No votes yet
عدد القراءات: 7213

الأمر التنفيذي للهجرة الصادر عن ترامب هدية لتنظيم الدولة الإسلامية، وخطر على القوات الأمريكية

الكاتب الأصلي: 
Dan De Luce
تاريخ النشر: 
31 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

أثار البيت الأبيض، بفرضه لحظر شامل على المسلمين من سبع دول، رد فعل عالمي يقول الخبراء أنه سيغذي الإرهاب.

 

سيؤدي الأمر التنفيذي، الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب لمنع المواطنين من سبع دول مسلمة من دخول البلاد، إلى زيادة خطر الهجمات الإرهابية، كما سيعرّض القوات الأمريكية في الخارج إلى عداء الحلفاء، وسيثير مشاعر الغضب في أوساط المسلمين، فضلاً عن ثورة دعائية للمتطرفين الإسلاميين.

وقال الخبراء، ومسؤولون بارزون سابقون، ونواب من كلا الحزبين أن القرار التنفيذي الذي وُقّع يوم الجمعة، كان يُقصد به ظاهرياً حماية الولايات المتحدة من الإرهاب، إلا أنه سيحقق التأثير المعاكس بالتأكيد.

وقد تسبب القرار بسرعة فائقة بإحداث الفوضى والارتباك في المطارات في جميع أنحاء أمريكا، كما نجم عنه ردود فعل انتقامية من بعض الدول. فقد دعا بعض الأعضاء في البرلمان العراقي إلى الرد على ذلك عن طريق وقف جميع التأشيرات للأمريكيين، بمن فيهم المتعاقدين والصحفيين الذين يحاولون الدخول إلى البلاد. وحسب ما ذُكر في صحيفة "وول ستريت جورنال"، حذّّر دبلوماسيون أمريكيون، في بغداد، العاصمة واشنطن في مذكرة صدرت يوم السبت من أن ذلك الأمر التنفيذي قد يؤثر في العلاقات الثنائية مع حليفة أمريكا التي تحارب مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، كما أنه قد يهدد أمن وسلامة الدبلوماسيين والمتعاقدين الأمريكيين في تلك البلاد.

هذا وأكّد كبار النواب الجمهوريين على أن الأمر ذاك سيأتي بنتائج عكسية على الأرجح. وقال كل من السيناتور "جون ماكين" و"ليندسي غراهام" الجمهوريان في بيان مشترك لهما يوم الاحد: "نخشى أن يصبح هذا الأمر التنفيذي، في نهاية المطاف، جرحاً ذاتياً في محاربة الإرهاب".

وقالا إن ذلك الأمر سيفضى إلى نفور الحلفاء المسلمين الأساسيين، و"نخشى أن يقدم المزيد لمساعدة تجنيد الإرهابيين بدلاً من تطوير إجراءات الأمن في بلادنا".

 

ولم تكن تلك الخطوة نتيجة لضغط بعض المسؤولين في مكافحة الإرهاب، كما أنهم لم يدفعوا باتجاهها. فقد كان تركيزهم منصباً على إيجاد سبل أفضل لمواجهة الدعاية التي يبثها تنظيم الدولة على شبكة الانترنت بالإضافة إلى تحقيق تعاون أوثق مع الحكومات الأخرى، بما فيها حكومات الشرق الأوسط، وذلك بغية كشف المخططات والشبكات الإرهابية. لكن القرار بدلاً من ذلك، وكما قال الخبراء والنواب، عمل على تقديم جائزة دعائية كبرى لم يكن تنظيم الدولة ليصل إليها من تلقاء نفسه.

وفي غضون 24 ساعة من توقيع ترامب على ذلك الأمر، بدأ تنظيم الدولة باستغلال حظر السفر على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي إحدى الرسائل التي استولى عليها التنظيم فيما يخص القرار لتوبيخ المسلمين الذين تعاونوا مع الولايات المتحدة لمحاربة المجموعات الإرهابية الإسلامية. كان قد كتب، مشيراً إلى المتعاونين: "ينبغي لكلاب الصليب أن يعرفوا قيمتهم الحقيقية الآن. إنهم عديمو القيمة!".

وعلّق الأمر التنفيذي دخول جميع اللاجئين إلى الولايات المتحدة مدة 120 يوماً، كما فرض حظراً على دخول اللاجئين السوريين حصرياً، ومنع مواطني سبع بلدان ذات أغلبية مسلمة من دخول بلاده مدة 90 يوماً؛ وهذه الدول هي: إيران والعراق وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن. كما شمل الحظر المترجمين الذين قدموا المساعدة للقوات الأمريكية في العراق.

