عدد القراءات: 7296

الأسدان الأب والابن تناوبا على تحويل القضاء إلى أداة للظلم والقهر

تسبّب نظاما الأسد المتعاقبان في تلاشي مبدأ سيادة القانون بشكلٍ يكاد يكون كلياً، وفي إضعاف النظام القضائي وتشويهه وتعرّض مؤسساته للتقييد وتسييس كوادره والتلاعب بقوانينه وتهميش محاكمه المدنيّة الرسمية لصالح محاكم استثنائيّة وجعل سجونه سريّة، وتسلط الأجهزة الأمنية على القضاء، وتتويج كل ما سبق من تجاوزات بإتاحة التهرب من العقوبة لأصحاب النفوذ والمعارف والمال.

كان يفرض على النظام القضائي في سوريا العمل بما يخدم مصلحة النظام، حالها حال معظم أجهزة الدولة. ولم تحظ السلطة القضائيّة بأي نوع من الاستقلاليّة كون رئيس الدولة هو ذاته رئيس مجلس القضاء الأعلى والمسؤول عن تعيين وفصل ومعاقبة كوادر النظام القضائي. وبالرغم من عدم جواز انخراط القضاة في العمل السياسيّ بحسب القانون السوري، إلا أنّه كان يتم اختيارهم من ضمن أعضاء حزب البعث الحاكم. وبالإضافة إلى مجمل هذه التحديات، أُثقِل كاهل القضاة إلى حدٍّ كبير بسبب التعامل مع حجم القضايا المعروضة على المحاكم، وذلك بحكم النقص ليس في أعدادهم فحسب ولكن أيضاً في أعداد المدّعين العامين والمحامين. كما قلّص النظام الحاكم بشدّة من نطاق عمل نقابات المحامين والتي يملك النظام حلّها بتصرف.

يحفل القانون السوري حالياً بقائمة مُطوّلة من المواد التي تُجرّم اختلاف الرأي والمعارضة بما يتنافى وأبسط حقوق الإنسان. تشمل هذه القائمة المادة 285 من قانون العقوبات السوري، والذي يجرم “إضعاف الشعور القومي” (وهو البند الذي لطالما تم استعماله لمحاكمة واعتقال نشطاء حقوق الإنسان الذين انتقدوا الحكومة)، وكذلك المادة 298 التي تجرّم “إثارة النعرات الطائفيّة”، والمادة 278 التي تجرم “الأفعال والكتابات والخطب غير المصرّح بها من قبل الحكومة والتي تجعل سوريا عرضةً لأعمال عدائيّة أو تفسد علاقاتها بالدول الأخرى”، والمادة 267 التي تجرّم الكتابات الرامية إلى “اقتطاع جزء من الأراضي السورية وضمّها إلى دول أجنبية”. كما يجيز قانون رقم 49 لسنة 1980 توقيع حكم الإعدام بسبب الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين. وخلافاً لمعايير حقوق الإنسان العالميّة يمكن تطبيق هذا القانون بأثرٍ رجعي.

جانبٌ آخر من فظائع النظام القضائي السوري يتمثّل في تعدّدية المحاكم الاستثنائيّة. فالمحاكم العسكرية تضطلع بمحاكمة المدنيين والعسكريين على حدٍّ سواء بينما تتولى المحاكم الأمنية القضايا السياسيّة. كما مُنِحت المحاكم العسكرية صلاحيّة محاكمة المدنيين عن الأعمال الإجراميّة استناداً للمرسوم التشريعي رقم 51 لسنة 1962. أما المرسوم رقم 6 لسنة 1965 فقد أتاح تأسيس محاكم عسكرية استثنائيّة للنظر في القضايا السياسيّة بشكلٍ منفصل عن القضائي العسكري. جعل هذا المرسوم أي عمل من أعمال المعارضة غير قانوني وأجاز المحاكمة وإنزال عقوبة الإعدام على جرائم غير محددة بوضوح مثل “معارضة توحيد الدول العربية أو أيٍ من أهداف الثورة أو عرقلة تحقيقها”. أقرّ المرسوم 109 لسنة 1967 إنشاء محاكم عسكرية ميدانية يمكن إقامتها في أي مكان أثناء الحرب أو العمليات العسكرية الأخرى وقد تم استخدامها للنظر في قضايا السوريين الموقوفين على أنهم معارضون للنظام. وهي لا تتبع الإجراءات الجنائيّة النظاميّة وغالباً ما تعقد في سرية دون أي ضمانات لمراعاة الأصول القانونيّة. وقد تم إنشاء محكمة أمن الدولة العليا لاحقاً للنظر في القضايا التي صنّفت على أنّها تمس أمن الدولة. وبالرغم من حلّ هذه المحكمة في نيسان/إبريل من عام 2011 إلا أن المحاكم العسكرية السريّة والمحاكم العسكرية الميدانيّة ما تزال تعمل بصلاحيات النظر في قضايا المدنيين.

