عدد القراءات: 14417

الإيغور المهاجرون… بعد إيران هل دخلت تركيا على خط العبث بالديموغرافية السورية؟


تحقيق: مؤيد اسكيف

أثارت المعلومات الأخيرة التي يتم تناقلها عن توطين " الإيغور" في شمال غرب إدلب النقاش في الأوساط السورية عن إمكانية دخول تركيا على خط المشاركة في عملية التغيير الديموغرافي الحاصلة في سوريا.

هذه المعلومات عن توطين هنا أو توطين هناك، لايمكن تبنيها دون البحث فيها و التأكد من مصداقيتها قبل أن يتم إعلان تركيا كطرف إضافي بعد إيران يحاول العبث بالديموغرافية السورية.

 

معلومات متضاربة تفيد أن تركيا تستجلب أو تساهم أو على الاقل تغض النظر عن استجلاب عنصر عرقي جديد  هم "الإيغور التركستان" من غربي الصين أماكن تواجدهم الحالية، ومنذ أواسط عام 2014 بدأ ظهور هذا المكون الجديد، وتفيد المعلومات التي حصل عليها "السوري الجديد" بأن الآلاف منهم "نحو خمسة عشرة ألفاً" قد استوطنوا مع عائلاتهم في قرى سورية قريبة من الحدود مع تركيا والرقم في ازدياد، و أغلب هذه القرى تقع في محيط جسر الشغور (400 كيلو متر شمال دمشق) التي كان "للتركستان الإيغور" دور حاسم في تحريرها من قبضة النظام، و تمتد هذه المناطق من جسر الشغور غرباً و شمالاً و حتى الحدود التركية عند جبل التركمان أو مايعرف جغرافيا باسم " جبل الباير"  و شمالا حتى سلقين، إضافة إلى عدة "مستوطنات" في جبل السماق الواقع بالقرب من حارم، وكلها تقع على الشريط الحدودي المحاذي لولاية هاتاي – انطاكيا.

"السوري الجديد" يفتح هذا الملف محاولاً التحقق من صحة هذه المعلومات، فقمنا بالتواصل مع سكان محليين من مناطق مختلفة في شمالي ريف إدلب إضافة لشخصيات أخرى متابعة لهذه القضية.

 

تجربة الاستيطان على الأرض السورية

ارتبطت عملية الاستيطان و بناء المستوطنات في الذهنية السورية بما قام به اليهود الذين قدموا من كل العالم  إلى فلسطين من عمليات تهجير للسكان الأصليين ومن ثم أقاموا في تلك الأرض و أنشؤوا فيها دولتهم، وما تزال قضية هؤلاء السكان من الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى دول الجوار و من ثم إلى كل دول العالم واحدة من القضايا المسكوت عنها والتي بدأ يطويها النسيان.

يبدو أن هذا السيناريو يتكرر في سوريا و لكن بأشكال و صيغ أكثر تعقيداً و تركيباً، نظراً لعدم تبني عمليات الهجرة التي تحصل إلى سوريا و توطين المهاجرين من أي جهة كانت، و بسبب التهرب من تحمل المسؤولية الكاملة و إعلان الهجرة و الاستيطان كمشروع دائم، وقد ساهم العنف الدائر في سوريا خاصة الذي يقوم به النظام و تنظيم داعش، في تغطية عمليات التوطين التي تحدث، و لم يعد ممكناً في ظلّ هذا الإجرام، الحديث عن مظلومية التهجير و استبدال السكان الأصليين و المعترف بهم كسوريين قانوناً.


 

الايرانيون يفتحون باب الاستيطان

اعتمد نظام الأسد عسكرياً على الميليشيات الشيعية (الإيرانية و العراقية و اللبنانية) التي تم استيرادها من الخارج، و كان من نتيجة هذا الأمر بدء عمليات توطين و تجنيس لعناصر هذه الميليشات و عائلاتهم، المعلومات تتحدث عن أن أعدادهم وصلت إلى عشرات الآلاف وهم في تزايد مستمر، و بحسب الكثير من التقارير والمعلومات المتداولة، فقد صارت مناطق من ريف دمشق الجنوبي تضم مستوطنات من هؤلاء المستوطنين الجدد من الشيعة الإيرانيين و الأفغان "الهزارة"، و الذين كانوا بالأساس لاجئين في إيران منذ عقود.

