No votes yet
عدد القراءات: 5276

إنه عالم بوتين؛ كيف أصبح الرئيس الروسي البطل الأيديولوجي للقوميين في كل مكان؟

الكاتب الأصلي: 
Franklin Foer
تاريخ النشر: 
4 شباط (فبراير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

عاد فلاديمير بوتين، عام 2012، إلى الرئاسة بعد أربعة أعوام من التوقف المفروض دستورياً. وقد فوجئ، في المدة التي سبقت تنصيبه بالاحتجاجات التي ملأت شوارع موسكو، ومدناً كبرى أخرى للتنديد بعودته. وقد تطلبت هذه المعارضة جهوداً لإخمادها، لكن فرصة لاحت له في الخارج، وذلك سيكون حلاً للأزمة الداخلية التي تواجه بوتين وتحقيقاً لتطلعاته الدولية في الوقت ذاته.

وبعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، انتشرت الاحتجاجات الشعبية في جميع أرجاء أوروبا. وعندها استشعر بوتين والاستراتيجيون من حوله بدايات انتفاضة أكبر قد تقلب الموازين في القارة وتجعل الحياة عسيرة بالنسبة لمنافسيه الجيوسياسيين. وقد لحظت وثيقة صادرة عن مركز الاتصالات الاستراتيجية عام 2013 -وهي مؤسسة فكرية مؤيدة للكرملين- وجود رقع كبيرة في الغرب تحتقر الحركة النسوية وحركة المطالبة بحقوق المثليين، وعلى نحو أعم، الاتجاه التقدمي الذي كان محرِّكاً في مجتمعاتهم. ومع استعداد الجماهير التقليديين للثورة، انتهز الرئيس الروسي الفرصة. فمن الممكن أن يغدو كما دوى عنوان الصحيفة "الزعيم العالمي الجديد للتيار المحافظ".

 

لم يتحدث بوتين عن الغرب بحماس على الإطلاق، لكن الخطابات القاتمة حول مصير الغرب أصبحت مركزية في خطاباته. كما هاجم "أوروبا الأطلسية" المنحلة ثقافياً، والجافة روحياً بطرق سوداوية. ووصف الغرب بـ"العقيم الذي لا جنس له"، بينما سخرت الدعاية الروسية من أوروبا بوصفها "أوروبا المثلية". وفي قلب قضية بوتين كان هنالك اتهام للنسبية الأخلاقية. إذ قال في مؤتمر عام 2013: "إن الواقع يشهد كيف ترفض الدول الأوروبية الأطلسية جذورها، بما فيها القيم المسيحية التي تشكل أسس الحضارة الغربية".

وأضاف: "إنهم ينكرون المبادئ الأخلاقية وجميع الهويات التقليدية: القومية والثقافية والدينية وحتى الجنسية منها.. فهم يطبقون سياسات تساوي بين العائلات الطبيعية الكبرى والعلاقات من نفس الجنس، والإيمان بالله مع الإيمان بالشيطان". وأشار في مناسبة أخرى، إلى أن الغرب باستسلامه للعلمانية إنما يتجه إلى "ظلام مضطرب" و"يعود إلى حالة بدائية".

وقد أدرك عدد من المحللين الفاعلية التي من شأن مثل هذا النوع من الخطاب أن يحدثها خارج حدود روسيا. لكن القادة اليمينيين حول العالم _ بدءاً من "رودريغو دوتريتي" في الفلبين، ومن بعده "نايجل فاراغ" في بريطانيا، وصولاً إلى "دونالد ترامب" في أمريكا _ يتحدثون الآن عن بوتين باستخدام مصطلحات بطولية. والتملق في كلامهم لا يعوّل عليه غالباً، إذ يُعزى ذلك إلى المدفوعات من تحت الطاولة وغيرها من الجهود الروسية المتخفية. ومع ذلك، لا تمثل هذه التفسيرات مكانة بوتين الضخمة؛ فقد حقق بوتين هذا البروز بفضل توقعه للثورة الشعبية العالمية وإسهامه في إعطائها الشكل الأيديولوجي الذي تمثلت به. ونظراً إلى انتقاده المروّع للغرب _ الذي لعب أيضاً على وتر المخاوف من رد الفعل الهش المفترض للمسيحية تجاه الإرهاب الإسلامي _ أمسى بوتين تميمة للمقاومة التقليدية.

