عدد القراءات: 421

الأطفال الأمريكيون يطلقون ثورتهم ضد الساسة الكبار في واشنطن

 
نصّ الدستور الامريكي الذي يعتبر من ارقى المواثيق البشرية في احترام الحقوق والحريات على حرية حمل السلاح، بهدف معلن هو حماية المواطن الأمريكي من تغوّل الدولة المركزية وضمان عدم الاعتداء عليه في حال كانت غلبة السلاح بيدها، وأن من حقه الدفاع عن نفسه أمامها، والأمر ينسحب نفسه على الولايات التي من حقها الدفاع عن نفسها في حال قامت الحكومة الفيدرالية في واشنطن بالاعتداء عليها.
كانت هذه المادة التي وضعت وفق التعديل الثاني من الدستور (The SecondAmendment ) عام 1791 منطقية في ذلك الحين، وتراعي تخوفات تلك المرحلة حيث الدولة ما تزال وليدة وبدأت تمتلك السلطة وكانت هناك خشية من أن تقوم بالاستقواء بالسلاح على المواطنين والولايات، كما كان لهذه المادة بعد فلسفي حقوقي يقضي بأن ما يجمع الأمريكيين مع بعضهم في هذه الدولة هو تعاقد سياسي توافقي لا يقوم على الغلبة والإجبار، بل على القناعة والثقة، وأنه يجب تحييد قوة السلاح كعامل قد يؤدي لإخلال هذه المعادلة التوافقية.
 
لكن ما حصل أن صنّاع السلاح استغلوا هذه الفكرة للاتجار والاغتناء على حساب الأمن والسلامة، وشجعوا المواطنين على حمل واقتناء السلاح، وافتتحوا لهم النوادي وقاعات التدريب والرماية ووسائل الاعلام لتسهيل بيع السلاح لهم، وتشكلت الرابطة الوطنية للسلاح  National Rifle Association (NRA) التي أصبحت اقوى لوبي في الولايات المتحدة.
لاحقاً تطور نمط الحكم في الولايات المتحدة، وأصبحت أكثر استقراراً وقوة، وانتفى المبرر الذي وضعت لأجله هذه المادة الدستورية، كما أن الاثار الجانبية بدأت بالظهور مع ازدياد عدد القتلى بإطلاق النار، حيث أصبحت وسطي عدد الضحايا في السنوات العشرين الأخيرة قرابة 35 ألف قتيل سنويا.
 
نتيجة ذلك ظهرت الكثير من الدعوات في السنوات الأخيرة لتقنين اقتناء السلاح، لكن الـ  (NRA) بما تملكه من شبكة تمويل هائلة تمكنت من اخماد كل هذه الحركات في الاعلام والكونغرس، حيث تنفق مليارات الدولارات على الحملات الانتخابية والمرشحين والاعلان في وسائل الاعلام، أضف لذلك النظرة القدسية للأمريكيين تجاه دستورهم، والذي يعتبرونه نصاً لا يجب المساس به، كونه هو الاتفاق الذي قامت بموجبه الولايات المتحدة، وأن أي تغيير فيه قد يؤدي لخلخة حالة الاستقرار.
لكن بعد حادثة اطلاق النار في إحدى مدارس فلوريدا مؤخراً، ومقتل عشرات الطلاب، ومع دعم الرئيس الأمريكي منقطع النظير لتجار السلاح، انقلب الوضع تماماً، واشتعلت الولايات المتحدة بالمظاهرات التي قادها طلاب المدارس، وتجمع في العاصمة واشنطن لوحدها يوم السبت 24 آذار الفائت أكثر من مليون متظاهر من الطلاب للمطالبة بتقنين حمل السلاح، أي ما يزيد بمقدار الضعف عن المشاركين في يوم تنصيب الرئيس.
هذه التحركات وضعت منظمات السلاح في المواجهة وسحبت البساط من تحتهم، وتفاعل معها الاعلام والرأي العام بقوة، وأصبح الساسة المدعومون بشبكة المصالح مع الـ (NRA) وخصوصاً الجمهوريون منهم في موقف لا يحسدون عليه، وبدأت وحدتهم بالتفتت أمام المدّ الشعبي الهائل.
 
وجاءت ذروة مفاعيل هذه التحركات البارحة في تصريحات John Paul Stevens القاضي السابق في المحكمة العليا التي تعتبر أعلى السلطات القضائية في الولايات المتحدة، القاضي لم يدعُ فقط إلى تقنين حمل السلاح كما طالب المتظاهرون، بل دعى لإلغاء هذه المادة الدستورية جملة وتفصيلاً، وهذه هي المرة الأولى التي يجرؤ أحد على اعلاء صوته بهذا المطلب.
الأيام القادمة حبلى بالأحداث، والوقائع تقول أن طلاب المدارس المتوسطة والثانوية ممن هم دون 15 سنة هم سيقلبون المعادلات في واشنطن هذه المرة وليس الكبار، خصوصاً مع بروز حركة منظمة بينهم وقادة صغار متكلمين وبارزين وملهمين، أصبح لهم ملايين من المؤيدين.
 

 

علِّق