No votes yet
عدد القراءات: 766

الاستسلام المرّ..... آخر ثوار سوريا الطيبين

الكاتب الأصلي: 
Lindsey Snell
تاريخ النشر: 
3 آب (اغسطس), 2018
اللغة الأصلية: 

 

الاستسلام المر: صفوف مزقها الاقتتال ودعم أمريكي متوقف منذ زمن وقادة استمالهم الأتراك، هكذا هو اليوم حال ثوار سوريا الذين اعتقدوا أنهم سوف يطيحون بنظام الأسد. فقد هؤلاء الثوار أيَ بارقةَ أمل في تحقيق أهدافهم.

 

بعد أسابيع من القصف والمعارك، وافقت فصائل المعارضة السورية على الانسحاب من مدينة درعا والمناطق المحيطة وتسليم سلاحها لنظام الأسد نهاية يونيو/حزيران الماضي. وتبرز الأهمية الرمزية و الاستراتيجية لمحافظة درعا من كونها مهد الثورة السورية ولموقعها المتاخم للحدود الأردنية.

من منزله في بلدة الأتارب التي تتوسط محافظتي إدلب وحلب على بعد 275 ميلاً إلى الشمال من درعا، يراقب رائد الشيخ على تويتر الوضع وهو يتكشف في درعا. أرسل لي رائد رسالة على الواتس اب يقول فيها :"لقد انتهت الحرب.. يجب أن أغادر البلاد حالاً."

وإن الحرب في سوريا لتضع أوزارها بالفعل، بيد أن الخاسر الأكبر في هذه الحرب هم الثوار الذين فكر الأمريكيون يوماً ما بهم أنهم معتدلين نسبياً. كان أولئك الثوار يقاتلون نظام الأسد مع  الاحتفاظ بمعاداتهم للفصيل المحلي المرتبط بتنظيم القاعدة و الذي يسمى تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان في طور التشكل وقتذاك.

رائد هو واحد من بين الالاف من مقاتلي المعارضة في شمال غربي سوريا الذين راحوا يفكرون جدياً في مستقبلهم  في الوقت الذي تسيطر فيه قوات الرئيس الأسد المدعومة روسياً وإيرانياً على معاقل المعارضة الواحد تلو الاخر. يعمل رائد اليوم في صفوف الجبهة الوطنية لتحرير سوريا رغم أنه كان قد تنقل بين فصائل عسكرية عِدة على مدى سنين الحرب.

وخلال معظم سنين الحرب، عمل رائد كناشط إعلامي إذ كان يصور المعارك في المناطق المحاصرة التي لم يعد الصحفيون الأجانب يزورونها عام 2013. وخلال الحرب، نجح رائد ببيع بعض صوره لوسائل إعلامية أجنبية، بيد أن رائد يقول اليوم أن الاهتمام العالمي بمحنة السوريين كان قد تضاءل بمرور الزمن. ويتابع رائد قائلاً:" لقد تخلى العالم بأسره عنا ولم يعد الإعلام الدولي يعيرُ ما يجري في سوريا أيَ اهتمام."

 

يقول رائد أنه اعتبر أن المعارضة السورية خسرت الحرب حتى  ما قبل سقوط مدينة حلب بيدِ النظام السوري أواخر العام 2016. ويلقي رائد اللوم في سقوط حلب على سنوات من الاقتتال الداخلي المستمر بين مختلف الفصائل العسكرية. يقول رائد:" إذا كانت الفصائل منخرطة في الاقتتال الداخلي فيما بينها، فكيف يفترض بها أن تقاتل نظام الأسد.؟"

ويرى رائد أن جناح القاعدة في سوريا المعروف سابقاً باسم جبهة النصرة والذي غير اسمه ليصبح هيئة تحرير الشام كان له حصة الأسد في إذكاء الصراعات الداخلية بين الفصائل. وعندما استعادت هيئة تحرير الشام السيطرة على مدينة إدلب من قبضة قوات النظام عام 2015، بدأت الهيئة في ممارسة نفوذها على فصائل الجيش السوري الحر في القرى المجاورة، حيث هاجمت وصادرت أسلحة جميع الفصائل التي لم تبدِ كامل التعاون مع الهيئة. ويقول رائد :"لقد عملت هيئة تحرير الشام على تدمير الفصائل العسكرية ومن بينها فصيل جيش المجاهدين الذي كنت أعمل في صفوفه سابقاً."

