عدد القراءات: 3549

الإسلاميون والعلاقة مع الاخر؟

إن العدل هو جوهر الإسلام وغايته؛ ومخالفة نص ما لتحقيق العدل؛ أرقى دينيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا من إيقاع الظلم بذريعة الالتزام بالنص، وهذه قيمة سماويةُ الأخلاقِ؛ تخالف سلوكات يتمترس بها مَنْ يرى أنّ نصًا ما على علته؛ يجب التمسك به والعمل فيه؛ حتى لو خالف تلك القيمة الإنسانية الأخلاقية وهدي السماء. فتثور ثائرة التراثيين لمجرد أنك سجلت موقفًا من نص ما مقابل حالة إنسانية هي جوهر رسالات السماء.

وكلما تناولنا بالنقد نصاً مشبوهاً أو مسيئاً لقيم السماء والإنسانية والعدل؛ أو فتوى تتعارض مع روح الإسلام ومقاصده؛ انبرى نحونا من يقدسون التراث بالتشكيك بإيماننا وتفسيقنا وزندقتنا بدلًا من مناقشة الفكرة ذاتها وتصويبها. والأمثلة على تلك الحالات كثيرة. ولكنْ هناك نص نحتاج ونحن نعيش عصر المواطنة وحقوق الإنسان والديمقراطية أن نتوقف عنده مليًا.

نسمع بعض دعاة الفضائيات الدينية؛ وهم يرددون حديثًا منسوبًا لرسول الله يتنافى مع القرآن الكريم؛ ويتعارض مع رسالة النبوة؛ رواه مسلم في صحيحه عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة  يقول: لا تبدؤوا اليهودَ ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدَهم في طريقٍ فاضطروه إلى أضيقه.

هذا الحديث مخالف للدليل القرآني وهدي الرسول ﷺ وعندما نبحث فيه وندرسه من خلال (علم الحديث) يتبين لنا أنّ فيه عللًا في متنه وسنده. وكل مَنْ يعمل به اليوم إنما يشجع ثقافةَ القطيعة مع الآخر ممن يعيش معه في المجتمع؛ ويرفض ثقافة المشاركة التي هي أصل من أصول القرآن الكريم.

 

دراسة الحديث:

عندما ندرس هذا الحديث ستتضح لنا علٌل كثيرة تشوبه؛ توجب علينا أن نوقف العمل به (حتى لو صح سندًا) لأنه يحكم على أجيال مستقبلية دون ذنب اقترفته؛ ويُسيء للآخرين بذريعة التمسك بهذا النص.

 

مناقشة مَتْن الحديث:

إن متن الحديث يعاني من اضطراب كبير لعدة أسباب وهي:

1ـ إن عدم معرفة أسباب ورود الحديث النبوي تجعله موظفًا توظيفًا خارج الإطار الذي قيل بسببه، وهذه إشكالية كبيرة لم يتم العمل عليها. قبل غزوة الخندق التي وقعت في شوال من السنة الخامسة للهجرة؛ وقَّع أهل المدينة (مسلمون ومشركون ويهود) من خلال قبائلهم في السنة الأولى للهجرة عقدًا اجتماعيًا أُطلق عليه(صحيفة المدينة) من أهم نقاطه أن مجتمع المدينة مجتمٌع واحٌد، متكافٌل اجتماعيًا، ومتعاون فيما بينه ضد أي عدوان خارجي.

عندما وقعت غزوة الخندق وحاصر المشركون المدينة وقعت خيانة ونقض لصحيفة المدينة من قبل يهود بني النضير وهم من الموقعين على الصحيفة؛ وتعاونوا كطابور خامس مع محاصري المدينة؛ كما حاولوا اغتيال رسول الله ﷺ الذي أصبح زعيمًا للمدينة بموجب الصحيفة؛ وبلغ الرسول غدرهم وخيانتهم؛ فلما انتهت الغزوة؛ جهز أصحابه وتوجه لبني النضير لمعاقبتهم على خيانتهم الوطنية ونكثهم لصحيفة المدينة؛ وحتى يتم التفريق ما بين يهودي تعامل مع الخارج وآخر لم يتعامل، قال ﷺ لأصحابه: إنا غادون إلى بني النضير فلا تبدأوهم بالسلام.( رواه أحمد).

إلقاء السلام عند العرب كان عهدًا يلتزم به مَنْ يلقيه ليؤكد أنه على العهد لا يغدر ولا يخون؛ وحينما يطالب النبي أصحابه بذلك حتى يتم التفريق ما بين من غدر وخان ممن بقي على العهد، وهذا يعني أن مَنْ يبدأ المسلمين القادمين من بني النضير فهو ليس ممن ذلك الفريق الخائن.

