No votes yet
عدد القراءات: 10613

إيران توطّن الشيعة في سورية بغية تثبيت النظام

الكاتب الأصلي: 
Martin Chulov
تاريخ النشر: 
17 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة: مدنيون هجروا من داريا عام 2016 ليحل محلهم عائلات شيعية عراقية فيما بعد - تصوير عمر صناديقي \ رويترز

 

تسعى طهران لإيجاد مناطق نفوذ لها تمتد من حدودها إلى حدود إسرائيل، لذلك فهي توطّن مجتمعات جديدة في مناطق المسلمين السنة في سورية الذين فروا أو بالأحرى أجبروا على الفرار منها.

يجري تغيير ما في الوديان التي تفصل دمشق عن لبنان، حيث مجتمعات بأكملها كانت قد تخلت عن حياتها الاعتيادية وتحولت للحرب، وللمرة الأولى منذ اندلاع النزاع بدأ الناس بالعودة، بيد أن من يوطَّن الآن هم ليس الذين فروا خلال السنوات الست الماضية. ولدى القادمين الجدد ولاء وعقيدة مختلفة عن العائلات المسلمة السنيّة التي عاشت هنا من قبل، فهم بحسب من أرسلهم، بداية حركة توطين للشيعة في المنطقة، ولا يقتصر الأمر على الشيعة القادمين من المناطق السورية الأخرى، بل يشمل الشيعة من لبنان والعراق.

تعد عمليات مبادلة السكان عنصراً جوهرياً في خطة التغيير الديمغرافي لأجزاء من سورية، وتعتبر إعادةَ تنظيم البلاد لمناطق نفوذ، بحيث يمكن لمؤيدي بشار الأسد بقيادة إيران التحكم بها واستخدامها مباشرة لتعزيز مصالحها الأوسع، وتكثف إيران جهودها في الوقت الذي بدأ أتون الصراع يتبدد وتظهر رؤية مختلفة لروسيا الداعم الرئيسي الآخر للأسد.

تسعى روسيا في تحالفها مع تركيا إلى استثمار وقف إطلاق النار الشكلي، للدفع باتجاه توافق سياسي بين نظام الأسد والمعارضة في المنفى. في هذه الأثناء بدأت إيران بالتحرك لتنفيذ مشروع سوف يغير جذريا المشهد الاجتماعي السوري، فضلا عن ذلك، تعزيز معقل حزب الله في شمال شرق لبنان، وتوطيد نفوذ إيران من طهران إلى الحدود الشمالية من إسرائيل.

قال أحد الزعماء اللبنانيين الكبار: "لا تريد إيران والنظام أيّاً من السنة في المنطقة الواقعة بين دمشق وحمص والحدود اللبنانية، ويشكل هذا تحولاً تاريخياً في البنية السكانية للمنطقة".

 

وتعد بلدتا الزبداني ومضايا اللتان يسيطر عليهما الثوار وكانتا متنفساً لسكان العاصمة دمشق في الصيف قبل الثورة، المفتاح للخطّة الإيرانية، وكان مصير هاتين البلدتين منذ منتصف 2015 موضوع المفاوضات المطوّلة بين مسؤولين إيرانيين كبار وأعضاء من حركة أحرار الشام، الفصيل المعارض لنظام الأسد والمسيطر على المنطقة وأحد أقوى الفصائل السورية.

وقد تركزت المحادثات في إسطنبول حول مبادلة سكان من قريتي كفريّا والفوعة الواقعتين غرب حلب المتنازع عليهما بشدة بين الثوار والنظام خلال السنوات الثلاثة الماضية. وكانت فصائل الثوار-بما فيهم الجهاديون- قد حاصرت  كلا القريتين خلال فترة حصار النظام لحلب محاولين ربط مصيرهما بمصير القسم الشرقي من مدينة حلب، وكانت عملية المبادلة حسب مهندسيها اختباراً لإجراء تحولات سكانية أكثر شمولاً على طول المداخل الجنوبية للعاصمة دمشق إلى الوسط والشمال الغربي من سورية حيث يوجد العلويون ويأتي أغلب دعم الأسد من هناك.

 

إيران تدير عمليات مبادلة السكان:

 

وقال لبيب النحاس مدير العلاقات الخارجية في حركة أحرار الشام الذي قاد المفاوضات مع الإيرانيين في إسطنبول: "كانت إيران تسعى إلى إنشاء مناطق يمكنها السيطرة عليها، وكانت مستعدة لإجراء مبادلة بالسكان شاملة بين شمال وجنوب البلاد، وتريد امتداداً جغرافياً لها إلى لبنان". ويعد الفصل الطائفي قلب المشروع الإيراني في سورية، فإيران تبحث عن مناطق جغرافية يكون لديها السيطرة والنفوذ الكلي عليها، الأمر الذي سيكون له تداعيات على المنطقة بأكملها.