و يستذكر زياد إبراهيم وهو مقاتل اخر في صفوف الجبهة الوطنية لتحرير سوريا في الأتارب كيف استقبل أهل بلدته عناصر هيئة تحير الشام لأول مرة. يقول زياد:" في بادئ الأمر، دخل عناصر الهيئة إلى بلدة الأتارب ووزعوا الطعام على المدنيين الذين بدورهم ظنوا خيراً بهؤلاء العناصر لا سيما مقارنة بعناصر الدولة الإسلامية. ولكن سُرعان ما أدركنا  أن هيئة تحرير الشام لم تكن أفضل من تنظيم الدولة إذ أنشأت معسكرات صغيرة أطقت عليها اسم مراكز التعليم الإسلامي، بيد أن تلك المراكز لم تكن سوى أماكن لغسل أدمغتنا تمامًا مثلما  فعل تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة ولكن بشكل الطف قليلاً."

 

شاهد زياد بأم عينيه كيف أن كثير من رفاق دربه المقاتلين راحوا يغيرون مظهرهم وعاداتهم، حيث استبدلوا تسريحات السبايكي ( الشعر الشائك) وملابسهم الأوروبية باللحى الطويلة والملابس الفضفاضة. وأقلع الكثير منهم عن التدخين إذ اعتبروه رذيلة محببة لدى مقاتلي الجيش السوري الحر، لكنها محظورة بفعل قوانين الشريعة التي تطبقها هيئة تحرير الشام. بعد دخول عناصر هيئة تحرير الشام إلى الأتارب، راحت النسوة يرتدين النقاب الذي يغطى كامل وجوههن، وليس فقط الحجاب أو غطاء الرأس الذي كان العُرف السائد في البلدة سابقاً. وظهرت مراكز معينة لتعليم الإناث بدعم وترويج من هيئة تحرير الشام، إذ بدا الهدف الأسمى لتلك المراكز توزيع النقاب على الإناث في المنطقة.

وقال زياد :"كان لهيئة تحرير الشام التأثير البالغ على شبابنا، بيد أن الأسوأ من ذلك هو أن الهيئة أضرت بفصائل المعارضة."

لم يكن عبد الله حسان قد تجاوز الرابعة عشرة من العمر عندما شارك بأولى معاركه في صفوف جيش المجاهدين أحد فصائل الجيش السوري الحر في بلدة كفر حلب في ريف حلب الغربي. واليوم يبلغ  عبد الله  من العمر عشرين عاماً. يقول عبد الله متحدثاً عن أولى تجاربه العسكرية:" في البداية ولمدة عام كامل، كنت  أحرس الحواجز فقط في مهمة ليس صعبة أو مخيفة. كنت في الخامسة عشرة عندما خضت أولى معاركي، لن أنسى ذلك الشعور قط، كنت خائفاً بالتأكيد ولكن كانت تغمرني السعادة."

وتُظهِر صور عبد الله في فيسبوك تحولهُ من طفل إلى  مجاهد في غضون ثلاث سنوات، حيث يظهر عبد الله في إحداها في سن الثالثة عشرة ممتطياَ الخيل ومرتدياً قميصاً وبنطلوناً من الجينز، بينما يظهر عبد الله في صورة أخرى في سن السادسة عشرة حاملاً بندقيته الرشاشة ومرتدياً ثوباً فضفاضاً و رافعاً سبابته في إشارة التوحيد.

وخلال مقابلة معه أواخر العام 2016، تعهد عبد الله بمواصلة القتال وعدم مغادرة سوريا مهما كانت الظروف قائلا:" سأقاتل حتى تتحرر بلادي وشعبي."

وليس الاقتتال الداخلي بين فصائل المعارضة سوى واحدا ضمن  قائمة طويلة من العراقيل التي تسبب خيبة أمل في صفوف من تبقى من مقاتلي المعارضة. في شباط من العام الحالي، استدعى قادة في الجيش الحر كُلاً من زياد ورائد بهدف المشاركة في معركة غصن الزيتون. آنذاك، بدأ الجيش التركي وفصائل من الجيش السوري الحر معركة غصن الزيتون للسيطرة على مدينة عفرين المحاذية للحدود السورية-التركية والتي تقطنها غالبية كردية وتخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية الحليف الأبرز لواشنطن في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في مناطق أُخرى من سوريا. وإن اولى أولويات أنقرة لهي محاربة المتمردين الأكراد داخل وخارج حدود تركيا وليس قتال نظام الأسد أو تنظيم الدولة الإسلامية.

وفورَ انطلاق عملية غصن الزيتون، ظهرت تقارير عن عمليات سلب ونهب واسعة النطاق نفذتها فصائل الجيش السوري الحر المدعومة تركياً.

 

عزز زياد ورائد تلك التقارير رغم أنهما نفيا المشاركة بعمليات السلب والنهب شخصياً إذ قال زياد:" ما فعلته فصائلنا في عفرين كان خطأً، لقد رأيت بأم عيني كيف سرق المقاتلون الملابس والسيارات والمنازل. في تلك المرحلة من الحرب شعرت كما لو أنني مجرد قاتل مأجور ليس إلا. لم نكن نحارب من أجل الثورة السورية في عفرين."