2ـ الحديث له تاريخيته المتعلقة بحدث محدد بواقعة معينة؛ ولا يدعو المسلمين ليجعلوا منه سُنة مع الآخرين في كل زمان ومكان، لأن ذلك يخالف أصول القرآن الكريم ولا يتناسب مع أخلاق النبوة في الدعوة لأسباب سنبينها لاحقًا.

3ـ الحديث ذاته يتعارض مع عموم الهدي القرآني؛ فليس كل مَنْ هو غير مؤمن نحن ممنوعون من مبادرته بالسلام؛ حتى ولو كان غير مؤمن بديننا وهذا ما بينته آيات كثيرة منها:

اـ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً.(النساء:94). وهذه الآية واضحة في دلالتها ومخالفتها لمن جعل الحديث المذكور سنة يجب العمل بها.

ب ـ في حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه المشرك بيّن أنه رغم كفر والده وشركه ألقى عليه السلام: قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً.(مريم:47)

ج ـ في حوارية النبي مع اليهود ودعوتهم للإسلام بين أن مَنْ آمن ورأى من الآخر إعراضًا ولغوًا يتركه وشأنه ويلقي عليه السلام: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ.(القصص:55)

د ـ ابن عيينة قال يجوز ابتداء الكافر بالسلام لقوله تعالى:لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين.

4ـ سُنة النبي كانت على عكس هذا الحديث فقد طالب أصحابه بإفشاء السلام على الناس جميعًا بغض النظر عن اعتقادهم؛ وهذا ثابت بلا خلاف عنهﷺ فعندما سئل: أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.(البخاري ومسلم)

وعن أبي أمامة: أن ﷺ كان لا يمر بمسلم ولا يهودي ولا نصراني إلا بدأه بالسلام.(ابن ماجه).

وكذلك ما ورد عن الصحابة: أمرنا ﷺ بسبع....وإفشاء السلام.(البخاري ومسلم).

كما ثبت أن ابن عباس كان إذا كتب لأهل الكتاب يفتتحه بالسلام عليك كما ذكر ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه.

5ـ القول بهذا الحديث أنه سُنة تأخذ فعل الديمومة لا التاريخية؛ والحكم على أجيال من أهل الكتاب بعدم الثقة فيهم؛ يؤدي إلى القطيعة بين أبناء المجتمع الواحد وهو بذلك يخالف أصل مهم من أصول القرآن في آية تكررت خمس مرات: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.(سور:الأنعام والإسراء وفاطر والزمر والنجم). وبالتالي يسقط مفهوم ديمومة العمل بهذا الحديث وجعله سُنة دائمة.

6ـ هذا الحديث يخالف ثقافة التشاركية التي يدعو إليها القرآن الكريم بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة من خلال قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.(الحجرات:13) ويؤسس لثقافة القطيعة المعطلة لدورة الانتاج والعمل والتنمية والحضارة.

7ـ هذا السلوك فيه أذى لغير المسلم في المجتمع ويؤدي لمآلات اجتماعية خطيرة أولها عدم الثقة بين أبناء المجتمع الواحد.

8ـ ما علاقة المسيحيين (النصارى) بهذا الحديث وهذه الواقعة، فالثابت أن الحديث متعلق بواقعة غدر بني النضير؛ كما أن النصارى لم يكونوا متواجدين في المدينة، واقحامهم في الحديث هو عائد لثقافة السلة الواحدة المرفوضة قرآنيًا ودينيًا وأخلاقيًا. وبالتالي إدراج كلمة(النصارى) في متن الحديث ليس صحيحًا ولا مقبولًا.

9ـ الحديث فيه اضطراب بمتنه حيث أن لفظه اختلف من راٍو إلى آخر، ففي رواية مسلم عن أبي هريرة ورد لفظ (اليهود والنصارى) في حين أورده البخاري في الأدب المفرد بلفظ (اليهود) دون أي ذكر للنصارى، أما في رواية عبدالرزاق بمصنفه فقد اختلفت العبارة تمامًا إذ ذكر(المشركين) دون ذكر لليهود والنصارى، وفي رواية ابن حبان بصحيحه ذكر(أهل الكتاب) ومرة بقوله(لا تبدؤوا) وفي كتاب الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان(لا تبادروا) وهناك لفظ خامس (إذا رأيتم الكفّار) وهذا يدل على أن اللفظ غير متفق عليه؛ وبالتالي فالحديث آحاد وهو ظني والرواية متخالفة وفيها ظن كبير واضطراب، فكيف نُقيم ثقافة سلوكية مع الآخر من خلال مسألة ظنية فيها خلاف وتخالف في الروايات.

