عدد القراءات: 6512

استقالة علوش؛ تأكيد على انسداد الآفاق بعد فيينا

 

* أحمد مظهر سعدو

الإدارة الأمريكية وعلى مدى عمر الثورة السورية ومعها اللاعبون الكبار من المجتمع الدولي، دأبوا على التحرك بطيئا في عملية ادارة المسألة السورية ودفع مؤتمرات جنيف المتلاحقة، وما بينها من اجتماعات في فيينا أو باريس، او غرناطة أو حتى موسكو، لأن تجري وتدار دون الوصول الى ملاذات حقيقية، ودون إمكانية الحل أو حتى وضع القضية على سكتها الصحيحة، خاصة وأنها غالباً ما تخرج بعيداً عن السكة الطبيعية أو المفترضة، في ظل تغوّل مباشر من قبل الروس والإيرانيين ومن تبعهم، وقد شهدنا ذلك عملياً منذ مؤتمر جنيف /1/ وما جاء بعدها من جولات ومن جنيفات .


وتأتي استقالة كبير المفاوضين لتؤكد من جديد على انسداد الآفاق جميعا والتحول باتجاه الحرب، والقرب من أن تكون سوريا متوجهة الى صيف ساخن وحرب كسر عظم كما يقال، وهو ما جعل علوش يتقدم بطلب استقالته من مركز (كبير المفاوضين) دون التخلي عن وجود جيش الإسلام الذي يمثله ضمن مفاصل الهيئة العليا للمفاوضات.
والأميركان الذين لم يعودوا يملكون سوى إدانة الانتهاكات، يدركون أن حلفاءهم الأوربيين ليسوا راضين عن تغييبهم كما حصل أثناء مسيرة المفاوضات الخاصة بالملف النووي، التي تحولت لتكون بين طهران وواشنطن، وليس بينها وبين عواصم الدول الكبرى الأخرى. لذلك فقد كان الاجتماع الأخير الذي دعت اليه باريس لمجموعة من وزراء الخارجية، محاولة لفرض نفسها في لقاء فيينا، الذي حصل بعد ذلك بأيام، حيث تشعر هذه المجموعة بأنها عاجزة عن الفعل والتأثير فيما يرسمه الطرفان الروسي والأميركي.
لكنها تأخرت كثيراً إذ كان عليها أن تدرك أن لقاءات فيينا التي شقت الطريق الى قيام "مجموعة دعم سورية " ثم تفرد موسكو وواشنطن، قد طوت بشكل نهائي صفحة " أصدقاء سورية " تماماً مثلما جب التدخل الروسي كل ما قبله. اذ وجب تبديل الخطط بالنسبة للاعبين، فسهل أن يعلن وزير الخارجية الفرنسي (جان مارك ايرولت) التمسك بالمرحلة الانتقالية التي نص عليها القرار الدولي /2254/ ووضع دستور ورحيل الأسد، لكن السؤال الأهم ماذا تملك فرنسا وأوربا من أسباب القوة للضغط على روسيا وارغامها على إلزام النظام وحلفائه الآخرين للتقيد بالهدنة أو القبول بتقاسم المسؤوليات خصوصا في المؤسسات العسكرية والأمنية أو التوصل الى ابعاد الأسد.