 

وقد فوجئ موظفو الخدمة المدنية في وزارة الخارجية ووزارة الأمن الداخلي بهذا الإجراء، ذلك أنهم لم يُستشاروا مسبقاً في هذا الأمر، ما عزز الفوضى والارتباك عبر البلاد. وأثار الأمر كذلك موجة من التحديات القانونية التي كانت قد تحوّلت في الأصل إلى معركة قضائية تواجه الإدارة الجديدة. وعلى إثر ذلك، أصدر القضاة الفيدراليون، فيما لا يقل عن أربع ولايات، قرارات بوقف مؤقت لعمليات الترحيل، لكن ورد عن البيت الأبيض أنه أمر موظفي الجمارك وحرس الحدود بتحدي أحكام القضاء.

وإبان ذلك، اندلعت عشرات الاحتجاجات يوم السبت في جميع أنحاء البلاد، بما فيها واشنطن. وقد تجمع آلاف المتظاهرين خارج البيت الأبيض قبل أن يبدؤوا بالمسير إلى مبنى الكابيتول.

وقالت السيناتور "ديان فينشتاين" (الديمقراطية من كاليفورنيا)، إنها ستقدم مشروع قرار لإلغاء الأمر التنفيذي والحد من قدرة الرئيس على تغيير سياسات الهجرة بجرة قلم.

وذلك أن الإجراء التعسفي بحق الشعوب من البلدان ذات الأغلبية المسلمة، بما فيهم سكان الولايات المتحدة القانونيون، يعكس تنامي تأثير كبير مستشاري ترامب الاستراتيجي، "ستيفين بانون"، مخطط الخطاب الشعبي لحملة الرئيس ترامب الذي شوّه صورة المهاجرين واللاجئين المسلمين على وجه الخصوص. وتعهد ترامب، عندما كان مرشحاً، بفرض حظر على دخول جميع المسلمين إلى البلاد، قبل أن يعدَّل ذلك لاحقاً ليشمل الأشخاص من الدول التي قد تكون "مصدراً للخطر".

 

وقد تأكدت قوة بانون المتزايدة في البيت الأبيض يوم السبت نتيجة مذكرة رئاسية استثنائية منحته دوراً أكبر في القرارات الأمنية القومية، في الوقت الذي همشت فيه دور كبار الضباط العسكريين ومسؤولي الاستخبارات في البلاد. وقد أعطت إعادة تنظيم مجلس الأمن القومي لبانون _ القومي الأبيض المولع بنظريات المؤامرة، والذي كان يدير سابقاً وكالة إعلامية يمينية _ مقعداً نظامياً في لجنة الرؤساء، وهي تخص اجتماع مسؤولين أمنيين رفيعي المستوي مثل وزيري الخارجية والدفاع. وفي الوقت نفسه، لن يحظى كل من مدير وكالة الاستخبارات القومية ورئيس هيئة الأركان المشتركة بمكان دائم في اللجنة، وهذا يعد انفصالاً عما اعتادته الإدارتين السابقتين.

وحسب ما أشاد به وزير الدفاع "جيمس ماتيز"، فقد وقّع ترامب على الأمر التنفيذي في مراسم احتفالية في البنتاغون. وأعرب الضابط المتقاعد، الذي ينبغي احترامه لخبراته القتالية في الشرق الأوسط، عن رفضه للحظر الذي فُرِض على دخول المسلمين إلى البلاد العام الماضي. وكان أنصار ماتيز في الكونغرس يأملون أن يتمكن من القيام بدور معتدل في البيت الأبيض في عهد ترامب، غير أن الأمر التنفيذي يدعو إلى التساؤل ما إذا كان وزير الدفاع الجديد سيتمكن من توجيه الإدارة على مسار أكثر تحفظاً.

كما رفض البيت الأبيض الانتقادات التي وجهت إليه من أعضاء في الكونغرس وجماعات حقوق الإنسان وبعض الحكومات الأجنبية، التي قالت بأن ترامب إنما ينفذ وعوده التي قطعها في حملته الرئاسية. وقد أخبر المتحدث "شون سبايسر" قناة ABC’s This Week بالتالي: "لقد كانت سلامة المواطنين الأمريكيين وسلامة بلادنا هي الأهمية القصوى. وهذا ما فعله الرئيس البارحة، وذلك لنضمن أن الأشخاص الذين نسمح لهم بدخول بلادنا قادمون إلى هنا يحملون أهدافاً سلمية ولا يريدون إلحاق الضرر بنا".