9ـ الرسول احترم اليهود ما لم ينكثوا صحيفة المدينة؛ فكان يزور مريضهم؛ ويذهب لزيارة (مدراسهم) الدينية، وثبت أنه وقف احترامًا لجنازة يهودي مرت بجواره كما روى مسلم.

10ـ  تغوّل شرّاح هذا الحديث ممن اعتقد صحته بإساءات لغير المسلمين لا تُقبل دينًا ولا أخلاقًا فمثلًا يقوا ابن عثيمين(مجموع فتاوى ابن عثيمين:3/38): المعنى أنكم كما لا تبدؤونهم بالسلام لا تفسحوا لهم فإذا لقوكم فلا تتفرقوا حتى يعبروا بل استمروا على ما أنتم عليه واجعلوا الضيق عليهم إن كان في الطريق ضيق ، وليس في الحديث تنفير عن الإسلام بل فيه إظهار لعزة المسلم ، وأنه لا يذل لأحد إلا لربه عز وجل. فهل هذا الكلام مقبول؟!.

وجاء عن مركز الفتوى(فتوى رقم:71173): قال المناوي في فيض القدير: فاضطروه إلى أضيقه. بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه نحو جدار أي لا تتركوا له صدر الطريق إكراما واحتراما فهذه الجملة مناسبة للأولى في المعنى والعطف، وليس معناه كما قال القرطبي: إنا لو لقيناهم في طريق واحد نلجئهم إلى حرفة حتى يضيق عليهم لأنه إيذاء بلا سبب. وهذا الحديث من المتشابه؟!..

وذهب آخرون أن المسلم لو سّلم على رجل ما وتبين له بعد سلامه أنه ليس مسلمًا عليه أن يطلب ممن سلم عليه برد سلامه؟؟!! حيث ذكروا عن معتمر: بلغني أن أبا هريرة مَرّ على يهودي فَسَلَّم، فقيل له: إنه يهودي. فقال: يا يهودي، ردّ عليّ سلامي، وأدعو لك. قال: قد رددته. قال: اللهم كثر مالَه وولده. (رواه ابن أبي شيبة). ومرّ ابنُ عمر بنصراني فسلَّم عليه، فَرَدّ عليه، فأُخْبِر أنه نصراني، فلما عَلِم رَجَع إليه فقال : ردّ عليّ سلامي. (البخاري في "الأدب المفْرَد"). فهل هذا معقول؟؟؟.

حتى أن النووي في شرح مسلم ذكر كلامًا غريبًا لمجرد أن بعض الشافعية؛ أكدوا على العمل بهذا الحديث حيث قال: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهُ اِبْتِدَاؤُهُمْ بِالسَّلَامِ وَلَا يَحْرُمُ, وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ, فَالصَّوَابُ تَحْرِيمُ اِبْتِدَائِهِمْ.

11ـ ما يؤكد ضعف الحديث اختلاف الصحابة والتابعين والفقهاء في العمل به؛ وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه أنّ الحديث متعلق بواقعة معينة؛ لا تأخذ الامتداد الزماني والمكاني حيث قال ابن القيم في زاد المعاد(2/424): وقد اختلف السَلَفُ والخَلَفُ في ذلك، فقال أكثرُهم: لا يُبدؤون بالسلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يُردُّ عليهم، رُوى ذلك عن ابن عباس، وأبى أُمامة، وابْنِ مُحَيْرِيز، وهو وجه فى مذهب الشافعي، لكن صاحبُ هذا الوجه قال: يُقال له: السَّلامُ عَلَيْكَ، فقط بدونِ ذكر الرحمة، وبلفظ الإفراد، وقالت طائفة: يجوزُ الابتداءُ لِمصلحة راجحة مِن حاجة تكون له إليه، أو خوف مِن أذاه، أو لِقرابةٍ بينهما، أو لِسببٍ يقتضِى ذلك، يُروى ذلك عن إبراهيم النَّخعي، وعلقمَة. وقال الأوزاعي: إن سلَّمْتَ، فقد سلَّمَ الصالحونَ، وإن تركتَ، فقد ترك الصَّالِحون. واختلفوا في وجوب الرد عليهم، فالجمهورُ على وجوبه، وهو الصوابُ، وقالت طائفة: لا يجبُ الردُّ عليهم، كما لا يجبُ على أهل البدع وأولى، والصواب الأول، والفرق أنَّا مأمورون بهجر أهلِ البدع تعزيراً لهم، وتحذيراً منهم، بخلاف أهل الذمة.

12 ـ خالف المالكية الحديث؛ وردوه ولم يعملوا به؛ كما نُقل عن الإمام مالك والقاضي عياض.

