No votes yet
عدد القراءات: 16755

إن أراد ترامب تحقيق النصر في العالم الإسلامي، يجب عليه أن يعرف هذا التاريخ

الكاتب الأصلي: 
Akbar Ahmed
تاريخ النشر: 
24 آذار (مارس), 2017
اللغة الأصلية: 

 

حتى في ذروة الحروب الصليبية، عزز فريدريك الثاني التسامح الديني

قال الرئيس ترامب إنه يخطط للتعاون مع الحلفاء المسلمين، إلا أن ذلك لا يبدو كافياً.http://img.huffingtonpost.com/asset/scalefit_720_noupscale/58bf650d2700003800748a68.jpeghttp://img.huffingtonpost.com/asset/scalefit_720_noupscale/58bf650d2700003800748a68.jpeg

 

أكد الرئيس دونالد ترامب أن محور تركيز إدارته سيكون محو ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية "من على وجه البسيطة". كما تحدث مستشارون رئاسيون بارزون؛ مثل "ستيف بانون"، عن الإسلام ووصفوه بعدوّ الولايات المتحدة والغرب. والآن وقّع ترامب قرار حظر آخر يركز على سفر المسلمين من 6 دول، وهي قائمة يمكن أن تتوسع، وذلك عقب تعهّده في حملته بحظر جميع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، على الأقل بصورة مؤقتة. ولكن إن أراد تحقيق النجاح فهو في أمس الحاجة إلى إعادة تقييم رأيه.

 

والرئيس مدرك، كما قال في خطابه أمام الكونغرس، لضرورة العمل مع "الحلفاء في العالم الإسلامي" من أجل القضاء على مشكلة الإرهاب العالمي بصدق. بيد أن ذلك يستحيل تحقيقه إن استمر ترامب بإثارة العداوات مع مسلمي العالم، ومن بينهم حلفاء أمريكا. ذلك أن شيطنة الإسلام وحظر المواطنين من دول ذات أغلبية مسلمة ليست مجرد طرق غير فعالة لمحاربة الإرهاب، وإنما تؤدي كذلك إلى نفور الشركاء المهمّين الذين يجدون مثل هذه الخطابات المعادية للإسلام والتصرفات مهينة وتتناقض مع كثير من رموزهم الثقافية والقبلية؛ من الشرف والكرامة وحسن الضيافة، التي يعتزون بها.

بدلاً من ذلك، ينبغي لترامب وإدارته اتباع أسلوب مختلف؛ أسلوب يتطلع إلى كسب قلوب وعقول المجتمع الإسلامي الأكبر. وعندها فقط سيكون لديه مجالات متنوعة للقضاء على التهديد الذي يفرضه تنظيم الدولة الإسلامي والجماعات المشابهة. وللقيام بهذا، يجب أن يستمد الرئيس ترامب من التاريخ منذ 8 قرون مضت جزءاً ذا صلة بالواقع؛ وهو السيطرة على القدس من قبل الإمبراطور الروماني الأسطوري المقدس "فريدريك الثاني" في ذروة الحروب الصليبية والذي تحقق له ذلك باتباع السبل السلمية والدبلوماسية.

 

من الصعب أن يصدّق المرء اليوم عندما تعلن الجماعات المتطرفة مثل ISIS الحرب صراحة ضد المسيحيين، أنه في وقت مضى وعندما كان أسلاف المسلمين أنفسهم في المنطقة التي نشأت فيها الجماعة، قام هؤلاء الأسلاف بتسليم واحدة من أكثر مدن العالم أهمية ومدينة تعد هدفاً رئيساً للحروب الصليبية دون عنف. لمَ حدث ذلك وكيف حدث فهذا له تداعيات مهمة على السياسة الأمريكية اليوم.

لقد كان فريدريك الثاني، وهو أحد أقوى حكام أوروبا في زمنه والذي عاش من عام 1194 إلى عام 1250، كان ملكاً متميزاً في العصور الوسطى. ونظراً لنشأته في صقلية، المدينة التي تضم عدداً كبيراً من المسلمين، فقد تحدث العديد من اللغات بما فيها اللغة العربية، كما كان لديه حارس شخصي مسلم. وقد أمست عباءة التتويج الخاصة به، والتي كانت تحمل نقوشاً عربية، أصبحت عباءة التتويج لكل إمبراطور روماني مقدس حتى القرن الثامن عشر.