تعتبر المفاوضات الخاصة بوقف إطلاق النار في الزبداني و ترحيل سكانها منها على رأسهم الثوار و استبدالهم بسكان شيعة من قرى في ريف إدلب و ريف حلب أول عملية معلنة وبرعاية دولية لشرعنة هذه المستوطنات و إعطائها الطابع القانوني، لتصبح عملية استيطان الشيعة من العراقيين و الإيرانيين والأفغان، و لاحقاً مقاتلين كوريين شماليين بداية لعملية تغيير ديموغرافي كبرى في بنية المجتمع السوري.

باحث سوري يتحفظ على ذكر اسمه  يعتبر أن النظام السوري هو المسؤول الأول عن عمليات الاستيطان في سوريا، وذلك لأنه أغلق كل أبواب الحوار السياسي و خلق بيئة مناسبة لكل أشكال الفوضى في سوريا و المنطقة.

ويضيف الباحث:

"إن النظام شريك أساسي في الجريمة باعتباره قد منح هؤلاء المستوطنيين الجدد الجنسيات السورية، في حين تستعصي هذه الجنسية على أبنائها الذين يصعب عليهم الحصول على جوازات سفر أو حتى تجديدها، و يبدو أن هذا الأمر ترجمة عملية لما قاله بشار الأسد في خطابه في شهر تموز الماضي بأن سوريا لمن يدافع عنها، وبذلك يكون قد فتح الباب واسعاً أمام عمليات التغيير الديموغرافي"


 

من هم الإيغور " التركستان"

يطلق اسم الإيغور على أحد الشعوب التركية  و التي تتركز في منطقة تركستان الشرقية ذاتية الحكم، والواقعة شمال غربي الصين على مساحة تعادل 1/6 من مساحة الصين، كما يتواجد بعض الإيغور في بعض مناطق جنوب وسط الصين. يدين الإيغور بالإسلام، ولديهم حركة سياسية إسلامية يمكن اعتبار أنها تنتمي عقائدياً للسلفية الجهادية.

تسكن الشعوب التركمانية منطقة أواسط آسيا كلها، و الأتراك هم أحد تلك الشعوب التركمانية التي أتت من أواسط آسيا و تمت تسميتهم بالعثمانيين، تبعاً للعشيرة التي كانت مسيطرة وهي من قبيلة آل عثمان.

وقد بدأت هذه القبائل في هجرتها إلى الأناضول في مطلع الألف الثاني و في بداية 1200 ميلادي ثم شرعوا في إنشاء بعض الإمارات التي كانت على صراع مع الدولة البيزنطية إلى تمكنوا من السيطرة على القسطنيطية سنة 1453م.

يبلغ عدد السكان الإيغور في الصين نحو  أحد  عشرة مليوناً، كما يتواجد بعضهم في دول مجاورة مثل كازخستان و أوزبكستان و قرغيزستان وتركيا ولكن أعدادهم في هذه الدول قليلة جداً، و تبلغ أكثرها في كازخستان بـنحو مئتي ألف نسمة.

دار صراع طويل بين "تركستان الشرقية" والحكومة الصينية التي تمكنت في النهاية من الهيمنة على هذا الإقليم وضمه إليها سنة 1949، وقامت الحكومة الصينية بتوطين عرق "الهان" في تلك المنطقة من أجل التغيير الديموغرافي بحسب ما جاء في "الويكيبيديا" ومصادر أخرى، ما يعني أن الإيغور تعرضوا لعمليات تهجير كتلك التي يقومون بها الآن.

يتكلم الإيغور اللغة الإيغورية، و هي إحدى اللغات التركية، و تكتب حروفها بالعربية إلى الآن، إلا أنهم لا يتقنون اللغة التركية المعروفة بشكلها الحالي، وبعض الإيغور المتواجدين في سوريا يتكلمون العربية الفصحى ولكن بركاكة.

أشكال الإيغور من الأشكال الصينية،قصار القامة، عيون صغيرة سوداء، وبشرة صفراء مائلة إلى السمرة، و شعر أسود.