13ـ في الغرب حيث يعيش المسلمون كأقليات نجد بأن السلام ابتداءً هو ما يفعله الغربي متى ما لاقاك يحييك مبتسمًا؛ فهل هم من أخذ بسنة رسول الله التي تقول: تبسمك بوجه أخيك صدقة. وقوله : أفشوا السلام. ونحن من تركها باتجاه ثقافة القطيعة وازدراء الآخر؟!.

14ـ حتى لو كان الحديث مقصود به اليهود فإنهم أصحاب تلك الواقعة؛ والقرآن الكريم لا يقبل بثقافة السلة الواحدة فيمدح صالحيهم حيث يقول عنهم: لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ.(آل عمران:113). ويؤكد على رفضه لثقافة السلة الواحدة خلال حديثه عن اليهود: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير.(فاطر:32). وبيّن أن منهم الأمين ومنهم ما دون ذلك إذ قال: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.(آل عمران:75)

 

مناقشة سند الحديث:

سند الحديث تكلم فيه علماء الحديث، وأكدوا أن فيه علة واضحة؛ حيث أن راوي الحديث هو سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وقد تفرد بإدراج (النصارى) بمتن الحديث. كما تكلم علماء الحديث في سهيل؛ فقد ذكر ابن حجر في مقدمة فتح الباري(ص:408): أن البخاري قال عنه: ساء حفظه. ولم يحتج بروايته. وقال آخرون لا يحتج بحديثه.

2ـ تجنب النسائي تخريج هذا الحديث مع احتجاجه بسهيل، ولم يبوب البخاري في صحيحه ترجمة في النهي عن ابتداء المشركين أو أهل الكتاب بالسلام، وكأنه لم يصح عنده فيها شيء على شرطه! مما يدل على علة في سند الحديث ومتنه كما بينا آنفًا.

3ـ أكد الدار قطني في كتاب (العلل:10/179) أن حديث سهيل هذا فيه اضطراب.

4ـ أورد ابن عدي في كتابه (الكامل في الضعفاء:3/449) وهو مرجع لعلماء الحديث: أن سهيل تفرد بهذا اللفظ(النصارى) وله مناكير.

5ـ ذكر ابن عدي في كتابه المذكور(10/162) أن سهيل هذا روى عن ابي هريرة أحاديث فيها غرائب كمنع المرأة من السفر فوق ثلاث ليال إلا بمحرم؛ وقتل الوزغ؛ وفرخ الزنا لا يدخل الجنة وغيرها.

6ـ الحاكم في صحيحه عاب على مسلم إخراجه لهذا الحديث في صحيحه .

 

وختـــــــــــــــــــامًا:

عملًا بالقاعدة الفقهية أن البيان واجب أجريت هذا البحث؛ حيث من واجبي بيان الخلل خصوصًا إن أساء لديني ورسولي وللإنسان الذي كرّمه الله، ولأن القاعدة الفقهية تقول: الضرر يزال. فإن مثل هذا الحديث فيه ضرر اجتماعي ودعوي وإنساني وأخلاقي.

كما أن الأوطان والمجتمعات تبنى على الثقة فيما بين مكوناتها على اختلاف اعتقادهم وايديولوجياتهم؛ ووجود مثل هذه النصوص لا يؤسس لهذه الثقة؛ وأن الدولة المعاصرة رغم حيادتيها فهي تُبنى على مفهوم المواطنة أي الحقوق الكاملة غير المنقوصة، وأن هناك نصوصًا قيلت لظرف محدد ومعين؛ لا يجوز استحضارها في زمن آخر ومكان آخر؛ لما في ذلك من خلل وإساءة للإنسان الذي كرمه الله ودعا إلى تكريمه بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه حيث قال: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً.(الإسراء:70). ويبقى التكريم الإلهي مطلوبًا منا مادام هذا الإنسان ليس فاسدًا ولا مفسدًا.

إن النصوص ثابتة، ووقائع الحياة متبدلة، ومقابلة الثابت بالمتبدل، ستؤدي لاضطرابات كثيرة اجتماعيًا واقتصاديًا وسلوكيًا، وليس أمامنا إلا أن نحرك الثابت أو نثبت المتحول، ومادام تثبيت المتحول والمتبدل مستحيلًا؛ لا بد من الاجتهاد في الثابت، لتحقيق العدل الذي هو روح النص وعلته.

ومخالفة نٍص ما لتحقيق العدل؛ أرقى دينيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا من إيقاع الظلم بذريعة الالتزام بالنص، وهذه قيمة سماوية الأخلاق؛ تخالف رؤية مَنْ يرى أنّ نصًا ما على علته؛ يجب التمسك به والعمل فيه؛ حتى لو خالف تلك القيمة الإنسانية الأخلاقية وهدي السماء.

 

والله أعلم وهو من وراء القصد.

علِّق