يقول رائد أن الوجود التركي الدائم على الأراضي السورية لن يساعد فصائل المعارضة كثيراً على المدى البعيد. ويتابع رائد:" لقد دعمت تركيا المعارضة السورية بشتى الوسائل لكنها لم تقدم الدعم الهام من قبيل الأسلحة التي احتجناها لقتال نظام الأسد لا بل إن الأتراك ليسوا بصدد محاربة نظام الأسد، وإنهم يستغلوننا فقط لمحاولة إبعاد خطر الأكراد عن الحدود وحالما يتحقق لهم ذلك سيتخلون عنا أيضاً."

وبنظر رائد وزياد فإن نهاية الحرب وخسارة المعارضة السورية هي نتيجة محتومة. ويُقَدِرُ رائد أن ثلاثين بالمئة من رفاقه المقاتلين ألقوا سلاحهم ببساطة وراح بعضهم يبحث عن عمل في سوريا لدرجة أنهم انتقوا  أعمال غريبة من أجل كسب عيشهم، بينما ذهب الكثير من المقاتلين ميسوري الحال إلى تركيا.

وبالعودة إلى عبد الله الذي كان قد تعهد بعدم مغادرة سوريا إلى الأبد، نجد أنه أحد الأمثلة على المقاتلين الذي غادروا البلاد فعلاً. قال عبد الله:" أصبح الاقتتال الداخلي أمراً شائعاً بين الفصائل.دمرت هيئة تحرير الشام جيش المجاهدين. وبعد كل ذلك، لم أُرِد الالتحاق بفصيل اخر. كنت بحاجة لأن أساعد عائلتي."

و اليوم فإن عائلة عبد الله التي كانت من الطبقة المتوسطة العليا قبل الحرب، لتكافحُ من أجل كسب عيشها. ويتابع عبد الله :" كان عليَ كسب المال من أجل عائلتي لذلك قررت أنه حان وقت المغادرة إلى تركيا."

وجد عبد الله عملاً بالتسويق عبر الهاتف في مدينة اسطنبول. وتظهر صور عبد الله في انستغرام تحولهُ إلى شخص اخر مُتَكَلفاً بشعره القصير أمام أحد معالم المدينة و مرتدياً قميص بولو وبنطلون من نوع خاكي.

و يقول رائد أنه نادم على كثير من قراراته السابقة. كان رائد لا يزال عازباً عندما بدأت الحرب، بيد أنه تزوجَ لاحقاً وأصبح أباً لثلاثة أطفال. وتابع رائد:" لم أكن لأفكر في إنجاب ثلاثة أطفال لو أني عرفت أن هكذا سيكون حالنا في 2018، لقد كنا متيقنين تماماً من أننا سنكسب الحرب وأن هؤلاء الأطفال سيكبرون في دولة يعُمها السلام حيث مكان للأسد فيها، لكننا كنا مخطئين، ولو أن الزمان يعود بي لكنت قد غادرت سوريا منذ العام 2015."

ويندفع رائد لتوفير ما يكفي من المال لنقل عائلته إلى تركيا، ويُومن أن أي نصرٍ مطلقٍ للأسد في هذه الحرب يعني ولادة ردة فعل انتقامية متوحشة ضد كل من حمل السلاح في وجه الأسد. يقول رائد:" حتى في ظل اتفاقيات العفو، إلا أن نظام الأسد ليس لديه سوى الكذب والدليل هو أن النظام خرق كل اتفاقيات وقف اطلاق النار التي تظاهر بالموافقة عليها خلال السنوات الماضية، الأسدُ كاذب ولن يدخرَ جهداً في سبيل الانتقام منا بشتى السبل."

وينطبق الحال ذاته على زياد الذي تزوج حديثاً ورُزِقَ بطفل. يقول زياد:" أريد البقاء في سوريا لكني أشعر أن الحرب قد انتهت، أريد أن تظل عائلتي بأمان."

أما بالنسبة للمدنيين في ما تبقى من مناطق تحت سيطرة المعارضة، يقول رائد رغم صعوبة الاعتراف بذلك، إلا أنه يعتقد أن معظم أولئك المدنيين على استعداد للقبول بسوريا يحكمها نظام الأسد من جديد. ويتابع: "هؤلاء الناس ليسوا مقاتلين، انقلبت حياتهم إلى جحيم على مدار سبع سنوات، لقد انهكتهم الحرب والعيش تحت القصف والخوف. هذه ليست حياة."

 

 

-----------------------

الكاتب:

Lindsey Snellصحفية تغطي النزاعات والأزمات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا سيما في سوريا والعراق وتونس.

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 689199

مقالات المترجم