 

في البداية، افترض معظم المراقبين الغربيين أن بوتين لن يكسب معجبين أبعد من هامش الحزب اليميني. فقد ركزت تطلعات روسيا في فرنسا بداية على "ماريان لوبان"، أشد منتقدي الهجرة والعولمة، والتي آوى حزب الجبهة الوطنية - الذي تنتمي إليه- منكري المحرقة. وفي عام 2014 قدم بنك روسي قرضاً لحزب لوبان الذي يعاني ضائقة مالية وبلغت قيمة القرض 9 ملايين يورو. وفي المقابل، عملت لوبان على تضخيم نقاط الحوار التي يتبعها بوتين، معلنة أن روسيا "حليف طبيعي لأوروبا".

ولما كانت الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا تعد ملاذاً لبوتين، حقق الأخير نجاحاً، وأشرف على الانتخابات الرئاسية الفرنسية الراهنة. وخلال حملة العام الماضي لترشح الحزب الجمهوري الفرنسي _ موطن اليمين الوسط_ تدافع المرشحون لتقديم فروض الطاعة. كما تخلى الرئيس السابق "نيكولا ساركوزي"، الذي يحاول إحياء مسيرته، عن تاريخه في انتقاد رجل روسيا القوي. وفي رحلة قام بها إلى سان بطرسبرغ في شهر يونيو/ حزيران، حرص على التوقف لالتقاط صورة تذكارية مع بوتين، ملوحاً بيده ومبتسماً ابتسامة عريضة.

وقد جاء في كتاب ساركوزي الذي سبق الحملة: "لست أحد مقربيه، لكني أعترف بأني معجب بصراحته وهدوئه وسلطته. إنه روسي حتى النخاع!". كانت تلك إيماءات مبهرجة، إلا أنها كانت بالكاد ذاتية وحسية. أما منافس ساركوزي "فرانسوا فيلون"، فقد تصرف بصورة مندفعة تماماً، على الرغم من أن مشاعره بدت أقل افتعالاً _ إذ أنه خلال السنين التي أمضاها في منصب رئيس الوزراء منذ عام 2008 وحتى 2012، قوى علاقته بالرجل الذي أسماه "عزيزي بوتين". وفي شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، قال "آلان جوبييه"، المرشح الجمهوري المفضل لدى صانعي الصعاب: "لا بد وأن تكون هذه الانتخابات الرئاسية الأولى التي يختار فيها الرئيس الروسي مرشحه". لكن سخريته من منافسيه نتيجة "الإعجاب الروسي المفرط" بالكاد ساعدته،  وفيلون اليوم هو مرشح الحزب، بعد أن ألحق هزيمة نكراء بجوبييه بما يزيد عن 30 نقطة.

وهذا الاحتضان الفرنسي لبوتين له جذوره في تاريخ البلاد الطويل من الإعجاب الروسي ومعاداة الأمريكية. لكن رواج بوتين ينبع كذلك من جوهر قائمة المشكلات لديه، والتي توافق مزاج الأساس المحافظ لفرنسا، وكما تكشف مبيعات الكتب الفرنسية، يبدو أن الجماهير لديهم رغبة عميقة للجدل وتصور انجراف البلاد إلى نهايتها. وكان القلق يركز أكثر على فكرة "التحول الكبير"، وهو الخوف من أن تتحول فرنسا إلى بلد مسلم، بمساعدة فشل الأزواج الوطنيين على التكاثر.

 

علاوة على ذلك، تقتضي الكآبة كره الآخرين، لكنها تعني كذلك مقت النفس في الوقت ذاته. وقد رفع الجدليون اليمينيون صوتهم عالياً في أن فرنسا ستبدد تقليدها الثوري وإرثها الثقافي دون أن تحرك ساكناً لإنقاذ نفسها. وتعد رسالة "إريك زيمور" التعريفية "الانتحار الفرنسي"، فهرساً يمس القوات التي تقتات على الحيوية في هذه البلاد _ وهم الأكاديميون البنيويون، ورجال الأعمال غير الوطنيين، والتكنوقراطيون في الاتحاد الأوروبي.

وعلى خلاف الاعتقاد السائد، لا يمكن أن تُعزى الشعبوية الجديدة كلياً إلى التشريد الاقتصادي. ففي مدة قصيرة من الزمن، مر الغرب بثورة ثقافية كبرى _ وهي تدفق المهاجرين والتحرك نحو المساواة الجديدة. ومنذ عشرة أعوام فقط، كانت قضية مثل زواج المثليين موضع جدل للغاية بالنسبة للسياسيين كباراك أوباما الذي لم يجرؤ على دعم القضية المذكورة حينها. وبدا نجاح تلك الحركة كما لو أنه إحدى عجائب العصر _ وهو درس موضوعي لما قد يحدث عندما تساعد شبكة الانترنت بربط الناس مع بعضهم البعض وصناعة الترفيه الذي يدعو إلى التسامح. وكان يبدو أن الحروب الثقافية قد انطفأت واندثرت، وبذلك تحقق قوات التقدم انتصاراً ساحقاً.