ويبدو أن القارة العجوز-كأمريكا هذه اللحظات-تكاد تكتفي بالتنديد وتوجيه الاتهامات، لذلك فان رياض حجاب سينتظر طويلاً لترجمة دعوته (أصدقاء سوريا) الى أفعال وليس اقوال فحسب.
لقد انصرفت أوروبا وخاصة ألمانيا طوال السنة المنصرمة الى الحد من تداعيات أزمة اللاجئين الى بلدانها فقد تغرق بجموع اللاجئين، والتي هي أيضاً ماتزال تحت ضغوطات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي هددها بإلغاء الاتفاق الذي أبرمه رئيس حكومته المستقيل أحمد داوود اوغلو معها.
والحقيقة أن  مؤتمر فيينا الأخير قد جاء كمؤتمر لتقطيع الوقت ليس الا ، اذ لا نتائج منتظرة لمؤتمر عُقد لإشباع الإصرار الفرنسي على عقد مؤتمر ما حول سوريا في سياق تبني باريس لمعركة حلب، والحملة من أجل (انقاذها) بعد تراجع كل المبادرات الغربية وإخراج الفرنسيين من الملف السوري، الذي أضحى في عهدة الروس والأميركيين، ليُسمح  للروس أن يعرقلوا أي هدنة ، تحت دعوى الطلب الى  الفصائل المسلحة فك ارتباطها أولاً بجبهة النصرة، قبل الذهاب الى شمولية وقف إطلاق النار على كل الأراضي السورية، وهي العقدة التي عرقلت الهدنة منذ بدايتها في 27/2/2016 ومازالت تفعل فعلها  .
ولكن الواقع يبين أنه ومن أجل الخروج بحل سياسي مرض للجميع، فلا بد من ادراك أنه ليس هناك مفتاح واحد للتسوية في سورية، بل هناك مفاتيح متعددة وموزعة على طول المنطقة وعرضها .. بحيث أن التفاهم الأمريكي – الروسي لا يشكل مدخلاً كافياً لها لكنه أحد المداخل الاجبارية والأساسية.
ومع ادراكنا بأن الجولة الأولى من المفاوضات كانت قد دارت على وقع التفاهم الأمريكي – الروسي أي بين اللاعبين الكبيرين، ولكن يبدو أن هذا لم يعد كافيا، لان القوى المتنفذة في المنطقة وتلك المعنية بالمسألة، لا تزال قادرة على التعطيل، هذا إذا افترضنا بالأساس، أن اللاعبين الكبيرين جادين بالإسراع في إيجاد حل تسووي قريب.


وهنا لا ضير من رؤية أن الحل للمسألة السورية ما يزال –أيضاً-مرتبطا بقضايا أخرى أعم وأشمل، تبدأ بأوكرانيا ولا تنتهي بالخلاف المتصاعد على تدشين " الدرع الصاروخية " في رومانيا، بعد تركيا، ولاحقاً في بولندا، وهو ما يساهم في عدم ارتياح روسيا، التي راحت تعد بردٍ (متكافئ).
فروسيا ترى أن رهانها على ورقة سوريا لم يفتح لها باب المقايضة، وان فُتح في بعض الأحيان، فان هذا الباب تُرك موارباً بعض الشيء. وهي تحرص على انجاز تقدم في تلك المسارات المتقاطعة قبل رحيل الإدارة الأميركية الحالية، في محاولة لتثبيت مكاسبها في المنطقة، وصولاً الى انتزاع الاعتراف-من الأميركيين خاصة – بعودتها لاعباً نداً في المجتمع الدولي، بعد فقدان هذا الدور ابان انهيار الاتحاد السوفياتي، ومما لا شك فيه أن أي تقدم لهذا (الدرع) المشار اليه نحو فضائها الأمني سيعزز تمسكها بسورية، مادامت أبواب واشنطن موصدة، ولا تبالي في مقايضات ومساومات مع الروس هنا أو هناك.
ولعل غياب الرؤية الدولية الواحدة، ليس وحده وراء تعثر التسوية في سورية وسواها من شبه جزيرة القرم وأوكرانيا ودروع أوربا، لكن ما آل اليه اجتماع فيينا الأخير، وما نتج عنه بشكل مباشر أو غير مباشر، يوحي بأن مآلات جنيف /3/ لم تعد مجدية، هذا ان كانت قبل ذلك تسير باتجاه الجدوى والواقعية، أو النفعية أصلاً لصالح الشعب السوري.