 

أظهر الإمبراطور الاحترام للأقليات الدينية كاليهود والمسلمين، كما عزز أعمال الفيلسوف الأندلسي المسلم الكبير "ابن رشد"، وكان مشهوراً باحتفاله بالمناسبات المرتبطة بنبي الإسلام "محمد عليه السلام". علاوةً على ذلك، كان الإمبراطور مفتوناً بالسعي وراء المعرفة وملتزماً بسعيه بالإضافة إلى احترامه للتعاليم الإسلامية إلى درجة كبيرة، فقد كان يكتب في كثير من الأحيان إلى أكبر حكام العالم الإسلامي متحريّاً إجاباتهم عن مسائل فلسفية مهمة. لكن غرابة وجود حاكم مسيحي يسعى وراء هذه العلاقات أثناء الحروب الصليبية  كان لها كبير الأثر في العالم الإسلامي؛ فقد تجاوب الحكام مع فريدريك بحسن نية ونمت العلاقات بين أوروبا والعالم المسلم على الرغم من التوتر وإراقة الدماء نتيجة الاشتباكات.

http://img.huffingtonpost.com/asset/crop_0_117_2740_2401,scalefit_720_noupscale/58bf5f482700003300748a61.jpeg

برغم التوترات الدينية أثناء الحروب الصليبية، سعى فريدريك الثاني إلى إقامة علاقات طيبة مع المسلمين.

 

وقد تحقق أعظم انتصار لفريدريك؛ والذي يجب أن يُدَرَّس في مدارس الاستراتيجية والدبلوماسية في وقتنا هذا، باستخدامه هذه الأساليب من التفاهم الثقافي والاحترام للسيطرة على القدس بنجاح واستعادة المسيحيين لها. وبذلك، حقق فريدريك حلم كل حاكم مسيحي في أوروبا منذ أن استعاد "صلاح الدين"، واحد من أبرز القادة المسلمين السياسيين في وقته، المدينة من أيدي المسيحيين منذ عقود في عام 1187، منهياً بذلك 90 عاماً من الحكم المسيحي.

وعندما  بلغت الأخبار مسامع  حاكم مصر السلطان "الملك الكامل"، ابن شقيق صلاح الدين، بأن حملة صليبية جديدة في طريقها إليه، سمع بعض الإشاعات حول الإمبراطور الذي كان في قيادتها، فقام الكامل بإرسال وزيره الأمير "فخر الدين"، لزيارة فريدريك وتقييم الوضع. ونمت علاقة صداقة وثيقة بين فخر الدين وفريدريك أثراها تبادل الأفكار والهدايا، بل وقام فريدريك بمبارزة فخر الدين أيضاً.

 

وعلى الرغم من تطور علاقات الصداقة هذه، إلا أن المفاوضات بشأن القدس بدت أنها في طريق مسدود. غير أن فريدريك ركز على بناء علاقات مع القادة المسلمين، وكما كتب المؤرخ الأمريكي "توماس كورتيس فان كليف"، مستشهداً بأرصدة مجموعة من المؤرخين المسلمين من العصور الوسطى، كتب "يبدو أن هذا التبادل العلمي هو الذي حقق نجاحاً عندما فشلت الأساليب الأخرى".

ومن خلال تبادل الآراء مع فخر الدين، تفاوض فريدريك والكامل على اتفاقية، عُرِفت باسم اتفاقية يافا (1229)، والتي تمكن فريدريك بموجبها من الحصول على القدس إلا أن المسلمين ستكون لهم السيطرة على الأقصى وقبة الصخرة في موقع هيكل سليمان، الذي يستطيع المسيحيون الوصول إليه للصلاة. وسُمح لليهود بالدخول إلى المدينة للصلاة على الحائط الغربي لجبل الهيكل، وسيحتفظ المسلمون بقاضٍ في القدس، كما كان لا بد من حماية الحجاج غير المقيمين في القدس. وسمحت الاتفاقية للمسلمين أيضاً بالوصول إلى بيت لحم، التي انتقلت إلى سيطرة فريدريك. كما سُلِّمَت كل من الناصرة وصيدا وتبنين (تورون) ويافا وعكا إلى فريدريك كذلك.