 

الإيغور في الإعلام التركي

يظهر الإعلام التركي الكثير من التعاطف مع قضايا الإيغوريين و قد أوردت وسائل إعلام تركية أخباراً عن هجرتهم إلى سوريا، فقد نشر موقع "تي آر تي عربية" التابع لهيئة الإذاعة والتلفزيون التركية في 29 ايلول/سبتمبر المنصرم خبرا بعنوان:

"استمرارا لمسلسل الاضطهاد .. الصين تتلاعب بالإيغور المسلمين" وتحدث الخبر عن قيام عناصر مخابراتية صينية بإقناع الإيغوريين بأن بإمكانهم العيش في سوريا، كما دفعتهم للفرار من أجواء التضييق والحظر الديني التي يعيشونها في بلدهم، ومن ثم يتم إرسالهم على شكل مجموعات مؤلفة من 50 شخصاً إلى سوريا، والتي تبعد أكثر من 3000 كيلومتر عن الصين، دون جواز أو وثيقة سفر.

ويضيف الخبر:

"تهدف المخابرات من ذلك، لإظهار الإيغور المسلمين كمجموعات إرهابية متطرفة، في محاولة لربطهم بداعش والجماعات المتشددة، وحتى الآن فقد تم إرسال ما يقارب 5 آلاف شخص إلى سوريا، ألقت أجهزة الأمن التركية القبض على 400 منهم في الأشهر الأربعة الأخيرة، أثناء محاولتهم العبور إلى سوريا."

 

وفي1/12/2014 كان سبق لوكالة الأناضول للأنباء التركية أن نشرت تقريرا يحمل العنوان التالي:

" مسلمو الأيغور يفضلون نار الحرب السورية على قمع السلطات الصينية" وجاء في التقرير الذي كتبته مريم قاسم من حلب:

فضلت أسرٌ من أتراك الصين المسلمينالأيغور العيش تحت نار الحرب في سوريا؛ على العيش تحت قمع واضطهاد السلطات الصينية، في إقليم تركستان الشرقية شينجيانغ، بحسب ما أشار إليه إبراهيم منصور ؛ المسؤول في حزب تركستان الإسلامي.

وبين منصور أنه يترأس جماعة الأيغور المؤلفة من عشرات العائلات المهاجرة إلى سوريا، وأنهم رجَّحوا نار الحرب السورية؛ على التضييق والتلسط، وكبت الحريات، ومنع المسلمين من أداء شعائرهم الدينية؛ تلك الممارسات التي تقوم بها السلطات الصينية.

وأوضح منصور أنهم يقاتلون ضمن صفوف الجيش السوري الحر والجبهة الإسلامية، ولا تربطهم أية صلة بتنظيم القاعدة، قائلاً: "قتالنا مُنصبّ ضد نظام بشار الأسد، جنباً إلى جنب مع إخواننا السوريين، فلا أحد يترك وطنه الأم وأهله، ويهاجر إلى أرض تستعر فيها نيران الحرب، لو لم تجبره الظروف على ذلك".

ويطالب سكان إقليم تركستان الشرقية ذي الغالبية المسلمة - والذي تطلق عليه الصين اسم "شينجيانغ" - بالاستقلال عن الصين، "التي احتلت بلادهم قبل (64) عاما"، ويشهد الإقليم أعمال عنف دامية منذ عام (2009)، في عاصمة الإقليم "أورومجي"، قتل فيها حوالي (200) شخص، بحسب الأرقام الرسمية."

انتهى التقرير.

 

الإيغور في سوريا

أبو محمد أحد قادة الكتائب سابقا يقول بأن تواجد الإيغور بدأ بالظهور صيف العام الماضي، وما عرفنا عنهم إلا الشجاعة في قتالهم للنظام، ولكن أعدادهم تتزايد ولا نعرف ماهو مستقبلهم لاحقاً بعد أن تنتهي الحرب ويتوقف القتال، لاتوجد رؤية واضحة لهذا الأمر،  والناس عادة تريد الهرب ..

هذا الكلام يؤكده أحد السكان المحليين من قرية فرجين شمال جسر الشغور ويضيف بأنه من أواسط عام 2014 بدأ ظهور الايغور يصبح لافتاً، وهو في تزايد منذ ذلك الوقت، و أحياناً يقوموا بعمليات شراء للمنازل ليعيشوا فيها وذلك بعد أن يجلبوا عائلاتهم.