فبعد أن انتظر السوريون ومن يهتمون بقضيتهم، أن ينتج عن فيينا ما يدفع الى استئنا ف قريب، لمفاوضات في جنيف، قد تؤدي الى نتائج أفضل، وخيارات معقولة، تضع حداً لحالة هدر الانسان اليومية، وتدمير البنى التحتية لمجمل المدن والأرياف السورية، حيث أصبحت سورية ركام من الهدم والدمار المقيم، والتهجير القسري غير المسبوق، وزج البشر المعارضين لسياسة القمع، في أقبية وسجون الأسد الابن، على مسار سجون أبيه.
لكن الواقع يقول أنه قد انفرط عقد مؤتمر فيينا ولم تستطع اجتماعاتها أن تعيد مفاوضات جنيف المتوقفة، بعد أن كان الرهان على تلك الاجتماعات، بالإشارة الى أن المعطيات على الأرض وتضارب السياسات، لم تكن تبشر بأمل كبير في إعادة إطلاق المفاوضات في جنيف.
اذاً لا بد من الاعتراف بأن الاجتماع في فيينا آل الى الفشل، ولندرك ماذا يعني هذا الفشل لاغرو من أن نضع أمام أعيننا حتمية الانفتاح على عالم الحرب بهذه الحالة وهذا موضوع لا انفكاك منه، بسبب انهيار الهدنة، وهو ما يجري بالفعل، ويعيش شعب سورية تبعاته اليومية، عشية فيينا وما بعد فيينا.
هذا الانهيار السياسي ثم العسكري لابد من الوقوف عنده، والتعاطي معه وفهمه، فالأطراف الفاعلة فيه كانت وعلى الدوام أميركا وروسيا وإيران، وبالتالي وبحسب ما يتمظهر للعيان فقد يكون هناك تواطؤ روسي إيراني مع النظام، دفع ويدفع باتجاه هذا الانهيار للهدنة، ومسألة أن الروس ليسوا مستعجلين، لا يمكننا نفيها بالمطلق ولا بد من التساؤل عن مدى حقيقتها؟ وهل هو بالفعل تواطؤ من هذا القبيل بين الثلاثي المذكور آنفاً، أم أن قدرة الروس قد أصبحت محدودة، على لجم النظام، وإيران معه، للالتزام بهذه الهدنة المنهارة قبل أن تبدأ.
ونعتقد أن قدرة الروس مازالت غير محدودة على كبح جماح النظام وإيران، والميليشيات التابعة لهما، وما تزال روسيا تملك الكثير من الحل والعقد في سوريا، ومازال النظام رغم ارتمائه الكامل في أحضان الإيرانيين، غير قادر على مخالفة الروس أو التمرد عليهم، بل هو بأمس الحاجة الى مساعداتهم، وطيرانهم الذي يحرق الأخضر واليابس في حلب وسواها.


كما أن هناك أدوار إقليمية في المنطقة لا بد من لحظها، لكل من تركيا والسعودية، وهذه الأدوار تفعل ماديا في الثورة السورية، وتحاول وبشكل جدي هذه المرة أن تمد الثوار بالأسلحة النوعية، حتى لو لم توافق أميركا كما يبدو.
و(جون كيري ) الذي صرح في الرياض عشية فيينا أي قبل الاجتماعات  مباشرة ( بأن عملية الانتقال السياسي ستبدأ خلال أسابيع ) وهو يعرف تماما أنه لم يعد يُصدق أحد هذا الكلام ، وهو من قال قبلها : ( اذا فشلت التسوية فنحن لدينا خطة /ب/ ) وهذا كله كان ومازال بيع أوهام ، أو قبض للريح ، ثم كان  هو من قال بعدها، أي بعد مؤتمر / فيينا / وكان واقفاً الى جانب ( لافروف ) أن( مطلع آب سيكون الوقت المستهدف وليس النهائي ) بما يمكن أن يعطي الوقت الممتد وطويل الأمد لعملية التسوية بمجملها .. ، ولعله في ذلك كان منسجماً مع القرار الدولي، وهو هنا كان يشير الى وزير الخارجية الروسي، أي (نحن هكذا اتفقنا) ، لكن أول آب أصبح بالواقع في مهب الريح .


