية بأيدي جماعات مسلحة غير منضبطة، وقطعت الطرقات بين المدن والبلدات ووضعت السواتر والحواجز والمتاريس وأعلنت بقع كثيرة كإمارات لأمراء حرب، عددها أكثر من أسماء الكتائب والألوية الثورية التي فرختها «الثورة» السورية. تطايرت القوانين الناظمة للمجتمع وفرضت قوانين السلاح والإرغام والترهيب، وبدت المجاميع البشرية في سورية تعود إلى قوانين ما قبل المجتمعات البشرية. التمزق والانقسامات الأفقية والشاقولية فيها لم تسمح حتى بالانكفاء إلى الحاضنة القبلية للاحتماء بها. سورية كانت قد تجاوزت هذه المرحلة إلى مجتمعات مدنية، نسفت الانتماء العشائري والقبلي في مناطق عديدة، حتى القبائل اختلفت سياسياً مؤخراً ووصلها الانفجار والتشظي في مواجهات المصير. يبدو واضحاً التمايز والاختلاف بين أطراف انتصرت معاً في ثورتها على النظام السوري وها هي تختلف عمن سيقود سورية اليوم وعن الطريقة المثلى لقيادتها (خلافة إسلامية، دولة مدنية ديمقراطية، دولة فيدرالية أم كونفدرالية طوائف أم...). حُلَّ الجيش وتبخر أفراده في ليلة وضحاها، وبات كل مواطن يبحث عن أمنه الذاتي من الأخطار اليومية الداهمة. وقع الشعب تحت رحمة الميليشيات، وتمزق البلد إلى «كانتونات» أمنية طائفية مذهبية عرقية، تفصلها حدود من حقد وكراهية ودم ونار. انفجرت الحدود السورية بالنازحين، لا يمكن تخيل هذه الأعداد المذهلة الهاربة من جحيم الموت والحقد والخراب. فوضى عارمة ومجازر متنقلة، ولا يمكن الاتكال إلّا على رحمة القتلة والمجرمين الذين يملؤون الساحات والشوارع والطرق في المدن. لن يعير أحدٌ من المواطنين السوريين الواقعين تحت نير الأسلحة المتوحشة كلَّ الهذر الثوري والشعارات الكبيرة التي تصدرها شاشات العولمة النفطية التي تفتح بثها لخواجات المعارضة السورية في الخارج، لقد اعتادوا عليهم بأنهم دائماً يفتتحون بازارات الدم السوري ويَبِيضون أكبر الشعارات الثورية: «لقد انتصر الشعب السوري وحقق حريته». يسير الواقع المتغير بسرعة كبيرة مثل الكثبان الرملية في موجات متلاحقة لا تتوقف، يشكلها الغازون للمدن والبلدات السورية، كل شهر أو أشهر عدة تحدث موجة تجتاح حياة السوريين وأمنهم وأرزاقهم، في حملةٍ يعلنها فصيلٌ جديد متشدد بعنوان تحرير جديد ومشروع جديد بشعارات مستجدة. إن الذين لم يتفقوا على أسلوب إسقاط النظام في سورية، أنّى لهم أن يتفقوا وقد أسقطوه وبات وهج السلطة وبريقها يلوح أمام أبصارهم. سيخوضون حملات متكررة من التصفية والتصفية المضادة، ما سيجعل بسطاء الشعب السوري بأطيافهم يدفعون الثمن الغالي والأكلاف الباهظة. كيف لا وقد استخدمت كلُّ الشعارات الثورية الحماسية، ولعب التحريض الطائفي والمذهبي لعبته الدموية، وشُيطنت طوائف ومذاهب وأعراق وقطاعات من الدولة السورية، بخاصة الجيش السوري وجيش الدولة من الموظفين. استمرت فتاوى التكفير بتأثيرها في الرؤوس الحامية، وانقدحت روح الأحقاد والانتقام، وتمظهرت روح الله في تصرفات «المجاهدين»، فمارسوا سلطته في أَحكام المخالفين معهم فطبقوا الحدود بحماسة واندفاع. تفرغُ سوريةُ من سكانها... من تبقى منهم بقيةُ مسلحين خلف متاريس الأزقة والحارات، يعيشون عبث الحكم فوق الخراب والدمار، وتهدد سورية بالزوال والذوبان في أقاليم جديدة تتشكل وفق تصور مجنون لبرنارد لويس في زمن السيولة الجغرافية وتوحش الأحلام الاستعمارية لدول الشركات متعددة الجنسيات. إن سيناريو كارثياً مُتخيلاً كهذا نشاهد مثيلاً له اليوم في ليبيا وقد شاهدنا مثيلاً له في بغداد نيسان 2003. لا يلزم لتحققه إلا انصياعٌ تام للدولة السورية بمكوناتها الوطنية الجامعة (دولة عميقة وشعب حضاري وجيش عقائدي) لرواية الأضاليل والكذبات الكبرى المصدّرة لنا من مراكز