عدد القراءات: 3551

إن للبيت رباً يحميه

تعتبر المقاومة والنضال ضد المعتدي حقاً مشروعاً في كافة الأديان والأعراف والمعتقدات، بل إن المناضلين والثائرين ربما نالوا الحظ الأوفر في ذاكرة وتاريخ الأمم والأجيال.
إلا أن من حقنا أن نسأل: هل ينبغي علينا أن نمجّد كل مقاومة أياً كان أسلوبها؟  وهل الشعار المقدس الذي ترفعه مقاومة ما يجعلها معصومة؟ أم أنه ثمة ضوابط لا بد منها حتى لا تتحول المقاومة إلى زعرنة، ويتحول النضال ضد المعتدي إلى اعتداء ثانٍ ولكن بلغة أخرى؟.


للعثور على إجابات شافية يمكننا العودة إلى قصة أصحاب الفيل التي تروي لنا اعتداء أبرهة الحبشي على الكعبة ومحاولته هدمها، فمعرفة سبب هذا الاعتداء، وردود الأفعال عليه، يعطينا تصوراً واضحاً عن مفهوم المقاومة وكيف يكون إطارها.
بداية من المفيد أن نعلم أن اليمن – يومها - كانت محتلة من قبل الحبشة، وحتى يُثبت أبرهة (حاكم اليمن) ولاءه للنجاشي (حاكم الحبشة) بنى في صنعاء كنيسة هائلة وصار يدعو العرب للحج إليها.
لم تصفُ الأيام طويلاً لأبرهة، فلقد تعرضت كنيسته لإهانة فعلية، عندما تسلل أحدهم ليلاً ووضع فيها نجاسة أو أضرم النار حسب بعض الروايات التاريخية.
توجهت أصابع الاتهام إلى فتية من قريش لم يعجبهم أن يترك الناس كعبتهم الحجرية ليذهبوا لزيارة تلك الكنيسة المزخرفة .

وسواء أثبتت التهمة، أم أن ما حدث كان مفتعلاً بهدف تبرير الهجوم على الكعبة حتى لا يبقى لكنيسة صنعاء أي منافس، فلقد سار أبرهة بجيش كثيف كان فيه عدد من الفيلة والتي كان من المقرر أن تشد السلاسل بعد ربطها بالكعبة فتسقط الجدران وتنهار.

تلقى العرب هذه الحملة بردود فعل مختلفة:
- بعض القبائل تحالفت مع بعضها وحاولت منع الحملة من التقدم بقوة السلاح، ولكنها خسرت.
- سلك أهل الطائف طريق المداراة خشية على مدينتهم، كما أرسلوا مع أبرهة دليلاً يدله على الطريق.
- عرضت قريش على أبرهة أموالاً كثيرة لقاء أن يرجع عن البيت، إلا أنه رفض.
- أما عبد المطلب فقد ذهب إلى أبرهة وطلب منه أن يرد إليه إبله التي اعتدى عليها الجيش، دون أن يتعرض عبد المطلب لما يجري حول البيت الحرام، فلما استغرب أبرهة من هذا الموقف، لخّص له عبد المطلب الحكاية، وألبس القضية الثوب الذي تستحقه، وقال عبارته الشهيرة: (إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت رباً يحميه).
بالطبع لم يكن العرب يومها مفرّطين في بيت الله، ولا مقصّرين في حراسته، بل لقد حاولوا كل الخيارات المتاحة التي تليق بقدسية القضية، مستبعدين العنتريات التي لا تليق مع أنهم سادتها.