إذا فان الاتجاه العام يوحي بأنه لن يكون هناك أي حل في المنظور القريب، وعندما يأتي (دي مستورا) مثلاً، ليقول: بأنه يمكن أن تكون الجولة القادمة بعد رمضان فهذا يعني فيما يعنيه التأجيل.
والمبعوث الدولي يدرك أن الروس يحاولون –عسكريا-مع الآخرين تحركا بمثابة (كسر عظم) فيما يتراجع هنا التوافق الأمريكي الروسي، أمام ما يعيد الروس توازنه على الأرض، وهذا ما يلاحظ من خلال تكثيف هجماتهم الجوية على حلب ومحيطها.
وكل المعطيات تشير الى أن الأمور ذاهبة الى تصعيد أكثر، كما يبدو للعيان، وفق مخططات روسية إيرانية بالتوافق مع النظام. لكن هناك من يرى أن خلافات تظهر بين الفينة والأخرى بين الروس والإيرانيين. قد يؤدي الى تصادم ما في التوجهات، كما أن احتمال وقوع تصادم آخر-عسكري-مع الاتراك، أكثر قابلية للتواجد، فالمرحلة خطيرة جدا، بل مخيفة، ولا جدية أميركية ولا روسية في الوصول الى حل سلمي، وتطبيق لجنيف واحد، وضمن هذه المفاعيل فالقادم قد يكون أخطر، وهناك من يرى أنه حتى نظرية القاء مساعدات من الجو قد لا تنفذ، كما أن هناك توجه أميركي لإقامة خطوط تماس، وصولاً الى دخول الحكومة المؤقتة الى الداخل، كما أن بدء عملية عسكرية باتجاه الرقة بالتعاون مع ما يسمى ب (قوات سوريا الديمقراطية) التي تضم أكراد صالح مسلم،هو توجه أميركي ذو أهداف وأبعاد   فالأمريكان حاولوا أن يسبقوا الروس الى مناطق داعش، وبالتالي يمكن أن يكون هناك رسم جديد للجغرافيا السورية ، بعيدا عن كل مخرجات فيينا .
وعموماً فقد عززت محادثات فيينا بما لا يقبل الشك، الانقسام الدولي، خصوصاً بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا حول مصير بشار الأسد، فيما تقاطعت مواقف /17/ دولة شاركت في الاجتماع على أهمية " اقناع الفصائل المسلحة، وقادة المعارضة باستئناف المفاوضات مع الحكومة مع أن المعارضة السورية نعت عملية السلام وهي لم تعد ترى فيها حراك ذي جدوى، والمعارضة  ترى أن (الدول الكبرى والأمم المتحدة التي أثبتت عجزها عن ادخال الحليب الى أطفال سوريا المحاصرين، هي عاجزة بالتأكيد عن فرض السلام) حيث أكدت هذه المعارضة أن (الرهان لم يعد على جولة جديدة من المفاوضات، بل تحول الى رهان على الأرض بعدما باتت الكلمة للميدان.

لكن لافروف أكد في محاولة لتخفيف دور بلاده في افشال فيينا: (أن موسكو لا تدعم الرئيس السوري بشار الأسد، بل تدعم الجيش السوري في مواجهة تنظيم داعش) وأضاف نحن لا ندعم الأسد بل ندعم القتال ضد الإرهاب وعلى الأرض لا نرى أي قوة حقيقية أكثر فعالية من الجيش السوري، رغم جميع نقاط ضعفه) مشدداً على ضرورة (مشاركة أطياف المعارضة السورية جميعها بممثلين عنها في المحادثات مع وفد الحكومة.
أما دي مستورا وبعد فيينا مباشرة، فقال: (انه لا يستطيع دعوة نظام الرئيس السوري بشار الأسد والمعارضة السورية للعودة الى محادثات السلام الا إذا كان هناك وقف " جدي " لإطلاق النار. )
السعوديون استمروا على موقفهم حيث أكد (الجبير) أنه (سيكون من الضروري البحث في البدائل اذا لم يمتثل بشار الأسد لمحاولات التوصل الى هدنة في عموم البلاد) وأضاف (ان المملكة تعتقد أنه كان ينبغي الانتقال الى خطة بديلة منذ فترة طويلة .. وأن خيار الانتقال الى خطة بديلة، وهو خيار تكثيف الدعم العسكري للمعارضة، وإذا لم يستجب نظام الأسد الى اتفاقيات المجتمع الدولي، فسيتعين حينها دراسة ما يمكن عمله).