أبو محمد وهو مواطن عادي يصف هؤلاء الإيغور فيقول:

"إنهم مميزون بأشكالهم الصينية، بقاماتهم القصيرة و ملامح الوجوه، الرجال يرتدون زيّا عسكرياً خلال تنقلاتهم، وهم في حالة جاهزية قتالية دائمة، ويرتدي بعضهم اللباس المدني العادي كبقية السوريين من سكان تلك المناطق، والنساء يرتدين النقاب الأسود ولايظهر من أجسادهن أي شيء.

و هذا ما يجمع عليه سكان محليون آخرون من مناطق مختلفة من قرية الجميلية و الزنبقي و الغسانية و اليعوقبية حيث ينتشر الإيغور.

ويضيف العديد من هؤلاء السكان وهم جميعهم من "العرب السنة" باستثناء قريتي الغسانية واليعقوبية المسيحيتين، بأن الإيغور لم يتببوا بأية مشاكل مع الناس رغم تشددهم الديني، ولا أحد من السكان يتدخل في شؤونهم أو يعرف عنهم أي شيء، يتكلمون لغة غريبة عنا وبعضهم يتكلم اللغة العربية الفصحى، ولكن لاتوجد أي علاقات اجتماعية معهم أو مع عائلاتهم فهم شبه منعزلين رغم أنهم يسكنون بيننا أحياناً"

ويضيف بعضهم بأن هؤلاء يتعاملون مع الناس باحترام، وتوجد ملامح ودّ على وجوههم، ولكن كل مايعرفونه عنهم أنهم مقاتلون سوف يعودون هم وعائلاتهم بعد انتهاء هذه الفوضى.

أحدهم يقول بأنه في بعض مناطق تواجدهم لايمكن لأحد الدخول أو معرفة مايجري، هم منغلقون على بعضهم بشكل كبير.

أبو محمد القائد العسكري يقول بأن هؤلاء يقاتلون مع النصرة في المعارك فقط، ولكنهم ليسوا جزء منها، ولديهم تشكيلاتهم الخاصة بهم وهم على علاقة جيدة بالقوى التركمانية في المنطقة، وهم ممن حارب داعش، و يؤكدون دوماً على عداوتهم لتنظيم الدولة.

و عن أعدادهم يقول أبو محمد بأنهم يبلغون نحو عشرين ألفاً، ولكن هذا الرقم خالفه أكثر من عشرة أشخاص من السكان المحليين الذين قدروا العدد بنحو خمسة عشرة ألفا دون أن يغفلوا بأنهم في ازدياد بشكل عام.

السكان المحليون من أهالي تلك المناطق قالوا أيضاً بأن الإيغور يتمتعون بوضع مالي جيد قياساً إلى المجتمع المحلي هناك، وأنهم أحياناً يشترون المنازل من أجل السكن وينجبون الأولاد بكثرة، و أنه رغم أن غالبيتهم يقاتلون داعش، فإن منهم من يقاتل بصفوفها فعلاً، حيث ظهر عديدون منهم بملامحهم الصينية في الفيديوهات الدعائية الرسمية التي تنشرها داعش.

 

يعود أبو محمد القائد العسكري في أحد الكتائب السابقة ليتحدث عن تركيبة المنطقة العسكرية فيقول بأن:

" الحزب التركماني موجود بقوة حيث يتشكل هذا الحزب من أبناء منطقة جبل الباير، و الذي يسمى شعبياً بجبل التركمان في محافظة اللاذقية .. و من أبناء هذه المنطقة تشكلت كتيبة اسمها الفرقة الثالثة الساحلية، و حينما تم التجهيز لمعركة جسر الشغور اقتربوا من المنطقة، و في فترة التجهيز التي يعود عمرها لأكثر من سبع شهور قبل المعركة تم استجلاب  مجموعات من الإيغور كرافد لهم للدعم العسكري .. و كلما اقترب موعد المعركة أكثر كانت أعدادهم في ازدياد بشكل مستمر و كلهم يتبعون للسلفية الجهادية و بالتالي فإن مرجعيتهم هي القاعدة ..

