عدد القراءات: 5156

الآخر الذي نكرهه كثيراً..!!

يُعدّ العداء للغرب واحداً من أغرب التوجهات في منطقتنا من العالم، فالخطاب الدعائي الذي يروّج له يجمع بين أطراف قد لا تجتمع أبداً في أمر غيره! فمن عبد الناصر إلى الإخوان، ومن أنظمة البعث والقوميين إلى اليسار، ومن القوميين إلى السلفية الجهادية، مروراً بكل تنظيمات ومجموعات اليسار واليمين والوسط، وحتى الحكومات التي لا تسوّق لنفسها باعتبارها معادية للغرب، تُشجّع حكماً هذا الخطاب، وربما تُضمّنه حتى في مناهجها الدراسية! فالإمبريالية والاستعمار والغرب.. هم المسؤولون عن انقطاع الكهرباء وحُفَر الشوارع وضعف الجامعات وغيابنا عن قوائم المخترعين لأي شيء في آخر ألف عام..الخ!. 

 

بطبيعة الحال، فإنّ هؤلاء الفاعلين لا يُمارسون هذا الخطاب لأسباب واحدة، إلا أنّهم يشتركون في الكثير منها، فهو يوفّر الشمّاعة التي تبحث عنها كل منظومة أو مجتمع لتفسير تخلّفها أو تقصيرها، ولتبرير كل الكبوات التي تحصل لها، وهو أمر يُريح جميع الأطراف، ويرفع المسؤولية عن كاهلها، ويضعها على كاهل المؤامرة التي لا تنام ليل نهار وهي تُحارب كل ما هو مسلم وعربي..!.

كراهية الغرب ليست مرتبطة بموقِعه في هيكل القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية بقدر ارتباطها بطريقة التعاطي مع المشاكل والمعضلات، وأسلوب للتفكير والتحليل، ولو لم يكن الغرب موجوداً لاخترعناه!. فهو نموذج واحد من الآخر الذي نروّج لكراهيته، ولكنه ربما النموذج الأفضل، نظراً للتوافق العجيب بين معظم الأطراف في مجتمعاتنا العربية بما يجعله (الكُره المسموح)، فينتقل حديث الكراهية إلى حديث معلن مؤطّر، على خلاف الأنماط الأخرى التي تبقى حبيسة دوائر ضيقة مغلقة، وقلما يتم الحديث عنها من غير المتطرّفين من هذا الطرف أو ذاك، ويصعب أن يعترف بها الأشخاص نصّاً لغير خاصّتهم، وإن كانوا يتصرّفون بناء عليها في حياتهم اليومية!.

 

وتأخذ كراهية الآخر في مجتماعتنا أشكالاً عديدة، فأهل المدن وأهل الأرياف يكرهون بعضهم، وأهالي الأحياء الراقية والأحياء الشعبية يكرهون بعضهم، وأهل المدن الصغيرة وأهل المدن الكبيرة يكرهون بعضهم، والأغنياء والفقراء يكرهون بعضهم، وأفراد العائلة الواحدة يكرهون بعضهم، والمنتمون إلى الأديان والطوائف المختلفة يكرهون بعضهم، وأهل البلد يكرهون أهل البلد المجاور، وكلاهما يكره الملونين في قارة أخرى، وكلهم يكرهون أنفسهم أكثر بقليل مما يكرهون الآخر!.

وبطبيعة الحال فإنّ التوصيفات السابقة ليست على سبيل التعميم المطلق، ولكنها تعكس حالة عامة، نعرفها وننكرها في الآن نفسه، فخطاب الكراهية على العموم يحظره المجتمع جزئياً قبل أن يحظره القانون، وبالتالي فإنّه ينعكس في تصرفات اجتماعية أكثر مما يتجسّد في تصريحات ونصوص!.

