عدد القراءات: 2470

الانفصام بين ما هو مهني وما هو اجتماعي!

*ساري البرازي

 

منذ عدة سنوات كنت في زيارةٍ قصيرةٍ لمدينة دبي، نزلت حينها في أحد فنادقها المتوسطة التي تنتمي إلى سلسلة معروفة يبلغ تصنيفها السياحي ثلاث أو أربع نجوم، لست متأكداً بالضبط. بدا كل شيء في الفندق مميّزاً.. بدءاً من إكساء البهو وغرف النزلاء.. مروراً بالخدمات الفندقية والوجبات الطعامية اللذيذة.. وانتهاءً بأناقة ولباقة العاملين فيه، حيث كانوا يرتدون جميعاً أطقماً سوداء مهيبة مع ربطات عنق خمرية اللون، وتعلو وجوههم ابتسامة ترحيب هادئة، ويغدقونك دائماً بكلمات التودد والمجاملة التي توحي بأدبٍ وذوقٍ رفيعين..

 

استطعت بعد إقامة ليلة في الفندق حفظ أو تمييز وجوه بعض العاملين فيه. وفي ليلتي الثانية، حوالي الساعة العاشرة والنصف ليلاً، نزلت إلى "الميني ماركت" القريب من الفندق لشراء بعض اللوازم والحاجيات. ولما فرغت من التسوق وتوجهت إلى "الكاشيير" لدفع الحساب، وجدت شخصاً يوحي مظهره العام وطريقة حديثه بأنه "ابن شوارع".. فقد كان يُمازح المحاسب بطريقة مبتذلة، ويشاركه في ذلك باقي أفراد مجموعته المكونة من ذكور وإناث، ركنوا دراجاتهم النارية زهيدة الثمن بجوار المحل.

تجاهلتهم تماماً، ومضيت إلى طاولة الحساب لأدفع ثمن مشترياتي. فإذا بـ "ابن الشوارع" هذا يعترضني ويوجه حديثه إليّ كما لو كنت أحد أفراد "شلّته" الكريمة، ويقول لي:

Hey maaan!! how do you do??

فتفاجأت بسؤاله.. وتأملت وجهه قليلاً، ثم قلت له:

Fine, but sorry, I don't know you!

فضحك بصوتٍ أبله.. وقال لي:

You do! you talked to me when I was behind my desk!!

ثم مضى ليكمل مزاحه وحديثه العابث مع باقي أفراد مجموعته..

وهنا تذكرته جيداً!!! إنه موظف "الاستقبال" اللبق الأنيق في الفندق المحترم الذي يبعد خطوات عن هذا المحل!! ولكن بعد أن انتهى دوامه وخلع ثياب عمله (ومعها بروتوكولاته)، وكشف عن الوشم الغريب على ذراعه، وانطلق عائداً إلى منزله برفقة زملائه، مُستعيداً نمط الحياة الذي اعتاد عليه..

عند الصباح.. قابلت نفس الموظف مجدداً، ولكن هذه المرة "بيهايند هيز ديسك" على حد تعبيره، أو بالعربي الفصيح خلف طاولة الاستقبال المخصصة له.. وقد ارتدى طقمه الأسود الأنيق وعلت مُحيّاه ابتسامة الترحيب الخجولة وكلمات التحية والتودد..

اكتشفت الكثير من خلال هذا الموقف..

فقد أدركت في البداية كم تبذل الشركات والمؤسسات الكبرى من جهود لكي "تُعيد تأهيل" موظفيها بُغية أن تنسجم سلوكياتهم وطبائعهم المهنية مع المعايير الصارمة التي يقتضيها العمل، وذلك بغض النظر عن الخلفيات الثقافية والاجتماعية لهؤلاء الموظفين..

ثم تأملت قدرة البشر العالية على الالتزام بتلك المعايير عند توفر الإرادة لذلك، أو بعبارةٍ أخرى قدرة البشر على تعديل سلوكياتهم والفصل بين ما هو مهني وما هو اجتماعي. وتأملت أخيراً كم تخفي المظاهر البراقة وراءها من خلطات متناقضة وعجيبة..

وأما بيت القصيد في هذه التدوينة، فهو أن المشهد ذاته بات يتكرر أمامي يومياً، وإن بصور وأشكال مختلفة. ولعل السبب الذي دفعني لرواية هذه القصة وكتابة هذه الكلمات هو ما رأيته وقرأته على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بإعلاميين (أو إعلاميات) مخضرمين (أو مخضرمات) وعلى درجة عالية من التحصيل الأكاديمي، وينتمون إلى مؤسسات إعلامية عريقة! فتراهم خلف الكاميرات يلتزمون بأعلى معايير المهنية والدقة الصحفية، ويُظهرون براعةً منقطعة النظير في إدارة الحوارات وتوجيه الأسئلة إلى الضيوف والتعامل مع مختلف أصناف البشر.. ثم تجد صورةً مختلفة لهم تماماً على وسائل التواصل الاجتماعي، تكاد تشي بأنهم جزء لا يتجزأ من القطيع الشعبي الذي لا يعبأ بمصداقية خبر ولا بدقة معلومة.. وكأن لسان حالهم يقول: الطبع غلب التطبع..!!

أعتقد بأن علاج هذا الانفصام السلوكي لدى من يتصدرون الساحة الإعلامية قد يكفل حل بعض مشاكل شعوبنا العربية في تعاطيها مع الإعلام، خصوصاً مع ما نراه يومياً من كوارث "فيسبوكية" أو "تويترية" تجعلنا نتخيل المتابع العربي كمجرد "غنمة" تائهة في بحر من المُعطيات، وجاهزة للانقياد خلف أغبى الذئاب على وجه الأرض!

 

ساري البرازي

 من مواليد مدينة حماة 1981

- طبيب أسنان، مُحرر ومترجم طبي

 

 

 

 

علِّق