المعارض السوري ماهر شرف الدين يقول بأن نحو ستين بيتاً في جبل السماق يسكنها مهاجرون قادمون من الإيغور. وجبل السماق الواقع في شمال غرب إدلب فيه العديد من القرى الدرزية التي تعرض سكانها لمضايقات جعلت بعضهم يغادر مكرهاً خاصة بعد المجزرة التي قام بها أمير تونسي في جبهة النصرة بحق أكثر من عشرين مدنياً.

ومع بعض قرى جبل السماق تكون المناطق التي ينتشر فيها الإيغور هي: الغسانية وبعض المناطق المحيطة بها حتى بلدة " بداما" والناجية و شمالا نحو قرية الشغر وماحولها وصولا إلى قرية فرجين و حتى اليعقوبية والجميلية ومحيطها وصولا إلى الزنبقي و مناطق سلقين شمالا وصولا إلى جبل السماق في أقصى الشمال الغربي.

 

سوريا المستباحة

باحث سوري يتحفظ على ذكر اسمه لأسباب خاصة يبدي رأيه في الموضوع فيعبر عن خشيته من كون "هذا الاستقدام للإيغور منظماً من قبل السلطات التركية، ويقول بأن هذا الأمر يدعمه الحديث عن عمليات تدريب عسكري واستقدام للعائلات، ولا ننسى أنهم متواجدون على الحواجز بأشكالهم الصينية، وهنا لا نتحدث عن سر بل عن قوة منظمة يمكن أن تدعم أي منطقة عازلة في المنطقة خصوصا بين علوييّ تركيا و علوييّ سوريا"

ويضيف الباحث:

"أعتقد أنه تحضير للبقاء و ليس للذهاب، هذه كتائب إسلامية متطرفة كما تعلن عن نفسها بارتباطها بالقاعد،ة وهكذا تكون تضاعفت فرصة القوى الإسلامية من تمكين قوتها على الأرض، حينما يغادر شخص مع عائلته من الصين إلى بلد بعيد كسوريا وهو واجب عقيدة، فهذا يعني أن تأثيرهم على سوريا سلبي بغض النظر إن كان وجودهم توطيناً مقصوداً أو لا.

و بجميع الأحوال فإن هذا الأمر غير مقبول على الإطلاق، لأن الحديث كان عن إيران و دورها في توطين الشيعة في الأراضي السورية ويصعب تصديق أن تركيا تقوم بنفس الخطوة.

ولكن هذا الموضوع إن كان صحيحاً فهو يحيلنا إلى المطامع التركية القديمة في شمال سوريا، و هذا الموضوع لا يمكن النظر إليه بمعزل عن ماقامت به مجموعة من القوى الاسلامية من إعلان تبني الليرة التركية بدلاً عن الليرة السورية، فأنا أرى أن الحالة عبارة عن عملية تتريك موصوفة، خصوصاً و أن اللغة و العملة تشكلان أهم مقومات اللحمة الوطنية والهوية الوطنية، فاللغة تخلق إمكانية تواصل الناس مع بعضهم و النقد يتيح الوحدة الاقتصادية و التبادل التجاري الحر"

و عن دور الإئتلاف في مثل هذه القضية يقول الباحث بأن:

" المعارضة لن تستطيع القيام بشيء حيث إن تركيا هي نافذة السوريين حالياً، وبوابتها إلى العالم. فضلا عن أن وجود مقرات الإئتلاف في تركيا تعقد المسألة، أعتقد أن الإئتلاف لايجرؤ على اتخاذ خطوات في هذا السياق، وسوف يكون متأخرً كما العادة، وهذه المعلومات إذا صحت فعلاً  -و وجود الإيغور على الأرض يدعم هذا الكلام-  فهذا يعني أن سلوك تركيا صار يشبه سلوك إيران في هذه الناحية، و لكن المشكلة أن ما قامت به تركيا مؤلم أكثر باعتبارها قدمت نفسها كصديقة للشعب السوري.