لكن هذا لم يحدث. وفي بحث عن تفسير عالمي للثورة القائمة، تفحصت "بيبا نوريس" من كلية كينيدي في جامعة هارفارد و"رونالد إنكليرت" من جامعة ميشيغان بعض بيانات استطلاعات الرأي والعلوم الاجتماعية. وتوصّلا إلى أن الشعوبيين اليمينيين قد استغلوا نفور الناخبين البيض كبار السن إلى حد كبير، أولئك الذين يشعرون بالغضب إزاء تآكل القيم التقليدية. وقد ازداد أولئك الناخبون غضباً عندما شعروا بالعار نتيجة وصفهم بالمتعصبين وغير المتسامحين. وقد كتب كل من نوريس وإنكليرت التالي: "هذه هي المجموعات التي من المرجح أن تشعر بأنها غريبة عن القيم السائدة في بلدها، ويشعرون أنهم متأخرين عن المد التقدمي للتغير الثقافي". فقد عمل خوفهم من الانهيار الحضاري على تراجع إيمانهم بالديمقراطية، وخلق نوع من التطلع إلى رجل قوي يستطيع درء الكوارث.

 

وتعد قضية زواج المثليين مثيرة للخلاف في فرنسا، حيث تعهد فيلون بمنع تبني الزوجين من الجنس نفسه. كما أن المعركة ضد الإسلاميين ما تزال دعوة ملحة كذلك؛ إذ يُسمى بيان فيلون للحملة بـ "قهر الشمولية الإسلامية". وعندما تذلل أمام الرئيس الروسي، كان يعلم أن القاعدة التي ينتمي إليها تتوق إلى كل شيء يجسده بوتين _ من قبيل الرجولة والسخرية من اللياقة السياسية وشن حرب على الملحدين العالميين في بروكسل ورفضه التساهل مع خطر الإرهاب الحقيقي والمتنامي.

بالإضافة إلى ذلك قام بوتين بعكس رواية الحرب الباردة، ورجوعاً إلى حقبة السوفييت، نجد أن الغرب كان عدواً للإلحاد. واليوم، نجد أن الزعيم الروسي هو من يسعى إلى إخماد هذا الخطر المفترض. ويبدو أن المحافظين الأمريكيين على دراية بأنه ينبغي لهم أن يقاوموا الانجرار وراء بوتين _ وقد رد العديد منهم على مناشداته بتقليب اليدين _ غير أنهم لا يستطيعون مساعدة أنفسهم.

وفي عام 2013، ذكر الكاتب "بات بوشانان" بوتين بوصفه عدواً للعلمانية، إذ كتب: "إنه يسعى إلى إعادة تعريف الصراع العالمي "نحن في مواجهتهم" في المستقبل الذي يقف فيه المحافظون والتقليديون والقوميون وجميع القارات والبلدان ضد الإمبريالية الثقافية والعقائدية فيما يراه بوتين غرباً منحلاً". وقد أصبح هذا النوع من الولاء مجازاً عند المفكرين المحافظين _ ومن بينهم "رود درير" و"مات دردج" _ وقد أثر كذلك في متابعيهم.

وفي منتصف العام 2014، كانت نسبة 51% من الجمهوريين الأمريكيين يرون بوتين شخصاً سلبياً للغاية. وبعد ذلك بعامين تراجعت النسبة لتبلغ 14%. وبحلول شهر يناير/ كانون الثاني، قالت نسبة 75% من الجمهوريين إن ترامب يتبع "النهج الصحيح" في التعامل مع روسيا. (وعندما سُئِل عن هذا التغيير، أجاب بوتين: "ذلك لأن الناس يتشاركون مشاعرنا التقليدية".

 

-----------------------------

لمحة عن الكاتب:

فرانكلين فوير(ranklin Foer): كاتب في صحيفة "أتلانتك" ورئيس تحرير سابق في "نيو ريببلك". وفوير أيضاً زميل في مؤسسة أمريكا الحديثة. وعمل أيضاً في صحيفة "سالت" ومجلة "نيويورك".

 

علِّق

المنشورات: 286
القراءات: 2288657

مقالات المترجم