وقال الخبراء وبعض من المسؤولين السابقين أن الأساس المنطقي لأمر ترامب التنفيذي في منع دخول الملايين من الأجانب، يبدو أنه يستند إلى وجهة نظر مغلوطة عن طبيعة التهديد الإرهابي الذي يواجه الولايات المتحدة.

 

علاوةً على ذلك، لم يتم العثور على أي صلة بين الهجمات الإرهابية، التي حصلت على امتداد الأعوام الـ 16 المنصرمة، والدول السبع المدرجة في الأمر التنفيذي. أما المملكة السعودية ومصر، اللتان كانتا موطناً لمؤسسي تنظيم القاعدة وغيره من المجموعات الإرهابية، استُبعدتا من القائمة. وكذلك الأمر بالنسبة لباكستان _ التي لطالما نُظر إليها على أنها معقلٌ لتنظيم القاعدة والجهاديين. كما لم تؤثر القيود المفروضة على السفر في الدول التي تمتلك فيها عائلة ترامب استثمارات وشركات، بما في ذلك تركيا. بالإضافة إلى ذلك، فإن الهجمات الإرهابية الأخيرة التي ارتُكبت على أرض الولايات المتحدة إنما قام بها مواطنون أمريكيو المولد، كالهجوم على الملهى الليلي في أورلاندو في فلوريدا، وحادثة إطلاق النار في سان برناردو في ولاية كاليفورنيا.

وقد حاولت كل من إدارة أوباما وإدارة بوش، من قبلها، جاهدة للتمييز بين الإسلام والمتطرفين في تنظيم الدولة الإسلامية أو غيرها من الجماعات التي تعزز من عقيدة العنف وسفك الدماء على أسس طائفية. لكن يبدو أن أمر ترامب التنفيذي وتصريحاته العلنية تخلط بين الطرفين. إذ ورد في الأمر التنفيذي أنه من أجل حماية الأمريكيين "لا بد أن تتأكد الولايات المتحدة من أن أولئك المسموح لهم بالدخول إلى هذه البلاد لا يحملون أية مواقف عدوانية تجاهها وتجاه المبادئ التي تأسست عليها".

إلا أن الخبراء والمسؤولين السابقين قالوا أنه لا يمكن تبرير ذلك الأمر على أسس أمنية. وأضاف المؤلف والباحث "جي إم بيرغر"، الذي أمضى أعواماً في دراسة التطرف والدعاية له: "تدور هذه السياسة حول الإقصاء الديني والعرقي، ولا علاقة لها بالأمن".

وأضاف: "حتى وإن كان الدافع وراء ذلك هو النفور الأخلاقي، فلقد فشلت هذه الخطوة لأسباب عملية وكلفت أكثر بكثر من أية مكاسب أمنية نظرية، كما إن ذلك المكسب في أحسن أحواله لا يتعدى كونه نظرياً".

ومنذ أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001، تعلم الجيش الأمريكي مباشرة مخاطر توجيه الإهانات للإسلام، كما توجب عليه تغيير أساليبه أو الاعتذار عندما تجاوزت القوات الأمريكية الحدود الثقافية. وعندما أحرق الجنود الأمريكيون، دون قصد، المصاحف في أفغانستان عام 2012، اندلعت موجة غضب واحتجاجات في البلاد. قُتل إثر ذلك جنديين أمريكيين في أعمال الشغب، وقدّم بعدها البيت الأبيض اعتذاراً عن ذلك.

 

وبينما تتحمل العراق، حليفة الولايات المتحدة، وطأة القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية بمساعدة القوة الجوية الأمريكية، فإن الطبيعة الحازمة والمثيرة للفوضى لذلك الأمر التنفيذي تتوعد بإعطاء تنظيم داعش وغيره من المجموعات الإرهابية "شريان الحياة الذي تحتاجه بشدة" وذلك حسب قول "لؤي الخطيب"، مستشار الطاقة في الحكومة العراقية.