وبعد مدة وجيزة وصل فريدريك، برفقة حارسه المسلم واصطحب معه معلمه في الفكر العربي العلمي، الذي كان مسلماً من صقلية، وصل إلى القدس ليستقبله "شمس الدين"، القاضي البارز في نابلس، الذي كان السلطان قد عيّنه لاستضافة فريدريك. وانطلاقاً من حماسه لإكرام ضيفه وعدم الإخلال براحته، طلب شمس الدين من المؤذنين المحليين ألا يرفعوا الأذان للصلاة، لكن فريدريك كان مستاءً في اليوم التالي واشتكى إلى القاضي وقال له: "أيها القاضي، لمَ لم ينادِ المؤذنون للصلاة بالطريقة الطبيعية ليلة البارحة؟". فأجابه شمس الدين: "لقد منعهم هذا العبد الفقير، احتراماً لجلالتكم". لكن هذا أيضاً لم يرضِ فريدريك ليقول للقاضي: "كان هدفي الأساسي من قضاء ليلة في القدس هو سماع المؤذنين يرفعون الأذان للصلاة، والاستماع إلى ابتهالهم إلى الله أثناء الليل". وبعدها قام فريدريك بتوبيخ القاضي بقوله: "لقد ارتكبت خطأ؛ لمَ تحرم نفسك من أداء واجبك الطبيعي والالتزام بقانونك وتأدية واجبك الديني؟".

 

وفي وقت لاحق، رافق شمس الدين الإمبراطور فريدريك إلى المسجد الأقصى، ليعبّر الإمبراطور عن سعادته بجمال المسجد، لا سيما روعة المحراب، أو القوس الذي يتجه باتجاه مكة المكرمة. وخرج الإمبراطور بعدها من المسجد، ممسكاً بيد شمس الدين بمودة، ليواجه راهباً يحمل الأناجيل وآخرين يحاولون دخول المسجد بالقوة. أثار ذلك الموقف غضب فريدريك فصرخ في وجوههم: "ما الذي جاء بكم؟ أقسم أنه إن حاول أحدكم الدخول إلى هنا دون إذن مني، فإني سأقتلع عينيه. نحن خدم وعبيد للسلطان الملك الكامل. لقد منحنا هذه الكنائس تكرماً وتفضلاً منه، لذا لن يتجاوز أحد منكم هذا الحد". أما الراهب فقد شعر بالخجل وانسحب مسرعاً.

 

http://img.huffingtonpost.com/asset/scalefit_720_noupscale/58bf6bf92700003800748a6e.jpeg

قام فريدريك بزيارة المسجد الأقصى بعد التفاوض على القدس، وانبهر بجماله وروعته.

 

وقد حقق فريدريك ما بدا مستحيلاً في استعادة المسيحيين للقدس سلمياً. وفي رسالة وجهها إلى الملك هنري الثالث في إنكلترا، أكد الإمبراطور على أهمية نجاحه، وكتب في الرسالة "في هذه الأيام القليلة، وبالمعجزة لا بالشجاعة، أُنجِز الوعد الذي لم يتمكن عدد كبير من مختلف أمراء وحكام العالم منذ وقت طويل من إنجازه بالقوة".

وبعد عودة فريدريك من الشرق الأوسط، استمر بالتواصل مع السلطان المصري بصورة فعالة، وكان يخبر زوّاره المميزين أن صديقه كان أعز شخص بالنسبة إليه من بعد ابنه. وعندما توفي السلطان في 1238، حزن فريدريك لوفاته. وقد رثى فريدريك رحيل السلطان في رسالة كتبها إلى ملك إنكلترا، وقال فيها إن "العديد من الأمور كانت لتكون مختلفة للغاية في الأرض المقدسة لو أن صديقي الكامل ما زال على قيد الحياة".

