عدد القراءات: 1930

إنهم يعبدون النص ولا يستنيرون به.... في ظاهرة إنكار المجاز

أطلق أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى عام 209 كتابه الشهير مجاز القرآن، وأسس بذلك مدرسة لغوية دقيقة في فهم النص القرآني والوقوف على ما فيه من وجوه البلاغة والإيجاز والمجاز والإطناب.

ولكن أهمية الكتاب لا تتوقف أبداً عند الجانب البلاغي، إنها من وجهة نظري تتصل بالجانب الأصولي والتشريعي للكتاب العزيز، وكانت جرأة بالغة من أبي عبيدة أن يقتحم هذا الباب ليعلن منذ القرن الثاني أن القرآن الكريم نص أدبي وأنه ليس فقط يسير على نسق النصوص الأدبية بل هو يلهم الأدب العربي والبلاغة العربية كثيراً من فنونها، وأنه إذن ليس نصاً يعمل بظاهره وإنما يعمل بمقاصده ومراميه.

 

في هذا الكتاب الجليل يمكنك ان ترصد أكثر من مائة موضع قال فيها أبو عبيد: "النص غير مراد ، أو لا يصح اتباعه، أو لا يلزم منه الوجوب مع أن صيغته الوجوب، ولا يلزم منه التحريم مع أن صيغته التحريم!"

لقد مر هذا الكتاب على الأمة الإسلامية سمناً وعسلاً وتقبلته الأمة المسلمة في ذلك العصر الحضاري حيث كانت الدولة العباسية في فترة انطلاقها وكانت الدولة القائمة كما هو حال الدولة الإسلامية في كل العصور دولة مدنية طبيعية، تنتج تشريعاتها وفق مصالح الناس، ولا باس أن نعترف بأن مصالح الناس كانت في الواقع هدفاً تالياً بعد مصالح الحاكم، ولكن التشريع في النهاية كان سياق تطور مجتمعي يتحدد بحاجات المجتمع أكثر مما تحكمه نصوص سرمدية لا يأتيها المجاز من بين يديها ولا من خلفها.

 

وفكرة المجاز في القرآن تعرضت لنقد شديد من قبل الفقهاء المعاصرين له واللاحقين بعد أبي عبيدة، خاصة عندما أدركوا المقصود الحقيقي منها وهو إيقاظ العقل ووقف الاستغناء بالنقل، وكان الأصمعي يغضب كلما ذكر له كتاب أبي عبيدة، أما الفراء فقد اشتد في نقده حتى طالب أن يضرب أبو عبيدة لمسلكه فى تفسير القرآن، ورأى أبو حاتم أنه لا تحل كتابة «المجاز» ولا قراءته إلا لمن يصحح خطأه ويبينه ويغيّره وكذلك كان موقف الزجاج، والنحاس، والأزهريّ منه.

وفيما بعد ظهر معارضون كثير لفكرة المجاز في القرآن واعتبار أن القول بالمجاز هو اعتراف بالكذب والقرآن مبرأ منه، ومن الذين أنكروا المجاز أبو إسحق الاسفرايني وابن تيمية وفي عصرنا ابن باز وابن عثيمين وقد كتب الشيخ السلفي محمد الأمين الشنقيطي كتابا خاصاً بعنوان منع جواز المجاز.

وقد رأى هؤلاء وغيرهم أن القول بالمجاز في القرآن الكريم مرفوض لأنه يستلزم بالضرورة منع التشريع بالقرآن لان نصوصه مجازية وغير واقعية واعتبروا ذلك هرطقة وردة.

ولكن ما اختاره أبو عبيد حظي باحترام عدد كبير جداً من الفقهاء في التاريخ فقد اعتمد عليه ابن قتيبة (ت 276) فى كتابيه «مشكل القران» و «غريب القرآن» ، ونقل عنه البخاري (ت 255) فى الصحيح، واعتمد عليه الطبري (ت 310) فى تفسيره ، والزجاج (ت 311) فى معانيه، وابن النحاس (ت 333) فى معانى القرآن، وكثير من الفقهاء عبر التاريخ.

 

من الأمثلة القريبة على المجاز في القرآن عرش الله وكرسي الله ويد الله وعين الله وإذن الله وساق الله، وفي السنة ضحك الله ومشي الله ورجل الله وهرولة الله وشبر الله وباع الله... وهي كلها مصطلحات متناقضة مع العقيدة في الظاهر وجماهير الفقهاء يرون صرفها عن ظاهرها واجباً شرعياً وإلا وقعنا في الشرك.