لا يمكن حصر الأمثلة التي تعكس حجم كراهيتنا المكتومة للآخر، ففي كل بيت سوري قصة عن مشروع خطبة أو زواج تم وأدُه لأنّ الشاب ينتمي إلى ريف المدينة التي تنتمي إليها الفتاة أو العكس، ناهيك أن يكون الانتماء إلى مدينة أخرى تماماً، وفي كل عائلة نماذج عن كراهية بين الأقارب حدّ الاحتكام إلى القضاء والشرطة، وحكايات عن بلبلة شاملة يُسببها أجنبي سكن في بناية، فتوجّس السكان رهبة منه، وعن قصص امتهانٍ تعرّض لها ريفيون جاؤوا إلى المدينة في عمل أو زيارة.. إلى غير ذلك من أمثلة لا حصر لها!.

 

ومنذ بدء الاحتجاجات الشعبية في سورية بالتوازي مع انفتاح السوريين على الإعلام الجديد، ظهر حجم مريع من كراهية الآخر، فمِن ناعتٍ لأهل مدينة بأشنع الأوصاف لأنهم تأخروا في حراكهم المعارض، أو لأنهم استمروا في حياة شبه طبيعية، ومن شامتٍ بتدمير مدينة..الخ، وإذا وصل الأمر إلى الآخر سياسياً لم يعد لخطاب الكراهية حد ولا خط أحمر!.

ويتفق المسكونون بالكراهية بأنواعها وأنواعهم على أنهم يكرسون الجهد للبحث عن أدلّة تُبرر كراهيتهم، وتُساعدهم على تعميم نظرياتهم على الآخر كله. فمن يكره الغرب يبحث عن "فيديو" لضرب شخص من قبل الشرطة، أو تمييز عنصري ضد محجبة، أو صورة لصحفية تضرب لاجئين.. ليؤكّد نظريته بأن الغرب كله لا يحترم حقوق الإنسان، ومن يكره مدينة أخرى تكفيه صورة لخمسة أشخاص يقومون بحفلة شواء ليؤكّد أن ملايين السكان في تلك المدينة كلها لا يحسّون بمعاناة المدينة المجاورة لهم، وهكذا!.

وكما في كل الأمراض، لا يكون العلاج بإغماض العين عن المشكلة، ولا بتوزيع الكلام الجميل المعسول، فكلاهما لا يشفيان مرضاً، ولا يُغيّران واقعاً!. فالتشخيص أولاً، والعلاج الحقيقي ثانياً هو وحده ما يُفيد!.

وأول التشخيص أن نعترف بعمق المشكلة، بعيداً عن خطابات الحب الكاذب، وبعيداً عن نماذج الاستثناء التي نبحث عنها أيضاً لننفي وجود الكره في أعماقنا.

 

وأما العلاج فيكون أوله بإحلال المنطق في تفكيرنا، فما مِن حُكم يَصلح لوصف سكان مدينة بأكملهم، أو كل المؤمنين بدين، أو كل المنتمين إلى طبقة اجتماعية، أو لوصف الغرب كله أو الشرق كله. ومنه أن نُدرك أن نظرية الخير المطلق والشر المطلق لا وجود لها، فكل كيان أو مجتمع له وعليه، فيه الخيِّرُ وفيه مَن هو دون ذلك، ومن بَحث عن عيبٍ هنا وعيبٍ هناك ليبني نظريته للكراهيه وجدَ الآخرون لديه ألف عيب كي يبنوا نظرياتهم تجاهه. ومنه أن نُدرك أن تحميل الفشل على الآخرين يعني هروباً من تحمل المسؤولية، فالطالب الذي يُبرّر رسوبه بموقف الأستاذ منه، وبصعوبة الأسئلة، وبالعرس الذي قام به جيرانه في ليلة الامتحان.. يعمل ببساطة على تفادي وضع أصبعه على السبب الرئيسي للرسوب!.

موقفنا تجاه الآخر يعكس حقيقتنا نحن أكثر مما يعكس حقيقة الآخر نفسه، وتعليق مشاكلنا على شماعة الآخر يمنحنا فرصة للهروب لكنه لا يحل هذه المشاكل، وكراهيتنا لغيرنا تنعكس في كراهيتنا لأنفسنا، وكراهية الآخرين لنا!.

 

 

علِّق