وبرغم الاختلاف الكبير بين القرن الحادي والعشرين والقرن الثاني عشر، إلا أن هذه الحادثة التاريخية تُعد درساً وعبرة للرئيس ترامب وللولايات المتحدة وغيرها من الحكومات الأوروبية الذين يتفاعلون مع العالم الإسلامي والمسلمين الذين يعيشون في مجتمعاتهم. لقد كان فريدريك يمتلك جميع الأسباب الداعية ليفكّر بالطريقة التي فكر فيها الأوروبيون في وقته حول الإسلام والمسلمين، بيد أنه باتباعه طريقة مختلفة تماماً، كان من بين القليلين من الحكام، هذا إن لم يكن الوحيد، الذي كان قادراً على تحقيق النجاح دون خوض المعارك عندما أخفق الكثيرون في ذلك.

 

وكي تكونوا مطمئنين، كان فريدريك يمتلك جيشاً قوياً ولم يتردد في استخدامه في كثير من الأحيان. لكنه رأى في هذه الحالة شيئاً لا يمكن للجيش أن ينجزه لوحده، لذلك أقام علاقات وثيقة مع الطرف الآخر، ووضع أهدافه الخاصة واستمع إلى أهدافهم باحترام. وعلى أساس هذا النهج، استجاب الطرف الآخر وتمكّن كلا الطرفين من التحدث بودية والتوصل إلى حل.

وتؤكد استراتيجية فريدريك على أهمية هذه السمات التي تعرّف عظمة الحضارة وهي: المعرفة والحكمة والاحترام والتعاطف مع البشر الآخرين. وفي الواقع، تعد الأهمية التي أسندها إلى العقل وتفهم الناس مباشرة بدلاً من الإشاعات، تعد درساً لا يمكن تجاهله فيما يخص "الأخبار الوهمية" وكراهية الأجانب السائدين في وقتنا هذا.

 

كما لا ينبغي لهذه القيم أن تكون دليلاً لعلاقة الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي وحسب، وإنما علاقته بالعالم برمته كذلك. وعلى أية حال، فإن تلك القيم هي المثل العليا للآباء المؤسسين لأمريكا، ومن الجيد لنا أن نتذكر حكمتهم. فقد قال "توماس جيفرسون": "المعرفة هي القوة.. المعرفة هي السلامة.. المعرفة هي السعادة"، أما "جورج واشنطن" فقد تمنى "السلام مع العالم أجمع"، وكان يعتقد "بنيامين فرانكلين" أن "التخفيف من مصائب إخوتنا يتفق مع المبدأ الإلهي، إنه أمر ربّاني".

 

http://img.huffingtonpost.com/asset/scalefit_720_noupscale/58bf6eca1e00002a0077e676.jpeg

تم إقصاء الكثير من المسلمين اليوم نتيجة للخطاب المعادي للإسلام.

 

إن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية والقضاء على الإرهاب ليست بالمهمة السهلة، كما أن ساحات المعارك في وقتنا هذا أكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه في أيام فريدريك. وسيكون من السذاجة أيضاً أن نعتقد أن أساليب إقامة علاقات صداقة وتفهماً ثقافياً ستنجح مع الإرهابيين الذين يسعون إلى طمس معالم الإنسانية. لكن الأوان لم يفت بعد على الوصول إلى المسلمين الحقيقيين، وليس أولئك الذين يستخدمون الدين غطاء لأيديولوجية متطرفة وتعتمد على العنف، بل أولئك المسلمون حول العالم الذين كانوا ضحايا أيضاً  للإرهاب، ويريدون القضاء على تنظيم الدولة مثل العديد من الأمريكيين، ومن بينهم مسلمو أمريكا. لقد حان الوقت للاستماع إليهم وتبني وجهات نظرهم كوجهات نظرنا.

لذلك، يجب على الرئيس ترامب أن يقرر ما إذا كان سيستخدم أساليب ذكية لتقوية العلاقات مع الأصدقاء والحلفاء، وبهذا يكسب احترام العالم الإسلامي وإحسانه وبالتالي يقضي على تنظيم الدولة. وإما أن يلجأ إلى شيطنة الإسلام وحظر المسلمين وبذلك يتفاقم المد المتزايد أصلاً من الكراهية والعنف حول العالم. عليه أن يختار، ذلك أنه لا يستطيع الجمع بين الخيارين.

-----------------------

الكاتب:

أكبر أحمد (Akbar Ahmed): رئيس قسم الدراسات الإسلامية في الجامعة الأمريكية.

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2531504

مقالات المترجم