وأضاف الخطيب: "إن أردنا أن نكون واقعيين، فتنظيم الدولة لم يعد أكبر تهديد بالنسبة للعراق، بل إن الخطوات التي تقوم بها الإدارة الجديدة وأفكارها غير الحكيمة والتي لا يمكن التنبؤ بها والتي تبقي ديمقراطيتنا، الوليدة والمهددة بالانقراض، معرضة للخطر، هي ما يثير مخاوفنا حقاً".

وقد نعت السيناتور "بين كاردن"، الديمقراطي البارز في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، الأمر التنفيذي بوصفه "خيانة لأصدقائنا وأولئك الذين وقفوا إلى جانبنا.  وهذا يعِد بأن يجعل الولايات المتحدة أقل أمناً ويعرّض جنودنا الشجعان، نساء ورجالاً، لمواجهة خطر أكبر أثناء محاربتهم للإرهاب".

وقال مسؤول سابق رفيع المستوى في مكافحة الإرهاب إن الإدارة الجيدة على ما يبدو ليست على دراية بإجراءات التدقيق. "إلى درجة أنها ادعت أن الأنظمة التي أبقت الإرهابيين خارج البلاد لمدة 15 عاماً لم تكن دقيقة بما فيه الكفاية للتحقق من أم مع أطفالها الستة؟ هذا جنون بالنسبة لي، بل إنه أكثر من مجرد الجنون، هذا عته"؛ حسب ما أفاد به المسؤول لصحيفة "فورن بوليسي".

كما قال "جون فينر"، رئيس هيئة الأركان السابق والمخطط السياسي في وزارة الخارجية، إن تبعات التعاون في مكافحة الإرهاب قد تمتد إلى ما هو أبعد من العراق، أي بعض الدول التي لا يشملها الأمر التنفيذي "سترد بمنع المسافرين الأمريكيين من الدخول إليها، وذلك لأن مئات الآلاف من الرعايا في الولايات المتحدة، ممن يحملون جنسيات مزدوجة، قد شملهم الحظر".

وأضاف: إن استعداد أمريكا لقبول اللاجئين من سوريا كان مهماً بالنسبة للدول كالأردن وتركيا اللتين تحاولان التوفيق بين التعاون مع الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب والسياسات المحلية. أما الآن، ستخضع هذه الدول لضغوط جديدة في رفضها لمطالب واشنطن.

كما أعرب الحلفاء الأوروبيون، القلقين من برنامج ترامب الوقائي ومن تشكيكه في حلف الناتو، عن استيائهم، كما انتقدوا تلك الخطوة في محادثات هاتفية مع الرئيس الجديد.

 

إذ عمدت المستشارة الأمريكية "أنجيلا ميركل: في مكالمة هاتفية أجرتها يوم السبت مع الرئيس الأمريكي، إلى تذكيره بأن اتفاق جنيف حول اللاجئين يتطلب من جميع الدولة المعنية أن تستقبل الهاربين من الحروب. وقال "ستيفان شيبرت"، المتحدث باسم المستشارة ميركل في تصريح له: "إن المستشارة على قناعة تامة بأن المعركة الحاسمة ضد الإرهاب لا تبرر ذلك الحظر الشامل على أسس الأصل والعقيدة".

وحسب بيان صادر عن قصر الإليزيه، أخبر الرئيس الفرنسي "فرانسوا أولاند" الرئيس ترامب، في محادثة هاتفية، أن الدفاع عن المبادئ الديمقراطية يتطلب الالتزام "بالمبادئ التي قامت عليها، لاسيما قبول اللاجئين".

أما وزيرة الخارجية الإندونيسية "رينتو مرسودي"، التي قالت إن بلادها، تضم أكبر نسبة من المسلمين في العالم، عبرت عن "أسفها العميق تجاه تلك السياسة".

وذكر وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف"، في تغريدة له على موقع تويتر، يوم الأحد، أن بلاده ستلجأ إلى اتخاذ إجراءات مماثلة ضد الأمريكيين، وأشار إلى أن الخطوة التي أقدمت عليها إدارة ترامب "ستُسجَّل في التاريخ على أنها هدية عظيمة للمتطرفين وأنصارهم".

 

---------------------------

لمحة عن الكاتب:

دان دي لوس(Dan De Luce): كبير مراسلي الأمن القومي في صحيفة "فورين بوليسي". كان يعمل في السابق مراسلاً لفرانس برس. كما كان مراسلاً لصحيفة الغارديان في طهران، ليطرده النظام بعد ذلك عام 2004. كما شغل منصب الرئيس لمكتب سراييفو

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2531952

مقالات المترجم