No votes yet
عدد القراءات: 2092

البلاد مقبلة على أزمة في الصحة النفسية - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
John Kahler
تاريخ النشر: 
15 أيلول (سبتمبر), 2016
اللغة الأصلية: 

 

عالجت الأطفال في أحد المستشفيات السورية، لكننا لم نكن نملك أدنى فكرة عن كيفية مداواتهم من الصدمة

 

في إحدى ليالي شهر يونيو/ حزيران، وجدت نفسي على سطح أحد المشافي التي تعرضت للقصف في مدينة حلب. كان الظلام دامساً لأن الجانب الشرقي من المدينة يعيش دون كهرباء. شاهدت وزملائي الطائرات وهي تحوم وتلقي بالقنابل على مشارف المنطقة المحاصرة. كان بالإمكان سماع انفجار الصواريخ طوال الليل.

أنا أعمل طبيباً للأطفال في شيكاغو، لكنني سافرت هذا الصيف مع اثنين من زملائي في الجمعية السورية الأمريكية الطبية ( SAMS) إلى حلب. وهناك شاهدت عن كثب الطريقة التي تشوه بها هذه الحرب الأطفال من الناحية الجسدية والعاطفية أيضاً. والأطفال الذين التقيتهم كانوا في الغالب يعانون من صدمة مدمرة فالبعض توقف عن تناول الطعام وآخرون بالكاد كانوا قادرون على التواصل.

لكن تجربتي هذه قد تكررت في أنحاء البلاد، إذ نشرت قناة CNN تقريراً حول محاولات الأطفال للإقدام على الانتحار. فقد قال أحد المعلمين في مدينة مضايا في حديثه إلى منظمة أنقذوا الطفولة: "الأطفال محطمون ومتعبون نفسياً. فعندما نقيم بعض الأنشطة كأن نغني معهم مثلاً تجدهم لا يتجاوبون على الإطلاق كما أنهم لا يضحكون كما جرت عادتهم. بل وأكثر من ذلك، فهم يرسمون أطفالاً ذُبحوا في الحرب أو دبابات كما يصورون في رسوماتهم الحصار وفقدان الطعام". وقال مكتب المفوض السامي لشؤون اللاجئين التابع للأمم لمتحدة في تقرير له: "إن معظم وأهم المشكلات السريرية السائدة بين السوريين هي الاضطرابات العاطفية من قبيل الاكتئاب واضطراب الحزن طويل الأمد واضطرابات ما بعد الصدمة وأشكالاً متعددة من اضطرابات القلق". ووفقاً لمنظمة أنقذوا الطفولة: "فإن التداعيات على مستقبل الصحة العقلية لجيل كامل قد تكون كارثية".

 

أمضيت بعضاً من وقتي في سوريا أعمل في مستشفى M10 المدعومة من الجمعية الطبية السورية الأمريكية والتي تقع تحت الأرض. وهي المنشأة الرئيسة لمعالجة الصدمة في مناطق حلب الشرقية. ولدى وصولنا، بدأ طبيب جراحة العظام بالعمل في غرفة الطوارئ. وتوجهت أنا إلى وحدة العناية المشددة حيث كان هناك طفلين يتلقيان العلاج إثر جراح في الرأس والصدر نتيجة القصف ببرميل متفجر أثناء لعبهما في الخارج. وأحد هذين الطفلين كان يبلغ من العمر 10 أعوام توفي بعد 3 أيام.

وانتقلت لاحقاً للعمل في مستشفى آخر يسمى M2 والذي كان يضم عيادة وجناحاً للأطفال. وكنا في كل يوم نستقبل طفلاً إما عن طريق الأهل أو الإسعاف. كان الأطفال يعانون من إصابات جسدية تتوقع رؤيتها في منطقة الحرب مثل الإصابات في الرأس والأطراف المقطوعة وعدد لا يحصى من الجروح والكدمات.

كان الكثير يعانون أيضاً من الصدمة جراء العيش في منطقة حرب. أذكر إحدى المرضى، كانت فتاة تدعى زايرة تبلغ من العمر 8 أعوام، أحضرها والداها بسبب توقفها عن تناول الطعام. كانت زايرة تدخل في حالة هستيرية إن غادر والداها الغرفة. بالإضافة إلى ذلك، بدأت الطفلة بتبليل سريرها كل ليلة وعندما تحدثت إليها بوجود المترجمة لم تكن الفتاة تتواصل معي بالنظر بل كانت تحدق في الفراغ بدلاً من ذلك وهذا ما يسميه علماء النفس ب"التحديق في الفضاء البعيد".

 

ورأيت أيضاً عائلة أخرى تضم 3 أطفال تتراوح أعمارهم بين 3 و5 و 7. وقد تعرض منزل هذه العائلة للتدمير بقصفه ببرميل متفجر و يعيشون الآن مع أقاربهم. كان الطفلين الأكبر سناً يخشون النوم داخل المنزل في الليل لذلك وضع والدهم خيمة مؤقتة في الزقاق وأصبح ينام إلى جانبهم فيها ليلاً. لم يكن الأطفال مقتنعين بأن النوم داخل المنزل أكثر أماناً.

ذلك ليس أمراً مستغرباً من عدة نواحٍ، فالأطفال بحاجة إلى السلامة والقدرة على التخيل والأمان الذي يعينهم على النمو. لكن الحرب الأهلية في سوريا جعلت ذلك ضرباً من المستحيل لا سيما في أماكن كشرقي حلب التي يعيش فيها 300.000 شخص في ظل الحصار، 40% منهم من الأطفال. وقد استخدِمت في هذا المدينة القنابل التقليدية إلى جانب الأسلحة الكيماوية مثل غاز الكلور. كما حُرِم المواطنون المحاصرون في حلب حتى من حقهم في المساعدات الإنسانية الأساسية. وقد قُتِل في هذه المدينة عشرات من الأطفال والبالغين فضلاً عن تسميمهم بغاز الكلور.

 

وكنتيجة طبيعية، أدت هذه البيئة إلى انتشار أوبئة وأمراض قلق واكتئاب بين الأطفال السوريين. ومن الممكن أن تكون لهذه الصعوبات التي تواجه سلامتهم العقلية تداعيات على المدى الطويل تؤثر في قدرة الأطفال على التعلم وتكوين علاقات ذات معنى. وبمجرد انتهاء هذه الحرب، سنكون في حاجة إلى إجراء تقييم شامل للصحة العقلية وتقديم العلاج لهؤلاء الأطفال. ستكون السلامة الجسدية وإعادة البناء هي القسم السهل، أما مداواة الروح والنفس ستكون أصعب من ذلك بكثير.

وقد طبقت الولايات المتحدة وروسيا خطة للحد من العنف في سوريا. ولكن نظراً لفشل جميع الاتفاقيات الأخرى، تجد السكان في حلب ينتظرون بحذر لكنهم متأملين ببصيص من نور وسط هذا الظلام السائد.

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2538850

مقالات المترجم