المعارضة السورية ترى على لسان الناطق باسم الهيئة العليا للمفاوضات أن (الحل بعد مؤتمر فيينا بات أسوأ مما كان قبله فالشعب السوري كان يراهن على بارقة أمل من هذا المؤتمر عله يتقدم خطوة الى الأمام. فاذا به يعود عشرة خطوات الى الوراء) وتابع آغا (هل انتفت الأسباب التي دعت الى تأجيل المفاوضات؟) لافتاً الى أن (المطالب الروسية شبه تعجيزية، خصوصاً عندما يطلبون منا فصل الجيش الحر عن الجبهات).
كما أكد آغا على أن (المعارضة ترفض المقترحات الروسية التي تحاول افراغ جنيف /1/ من مضمونه، وهم لا يرون هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية، بل يريدون حكومة وحدة وطنية تقدم أوراق اعتمادها الى بشار الأسد، وروسيا تطارد المعارضة وتعمل على افشالها، ومازالت تعد أن كل من يعادي الأسد هو إرهابي "


وحول ما يقال عن حلف أوربي خليجي جديد قال: (ان هذا الامر كان مطروحاً لكن الجميع يتردد في تجاوز الخط الأحمر لأنه يعني حرباً عالمية جديدة).
ولعل النقطة المهمة أيضاً وبعد انهيار الهدنة أن من مخرجات مؤتمر فيينا فشله في تحديد موعد لاستئناف العملية السياسة بأي شكل من الاشكال، حيث اختصرت نتائج الاجتماع على تعهد المشاركين بتعزيز وقف إطلاق النار، والمساعدة على متابعة الملف الإنساني / البلدات المحاصرة، وكذلك تكليف دي مستورا بمتابعة ملف المعتقلين السياسيين لدى الطرفين.
وبناء على ذلك فمجموعة الدعم الدولية المؤلفة من /17/ فريقاً ودولة ومنظمة، كان أقصى ما يمكن فعله لديها، احترام القرار /2254/، بمعنى أن يضمنوا وصول المساعدات.
هم لم يستطيعوا أن يوقفوا القتل، ولا القصف، ولم يستطيعوا أن يحددوا جولة جنيف /3/، وقد يكونوا قد تركوا الصراع مفتوحاً الى ما بعد الانتخابات الأميركية القادمة. أو أننا سنكون أمام صراع مفتوح لا نستطيع تحديد كيف سينتهي.
وليس بعيدا ان القول أن المرحلة هي مرحلة تمرير وقت، يمكن أن تستمر الى آخر العام، أي حتى موعد الإدارة الأميركية الجديدة. ليبقى الفصل والحسم للميدان، ولا يعرف أحد الى أين يمكن أن يصل هذا الميدان.
فهل عجزأم تعاجز الأميركان عن فتح طريق لممارسة ضغوط أكبر وأكبر للحل الذي يمكن ان يتوافقوا عليه؟ وهل يمكن أن يتعزز هذا الاتجاه أي حالة التراخي والعجز؟
وبعد هذه الرخاوة الأميركية في فيينا، وما بعدها، هل من الممكن أو المعقول، أن يُترك التفرد الإيراني، يعبث بالوضع السوري والشعب السوري، حيث وصل عديد الجنود الإيرانيين من حرس ثوري، وجيش وميليشيا طائفية، الى أكثر من /80/ الفاً في أقل تقدير .. وهم يمتلكون العتاد والعدة الحديثتين والمتمكنتين، كما يمتلكون دافع الحقد الطائفي والفارسي، البادية في عملياتهم العسكرية، وخاصة بعد هزيمتهم النكراء في (خان طومان) والتي وصفها الاعلام الإيراني بالكارثة، ويبدو أن حلب ماتزال أمام أعينهم، يحاولون اللعب بها كإيرانيين لهم أطماعهم، لكن لا بد أنهم عرفوا أن حلب لا يمكن أن تكون إيرانية في يوم من الأيام. أم أنهم تناسوا مكانتها الدولية والإقليمية أيضاً.