أصبح حصار بلدتي مضايا والزبداني القضية الرئيسية لمنع الثوار من استعادة السيطرة على بلدتي كفريا والفوعة والتي يقطنهما شيعة فقط. ويعتبر حزب الله مضايا والزبداني منطقة أمنية له وامتداداً طبيعياً لأراضيه في لبنان، وقد كان لدى الحزب أوامر مباشرة من القيادة الروحية الإيرانية لحمايتهم بأي ثمن، ونشطت إيران حول البلدات الأربعة بشكل خاص من خلال وكلائها في حزب الله، والذي كان له وجود مهيمن على امتداد السلاسل الجبلية بين أودية البقاع اللبناني إلى مشارف مدينة دمشق، لقد فرض الحزب حصاراً على مضايا والزبداني وحمى العاصمة دمشق، وأكدت مصادر داخل الحركة ومقرها لبنان أن القتال الدائر في وادي بردى إلى الشمال الغربي والذي يشكل خرقاً لوقف إطلاق النار بوساطة روسية هو جزء من المعادلة.

 

وفي أماكن أخرى في سورية، حدثت عملية أخرى لمبادلة السكان لتعيد تشكيل النسيج الاجتماعي للمجتمعات والتي قد تعايشت لقرون قبل الثورة، ففي داريا الواقعة إلى الجنوب الغربي من دمشق، نقلت أكثر من 300 عائلة شيعية إلى أحياء داريا المهجورة التي تركها الثوار في شهر آب/ أغسطس الماضي بموجب اتفاقية الاستسلام. ونقل ما يقارب 700 مقاتل من ثوار داريا إلى محافظة إدلب، في حين أعلنت وسائل إعلام النظام عن وصول عراقيين إلى المنطقة في غضون أيام.

 

مسجد السيدة زينب المحصن من قبل حزب الله، تصوير Kaveh Kazemi/Getty Images

 

إن وجود المزارات الشيعية في داريّا ودمشق كان المبرر لوجود حزب الله  والجماعات الشيعية الأخرى المدعومة إيرانياً، وقد حصن حزب الله مسجد السيدة زينب الواقع عند المدخل الجنوبي الشرقي لمدينة دمشق بقوة، وسكنت المنطقة عائلات عناصر الميليشيات الشيعية، والتي انتقلت إليها منذ أواخر العام 2012. كما واشترت إيران عدداً كبيراً من المنازل وقطعاً من الأرض بالقرب من مسجد السيدة زينب واستخدمتها لإنشاء حاجز أمني كصورة مصغرة لمشروعها الكبير.

قال أبو مازن دركوش القائد السابق في الجيش السوري الحر الذي فرّ من الزبداني إلى وادي بردى: "يعتبر المسجد الأموي -أكبر المزارات الإسلامية في العاصمة دمشق- منطقة أمنية يسيطر عليها وكلاء إيرانيون. وتعتبر المنطقة منطقة سنية، لكن هنالك مخطط يقضي بجلب الكثير من الشيعة إلى المنطقة لإسكانهم في محيطها وبالتالي تأمينها".

 

وقد كان مسؤولون لبنانيون كبار ومازالوا يراقبون ما يعتقدون أنه إحراق منهجي لمكاتب السجلات العقارية في المناطق السورية التي استعادها حزب الله والميليشيات الإيرانية نيابة عن النظام، وبفقد السجلات العقارية يجعل من الصعب على السكان إثبات ملكيتهم لمنازلهم. وقد تم التأكد من إحراق السجلات العقارية في الزبداني وداريا ومحافظة حمص وبلدة القصير على الحدود اللبنانية والتي استولى عليها حزب الله في بداية العام 2013 ويضيف دركوش، لقد تم تطهير أحياء بأكملها في مدينة حمص من سكانها الأصليين، وقد رُفض السماح للعديد من السكان بالعودة إلى منازلهم. ونقل السكان عن مسؤولين قولهم إنهم لا يملكون دليلاً على أنهم قد عاشوا هناك من قبل. وتابع دركوش: "لقد تحققت الخطوة الأولى من المشروع، والمتضمنة طرد سكان تلك المناطق وحرق أي شيء يربطهم بمنازلهم وأرضهم، والخطوة الثانية ستكون إسكان القادمين الجدد من العراق ولبنان محل السكان الأصليين".

قال أمير برهان مدير مشفى الزبداني: "بدأ التهجير من بلدة الزبداني عام 2012 وازداد بشكل كبير في عام 2015. والآن معظم أبناء بلدتنا قد هُجّروا إلى مدينة إدلب، وهنالك خطة واضحة المعالم لتهجير السنة من المناطق الواقعة بين مدينتي حمص ودمشق، حيث أحرقوا منازلهم وحقولهم، ويقولون للناس لم يعد هذا المكان ملكاً لكم بعد الآن"، هذا يؤدي إلى تفتيت العائلات حيث أصبح مفهوم الحياة الأسرية والارتباط بالأرض يتلاشى بعد كل هذا الإبعاد والنفي، إنه تمزيق للمجتمع السوري. وحين بدأت الحرب بالانحسار أصبحت سورية ما بعد الحرب على المحك أكثر لمن بقي على قيد الحياة حيث سيتوقف القتال أخيراً، وسيصبح الشعور بالهوية للرابح في الحرب هو السؤال الأكبر، ومن سيحدد الطابع الوطني لسورية.

"هذا ليس مجرد تغيير التوازن الديمغرافي، إنه تغير توازن النفوذ في كل تلك المناطق وفي جميع أرجاء سورية، ستكون مجتمعات بأكملها عرضة للخطر، فالحرب مع إيران أصبحت حرب هوية، تريد إيران في سورية دولة تشبهها وتخدم مصالحها، لكن المنطقة لا تحتمل ذلك"، يضيف  لبيب النحاس. 

علِّق