في القرآن الكريم سورة تحدثت عن هذه الحادثة، وقد بدأت بقوله تعالى:

( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)، فكان الخطاب فيها موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس إلى المعتدين، وهكذا فالآية لا تحمل تحذيراً لمن يفكر بالاعتداء بل تحمل توجيهاً لنا بألا ننساق وراء غيرتنا على مقدساتنا ونسلك سبلاً عاطفية متسرعة للدفاع عنها، فإما أن نقاوم بقوة تشتت جمع المعتدي وتحبط كيده كما فعل ربنا بأصحاب الفيل، وإما ألا نقاوم، طبعاً ليس شرطاً أن يقصد بالقوة استعمال السلاح دوماً، بل ربما نحقق النصر على المعتدي بالحل الاقتصادي أو السياسي أو ...، فالآية فتحت لنا آفاق الاستعانة بالطيور.
يرتبط اختيار أسلوب المقاومة بحجم ومساحة الفكرة أو القضية، لأن النضال لأجل قضية محلية يختلف عنه لأجل قضية أممية أو عالمية،  والعكس بين هذين المفهومين يؤدي إلى كارثة، فمسخ القضية الأممية وجعلها قضية محلية يؤدي إلى ظهور مناضلين كصعاليك العرب لا تنسجم وسائلهم مع الراية التي يحملونها، أما تأميم القضية المحلية فيؤدي إلى تكاثر الأيادي ثم توالد المصالح وهكذا تحترق الطبخة.


تشرح لنا الأحداث الجارية والتي تمر في سوريا وفلسطين ما ذكرناه آنفاً بوضوح، فالقضية السورية في أصلها قضية محلية محصورة بين أبناء دولة واحدة، لا تستدعي أكثر من أن يحمل الناس الورود ويقولوا لحاكمهم: (أعطنا حقنا)، أما حمل السلاح فلا معنى له على الإطلاق بين الجيران والإخوة.
في البداية هذا ما حصل فعلاً، ولكن لم تمض أشهر كثيرة حتى نفشت الهتافات، وتحولت القضية إلى نزاع بين الكفار والمؤمنين، فأتى إلينا المجاهدون من كل حدب وصوب، وألبست الثورة السورية ثوباً أكبر منها.
بينما فلسطين؛ فالقضية في أصلها أممية وعالمية، فهي ليست خلافاً بين سكان مدينة القدس من اليهود والمسلمين، وليست صراعاً بين أبناء المدن من العرب وسكان المستوطنات من اليهود، إنما هي اعتداء قامت به الحركة الصهيونية العالمية على بقعة يعتبرها كل مسلمي الأرض ملكاً لهم.


مع مرور الوقت لأكثر من ستين سنة، وانعدام التفاعل الرسمي العربي والإسلامي، وعدم وجود جدوى ملموسة للتفاعل الشعبي العربي والإسلامي تم تنحية الطرق النبيلة التي تليق ببعد القضية، وتخفف من الضحايا بالوقت نفسه، فلم نعد نسمع بانتفاضة أطفال الحجارة، ولم يهتم الناس كثيراً بأولئك المرابطين والمرابطات الذين اعتصموا سلمياً في الطرقات لمّا مُنعوا من دخول الأقصى الشريف، وانصب الاهتمام على الصواريخ – الأشبه بالمفرقعات – والتي أغرقت غزة ببحر من دماء الأبرياء أكثر من مرة، واليوم نحن أمام موجة إعجابات لا نظير لها بحَمَلة السكاكين وسائقي الحافلات وهم ينالون من الركاب والمارة طعناً ودعساً، الأمر الذي إن استمر على هذه الشاكلة سيفقد القضية الفلسطينية بعدها العالمي السامي، ناهيك عن خلق مسوغات لاعتداءات إضافية نحن في غنى عنها.
إذاً، النضال لأجل قضية لا بدّ أن يتم بشكل يعبر عنها ويحترم مضمونها، أما الانطلاق بدوافع العصبية والثأر، والاقتداء بمغامرات روبن هود فهذا عبث في محتوى القضية والفكرة، لهذا فإن القعود عن المقاومة مقاومة، عندما لا نملك الوسائل الصحيحة، ولنا في عبد المطلب أسوة حسنة.

علِّق