وإذا كانت الجولة في أول حزيران أو أول آب، فالمعارضة لديها سقفا محددا وليس بإمكانها المجيء، ومطالبها محقة، فحتى الملف الإنساني لم ينفذ منه شيء، ولا يريدون ادخال حليب أطفال الى داريا وغيرها، وهذا مما يفقد المعارضة الكثير من المصداقية، فيما لو وافقت على الذهاب، في ظل هكذا مناخات، ومن يتابع أجواء الهيئة العليا للتفاوض يرى أنها ليست في مكان تتشجع فيه على الذهاب الى جنيف وفق هكذا معطيات أو توقعات. لأنه ليس هناك أي جدية في الضغط على النظام او الوصول الى حل، وهناك لون أشبه بالأبلق، وهم عندما قالوا سينزلون المساعدات الإنسانية جواً، إذا لم يوافق النظام على إدخالها، فان هذه مسألة سريالية، أو عبثية، فمن يريد أن يُنزل المساعدات من الجو يعطي دلالة على العجز والعبثية، بل هو استهتار بالسوريين جميعا، فبدلاً من البحث والضغط على النظام وأتباعه لإدخال المساعدات الإنسانية بشكل طبيعي، يبدلون الوسائل لإدخال ما يريدون من المساعدات، عبر وسائل متخيّلة وفضائية، وهم يدفعون بذلك للمماطلة في أحسن الحالات.
وأخيراً لن نذهب الى القول مع بعض القائلين من أنه لم يكن السوريين جزءاً فاعلاً في عملية صنع القرار فيما يخص ثورتهم، بل كانوا في معظم الطريق متلقين، وعاملين بالإيحاء وبردود الفعل، وذلك منذ الاجتماعات الأولى بين الروس والأميركيين، التي قادت الى تفاهمات فيينا الأولى والثانية والتي تخطى فيها الطرفان تفاهمات جنيف الأولى ودروس جنيف الثانية.


حيث ما يزال الأمريكيين يرون أن (الحل البديل) أو الخطة، ومع كل ما نتج أو يمكن أن ينتج عن فيينا الآن أو بعد الآن، فان الأمريكيين ما يزالون يريدون للروس أن يتورطوا أكثر فأكثر، لذلك كان اللقاء فاشلاً بكل المقاييس، فالنظام ومعه الإيرانيين والروس يريدون أن يعيدوا (السوخوي) وعاصفتها، والإيرانيين يتوعدون للانتقام من خسائر (خان طومان). والأمريكيين همهم الهجوم على الرقة. لتبقى الحالة (عدم تعيين) كما في الرياضيات...
وبالإضافة لكل ما قيل وما اوردناه فانه أصبح من المؤكد ذاك العجز في مؤتمر فيينا عن تحديد موعد جديد للعملية السياسية وهذا يؤشر وبشكل واضح الى ذاك الانسداد بوجه الحل السياسي، ويبدو ان جرعات التفاؤل التي يتعمد المبعوث الدولي الى سوريا ستيفان دي مستورا ضخها في المشهد الإقليمي العام بين الحين والآخر ، لم تعد قادرة على حجب حجم التشاؤم الذي يسود الأوساط الدبلوماسية والسياسية التي توقعت   أن لا يكون ما بعد اجتماع فيينا كما قبله، حتى أنها باتت ترجح أن تكون سورية على موعد مع " صيف ساخن " وعودة الى " الحرب الشاملة " بعد مرحلة من الهدن المتنقلة التي انهار القسم الأكبر منها ، وهذا التصور الذي يوحي بالانجرار الى الحل العسكري ونزوع ايران أيضاً الى هذا الحل ، فيما يشارك الروس فيه ، لكن بأهداف مختلفة تصب بسياق رغبتهم استثمار النتائج لتمرير حلهم السياسي .
وتجدر الإشارة الى أن تسريب مسودة الدستور الذي اقترحته روسيا، دون مشاركة السوريين أو ايلائهم أي أهمية في عملية صياغته، وربما بموافقة أمريكية، بالإضافة الى مؤشر اعلانهم وقف استهداف جبهة النصرة لفترة مؤقتة، وما يدور من تكهنات حول الهجوم الجاري على الرقة بالتعاون مع فصيل (اكراد صالح مسلم) وما يمكن أن يؤدي اليه، من ضم الرقة الى الفيدرالية المعلنة من طرف واحد هو الطرف الكردي، كل ذلك يضع المعارضة في موقف لا تحسد عليه. ويدعوها الى التريث في اتخاذ أي موقف باتجاه المشاركة في جولات جديدة لجنيف، التي لم تعد تؤتي أي أُكل، ضمن هذه المعطيات الآيلة الى الانفراط.

علِّق