"إن سوريا مستباحة".. بحسب تعبير الباحث الذي يستذكر قصيدة سميح القاسم التي تحكي عن هجرة اليهود إلى فلسطين:

وطني يا قرطاً يتأرجح

من أذن الكرة الأرضيهْ

يا امرأة تفتح فخذيها للريح الغربيهْ

 

ميثاق روما

المحامي محمد صبرا وهو رئيس حزب الجمهورية السوري، يستعين مباشرة بالفقرة الثامنة من ميثاق روما والتي تنص على

"قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر بنقل أجزاء من سكانها المدنيين الى الأرض التي تحتلها أو إبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منه داخل هذه الأرض أو خارجها"
ويشرح صبرا استعانته بهذه الفقرة فيقول بأنها تتحدث عن جريمة الاستيطان كجريمة حرب، و لكن للأسف تطبيق هذه المادة -و كي نكون علميين و موضوعين- يحتاج أولاً من إعلان الدولة التي تقوم بهذا العمل بأنها دولة احتلال، و هذا غير متوفر الآن و لم يعلن أي طرف سواء الأتراك أو الإيرانيون أنفسهم كمحتلين.

و النقطة الأخطر في كل ذلك أن المسؤول عن هذه الجريمة هي الميليشيات المسلحة السورية التي تحمي عمليات التغيير الديموغرافي.

خطورة الموضوع من الناحية القانونية أيضا أن عمليات التوطين تتم باستغلال الفراغ الكامل للدولة السورية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، و في ظل عدم وجود أجهزة حكومية قادرة على تحديد من هم (الوطنيون) بالتعريف القانوني، أي طبقاً لسجلات الأحوال المدنية، و في ظل وجود إمكانية العبث بهذه السجلات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فإن هذا يثير كثيراً من الريبة و الشك في إدخال مجموعات من السكان في عداد الوطنيين حملة الجنسية السورية وفق القوانين النافذة، مما سيؤدي على المدى المتوسط إلى تغيير ديموغرافي يؤثر على بنية المجتمع السوري بنفسه.

لكن في مطلق الأحوال – يضيف صبرا -  حتى و إن كان من الصعب في الوضع الراهن تحديد المسؤوليات القانونية عن الأطراف التي تقف وراء التغيير الديموغرافي،  فإن هذا لا ينفي الصفة الجرمية عن الفعل، و هي أنه  جريمة حرب وفق ميثاق روما لأن الصفة الجرمية عن الفعل تنفصل عن تحديد المسؤول عنه، و الاستيطان بحد ذاته هو جريمة حرب بغض النظر من المسؤول عن ارتكابه.

 

توطين الشيعة

يتابع صبرا: هذا كله ينطبق تحديداً على ما تقوم به إيران في منطقة السيدة زينب و عقربا و الذيابية و بيت سحم و البحدلية وغيرها من المناطق في غوطة دمشق، بتوطين نحو مائة و خمسون ألف شيعي من إيران و العراق .

وهذه المنطقة بالأساس يسكنها النازحون السوريون من الجولان عام 1967، و تم تهجيرهم بالكامل من مناطقهم خلال الثورة إلى الجزء المحرر الواقع في محافظة القنيطرة.

وبعد تهجيرهم من هذه المناطق تم استبدالهم بسكان أفغان شيعة من الهزارة وهؤلاء كانوا موجودين كلاجئين في إيران منذ الحرب السوفيتية وهم يشكلون حالة قلق أمني لإيران لاحترافهم مسألة تهريب المخدرات بين إيران و أفغانستان و من مصلحة إيران التخلص منهم و ذلك عبر دفعهم للقتال في سوريا من ناحية و توطينهم في هذه المناطق و يضاف إليهم مجموعة كبيرة من العراقيين الذين قدموا إلى سوريا منذ نهاية السبعينيات و أقاموا في السيدة زينب منذ تلك الفترة و حتى الان و هؤلاء يشكلون القوة الأساسية المقاتلة لألوية أبو الفضل العباس و لواء فاطميون .

ينهي صبرا حديثه بالقول: استولوا على بيوت الأهالي جميعا و أقاموا فيها هم و عائلاتهم ..

 

نفي تركي

الصحفي التركي محمد زاهد غول المقرب من صناع القرار في تركيا يقلل من شأن هذه المعلومات، ويقول بأن الأمر يتم تضخيمه وهو غير صحيح بالمطلق.