أما السجون والمعتقلات فهي أيضاً سريّة وقد تضاعف عددها بشكل يفوق كثيراً قدرة وزارة العدل على إدارتها. كما تحتفظ أجهزة المخابرات السورية المتعددة الفروع، ذات الوظائف والصلاحيات المتداخلة، (منها شعبة المخابرات العسكرية، إدارة المخابرات العامة، إدارة المخابرات الجويّة، وإدارة الأمن السياسي) بشبكة من السجون ومراكز الاعتقال مع إبقاء العديد منها سريّة . تتواجد هذه السجون ومراكز الاعتقال في كافة المدن والكثير من القرى في أنحاء سوريا، بعضها في أقبية مباني المخابرات والبعض الآخر في مرافق مؤقتة داخل المدارس والمباني العامة. وبالرغم من أن  فروع المخابرات تعمل بشكلٍ وثيق مع المحاكم الأمنية والعسكرية، إلا أنها قامت إلى جانب ذلك باحتجاز سجناء سياسيين  لآجال غير محدد دون محاكمتهم. وقد أوردت تقارير عديدة الانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان التي تم ارتكابها في هذه السجون السريّة من قبل عملاء لفروع  المخابرات، مثل التعذيب والاغتصاب والإعدامات غير القانونيّة دون محاكمات.

وتغفل الحصانة كل هذه الانتهاكات.. ولهذا فإن  القوانين التي تؤمن الإفلات من العقوبة للمسؤولين الحكوميين في النظام السوري تمثل أكبر استهزاء بمبدأ سيادة القانون، حيث أنها تدعي التنظيم القانوني لما هو في أساسه انتهاك أساسي لمفهوم المساءلة. أي أن هناك إعفاء من المساءلة والمحاسبة للمنتهكين داخل النظام. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 16 من المرسوم التشريعي رقم 14 لسنة 1969 على عدم اتخاذ أي إجراء قضائي ضد أي موظف من موظفي الإدارة العامة للمخابرات عن الجرائم المرتكبة أثناء تأدية الواجب. وبموجب المرسوم التشريعي رقم 69 لسنة 2008 لا يجوز رفع دعوى قضائية أمام المحاكم ضد أفراد الشرطة أو الجمارك أو الأمن السياسي دون إذن مسبق من قائد الجيش.

وأخيراً، لا يمكن إغفال ذكر الشبيحة، والذين برغم كونهم خارج إطار النظام القضائي بالكامل إلا أن قضيتهم مرتبطة بشكل مباشر بموضوع العدالة وسيادة القانون في سوريا. فالشبيحة هم جماعات مسلّحة تعود أصولهم إلى مؤسسات وشبكات إجرامية مقربة من النظام تعمل بالنيابة عنه قبل اندلاع الثورة بمدةٍ طويلة. وقد تحولت عصابات الشبيحة وتضخمت منذ بدء الثورة إلى قوات/ميليشيات شبه عسكرية تعمل بمنتهى العنف وتستعمل أساليب وحشية لقمع المعارضة. وبهذا فهي من المتورطين الرئيسيين في الانتهاكات ضد السوريين، وتشكل جرائمها تجاوزات كبيرة لحقوق الإنسان. وتشمل الانتهاكات  تنفيذ عمليات إعدام دون محاكمة، بما فيها عملية إعدام الأطفال في مجزرة الحولة في أيار/مايو 2012 والتعذيب والاغتصاب وغيرها من أعمال تتسم بالوحشية.  

--------------------------------

تم تحرير هذه المادة بالتعاون مع مشروع اليوم التال

علِّق

المنشورات: 106
القراءات: 1008385

مقالات الكاتب