التفكير والتوحش العولمي في الغرب. إن استرجاعاً متأنياً ومراجعة دقيقة لنواتج اللوثة الهرمونية المرضية التي أصابت بعض الدول العربية في سياق ما دعي «الربيع العربي»، وما أفرزته من صراعات وانقسامات مجتمعية وسياسية وإثنية وعرقية في سيناريوهات سيئة، تتشابه في «كارثيتها» بين تلك الثورات التي سرعان ما أسقطت أنظمتها بالعنف الثوري أو بالهروب أو التنحي أو تلك الأنظمة التي أصاب إسقاطها الاستعصاء، يظهر أن الربيع العربي لم يقدم نموذجاً جيداً للاحتذاء والامتثال. كان نمطاً مشبوهَ المصدر والأسلوب في التغيير الديمقراطي القادم على أنغام جوقات استدعاء الناتو وسطوة الفصل السابع، وبتمويل باذخ من بلدان رياح الخماسين ونفط صحارى الربع الخالي. إن المسارات التي اتخذتها صراعات السلطة في بلدان الربيع العربي وعدم المقدرة على سدِّ الفراغات المهولة الناجمة عن انهيارات السلطات الحاكمة في تلك الدول العربية المتجانسة بشرياً وإثنياً يجعل استعراض السيناريو السوري الكارثي، سابق الوصف، أمراً واقعياً كون المعارضات في كل البلدان العربية - بخاصة تلك المعارضات العريقة في مصر - لم تكن قادرة على تأمين بديل آمن من النظام السابق، فكيف بالمعارضة السورية التي اتسمت بالتشتت والتطرف والمراهقة وبكونها طفيلية غارقة في التبعية لجهات مختلفة، تعيش على الأحقاد القديمة وعلى الخطاب الطائفي المقيت، وكيف بسوريا المتنوعة الأعراق والأجناس والمذاهب والطوائف. يفترض نجاح هذا السيناريو إغفالاً للدور الحضاري السوري الموغل آلاف السنين الذي شكّل نسيج البروكار البشري السوري في مواجهة غيلان الصحارى القاحلة وأحلام الواهمين باستعادة عصور سلطانية ماضية. تخوض سورية اليوم سيناريو اخر معاكساً لسيناريو سقوط دمشق. تختار فيه أن تقف في وجه العاصفة والجهل القادم من قلب التاريخ والجغرافيا، مزودة بسياسات تحدي ومقاومة وممانعة معاكسة لسيل لا يتوقف من التخلي والعمالة والركون للعولمة الغربية المتغطرسة ينهمر في بلدان المنطقة. تعدُّد العوامل المساعدة للسيناريو المعاكس يشكل مروحة واسعة من دوافع الصمود والمقاومة، تبدأ بنواة محور عالمي يتشكل من جديد، لينتهي بمواطن سوري معاند يرفع أصبعه معترضاً في وجه النظام العالمي الجديد، ويفضل أن يمارس طقوس ديكتاتورية المواطنة على أن يعيش ديمقراطية الطوائف والمحاصصة. فُرِضت على سوريا معركتها، وهي معركة الجدار الأخير، تحتمي فيها بتراث إنساني حضاري عريق وشعب أصيل وجيش متمرس عقائدي، يدافع عن ترابه الوطني في وجه غرباء ومضللين وأصحاب أوهام وأحلام، وليس أمامه إلا الانتصار. إن دولة كسورية وقفت وحيدةً مع كثير من الشعوب العربية والمسلمة في وجه الغزو والسطو المسلح الأميركي الغربي لدول المنطقة، واستطاعت بدعمها لحركات المقاومة في المنطقة (يجب التنويه بالمقاومة العراقية وإن شذّت بعض فصائلها وأخطأت الطريق والهدف)، واستطاعت عبر محورها الداعم التأسيس لسياسة «انهيارات الدومينو المعاكسة»، والتي عشنا بعض فصولها في انتصارات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، وبسقوط الدور الوظيفي لدولة الكيان الصهيوني والأفول المتدحرج للسياسات المتغطرسة للقطب الأميركي في المنطقة. إن كل الحلول القسرية التي تُصدّر إلى سورية عبر معارضاتٍ مشبوهة مرتزقة تعتبر إيغالاً في سفك الدماء السورية، واسترخاصاً لها في ألعاب الأمم. وتعدُّ عبثاً لا طائل منه ما لم تعتمد الحلول أساساً على التحاور السوري وعلى ثوابت الضمير السوري الجمعي، وتراكم فهم الوطنية السورية في القرار الوطني المستقل بعيداً من الإملاءات والرغبات الخارجية. * كاتب سوري الاخبار رأي العدد ٢٥٢٧ الاربعاء ٢٥ شباط ٢٠١٥

علِّق

مقالات الكاتب