و بحسب غول فإن نحو ألفين إلى ثلاثة هو الرقم الصحيح لتواجد الإيغور في سوريا، و أن وجودهم جزء من هجرة المقاتلين إلى سوريا للجهاد، يضيف غول:

أعتقد جازما أن الحكومة التركية ليست مسؤولة عن مثل هذا الأمر، وهذا يأتي في سياق الاتهامات الدائمة لتركيا، فحتى في تركيا فإن عدد الإيغور يقدر بعشرات الآلاف فقط  و متواجدون منذ السبعينات، ولهم جمعياتهم حيث إن تركيا من أكثر الدول التي تدافع عن حقوق الايغور بشكل عام ..ولكن أي كلام عن توطينهم في سوريا غير منطقي، و بالأساس يصعب تنفيذ مثل هذا الأمر و حتى إن تركيا ليست بحاجة لمثل هذا الفعل، فهناك التركمان وموجودين في مناطقهم في سورية، فلماذا يتم استقدام أناس من أماكن مختلفة فضلاً عن أن تواجد المقاتلين الإيغور في سوريا لا ينحصر في المناطق الحدودية فقط.

ويؤكد زاهد غول مجدداً بأن هذا النوع من الاتهامات ضد تركيا تكرر دوما وكثيرا ماتم الحديث عن معسكرات تدريب، وهذا كلام كله يدعو للضحك.

يضيف غول:

من الصعب أن تتحدث عن سياسة توطين في ظل سياسة التهجير. أنا أرى بأن التقسيم حاصل الآن في سوريا وهي مقطعة الاوصال، ولكن لايمكن لهذا العدد البسيط تغيير الموازين أو تغيير المعادلة السياسية أو الديموغرافية، و لذلك أجدد رفضي لهذه المعلومات ولو كان هناك مثل هذا التصرف فلا أحد سيسمح بحدوثه، ومايتم الحديث عنه من قرار للتقسيم فلن يأتي من تركيا على كل حال.

 

نفي تركماني

من جهته ينفي سمير علو الأمين العام للهيئة العليا لتركمان سوريا علمه بمثل هذا الموضوع ويقول:

لا أعتقد أن تركيا لديها مثل هذه الاسترايتيجة ولو كان هناك مثل هذا الكلام لكان تركمان سوريا أحق بالتمكين والتوطين والدعم .. إن وجود الإيغور على الأرض لا يعني أن تركيا تتقصد توطينهم فهم جزء من المهاجرين من كل مكان ومن كل الدول إلى سوريا مثل الأوربيين وغيرهم.

ويضيف: "هناك من يلعب على هذا الوتر من أجل الضغط على تركيا وإضعاف موقفها وتشويه ماتقدمه تركيا للسوريين أعتقد انها فتنة للنيل من مواقف تركيا المشرفة حيث أن ماقدمته لم تقدمه أي دولة أخرى في العالم سواء على مستوى اللاجئين أو غير ذلك."

 

حاول السوري الجديد الحصول على المزيد من الآراء من مصادر تركية مطلعة على القضية وكان النفي سيد الإجابات، وهذا أمر طبيعي لقضية من هذا النوع، إذ لايمكن لأي طرف أن يعلن رسمياً عن قيامه بمثل هذا التغيير، ولكن المشاهدات على أرض الواقع تؤكد وجود تغيرات ديموغرافية كبيرة تحدث في مناطق مختلفة من سوريا سواء في الشمال أو الغرب أو الجنوب أو الجزيرة السورية أو في المناطق الشرقية، و هذا مايضع أمام السوريين المزيد من التحديات في مسيرة خلاصهم، حيث إن النفي أو التجاهل أو التقليل من شأن أي عمليات تغيير ديموغرافي حاصلة في سوريا، وفي أية منطقة كانت و من أي طرف كان، يزرع قنابل موقوتة في المستقبل السوري مالم يتم تدارك الموضوع و العمل على إثارة هذه القضية ضمن الإطار الوطني كي لا نكون فلسطينيي القرن الواحد والعشرين في ظل الهروب اليومي للسوريين من وطنهم وذلك بعد دفعهم للهجرة بكل السبل و الوسائل العنفية والعدمية.

التوطين لايعني بالضرورة منح جوزات سفر أو وثائق  رسمية للمستوطنين الجدد سورية، بل هو واقع و ثقل ديموغرافي يفرض نفسه بقوة السلاح مستغلاً حالة الفوضى ، والذي سرعان ما يكتسب شرعية من نوع ما مع تقادم الزمن.

مشاهد لمشاركة الايغور بالقتال في سورية

علِّق