ومن المفارقة ان القرآنيين المنكرين للسنة يرفضون الاعتراف بالمجاز، وقد كتب الدكتور الشحرور في كتابه الكتاب والقرآن أن المجاز والترادف يحسنان في الشعر ولا يحسنان في القرآن، وأن القرآن خالٍ تماماً من المجاز ومن الترادف، وفي الحقيقة فإن هذا الرد ينسجم مع فكرة صمدية القرآن، فالنص الذي سيحكم في كل زمان ومكان لا يجوز أن يكون فيه مجاز ولا ترادف.

وبالطبع فإن النتائج التي وصل إليها القرآنيون من إنكارهم للمجاز لا تشبه في شيء تلك التي وصل إليها السلفيون من إنكار المجاز، وإن كان السبيل الذي سلكوه واحداً.

 

قناعتي أن موقف أبي عبيد الشجاع من المجاز ليس إلا تقريراً لحقيقة تحتاجها الأمة وهي احترام القرآن وإجلاله، والنظر في مقاصده وتجاوز ما دلت عليه ظاهر العبارة، وهذا الموقف هو أيضاً ما قرره علماء التفسير على مختلف مذاهبهم من تقرير وقوع الناسخ والمنسوخ في القرآن وكذلك الظاهر والمؤول والعام والخاص والمطلق والمقيد، وهي أبواب كثيرة فتحها الفقهاء وهي تخدم حقيقة واحدة وهي أن النص القرآني نص أدبي جميل، ولكن لا يصح أن ننتظر منه بيان الحقائق الفزيائية والجغرافية والاجتماعية، وهو نور يستضاء به ونص يستأنس بإشاراته ولكن لا ينبغي انتظار بيان الأحكام التشريعية من خلال ظاهر لفظه بل من خلال مقاصد عباراته ومعانيه.

الإقرار بالمجاز في القرآن هو الذي يوفر لهذا الكتاب العزيز حقه من الاحترام والإجلال في عصر العلم، أما تنزيله منزلة النص التشريعي على النسق الذي تحرر به القوانين فسيقودك إلى نتائج متناقضة وهو بالضبط ما نراه في اختلاف المذاهب والتفاسير، وهذا الاختلاف يحول دون استنباط أحكام نهائية بلغة قانونية حاسمة بل يلزمك الاختيار من هذه المذاهب، وبالتالي فإن احتيارنا من المذاهب في التشريع يعني اننا  نمارس الاجتهاد الذي أمر به القرآن الكريم نفسه، ونتحرر من قيد ظاهر النص.

 

 أما أولئك الذين يصرون على ظاهر اللفظ، ويرفضون أن يطرأ عليه أي نسخ أو تخصيص أو تقييد أو تشابه أو مجاز فإنهم في الواقع يخالفون منطق الأشياء ويخالفون أول ما يخالفون جماهير الأصوليين الذين قرروا وجود هذه الحقائق في القرآن ولم يروا أبداً أنها تنقص من قدسيته ونوره، وقد أدى تمسكهم بظاهر اللفظ إلى نتائج مضحكة، فمثلاً عند قوله والله جعل لكم الأرض بساطاً فإن إئمة كبار كالخازن وابن عطية والقرطبي يذهبون إلى أن الأرض مسطحة وإن القول بكروية الأرض هو جحود للنص القرآني واحتكام محاد لما أنزل الله، ومن العجيب أن هذه الفتاوى تعود اليوم للانتشار بشكل واسع خاصة بعد ان أصبح تأسيس قناة فضائية على اليوتيوب أمراً متاحاً لكل أحد ولم يعد عليه رقيب ولا حسيب، وقد تابعنا على كثير من الفضائيات فتاوى متتالية تحرم القول بكروية الأرض وتحرم القول بدوران الأرض حول الشمس، وهي فتوى الشيخ بن باز والشيخ صالح الفوزان والشيخ ابن جبرين وهم من هيئة كبار العلماء في المملكة وهي مناصب تعتبر أعلى ما في العالم الإسلامي من المناصب الدينية.

وحتى نكون منصفين فأنا لا أتهم أحداً بالعلم أو الجهل، وبإمكاني أن أقول عن بصيرة بان القرآن الكريم يدل على ثبات الأرض ويدل على دورانها ويدل على كروية الأرض ويدل على تسطحها، ويدل على حقيقة النجوم ويدل على رمزيتها وأنها محض مصابيح ويدل على أن الشهب هي الثقب الأسود وبدل على أنها رجوم الشياطين........

ولا يمكن الخروج من هذا التناقض إلا بالاعتراف بالمجاز والمنسوخ والمتشابه والمقيد والمخصص في القرآن، أما الإصرار على اللغة الإطلاقية الصماء فإنه من وجهة نظري لا يخدم القرآن ولا يخدم المسلمين.

ذات يوم سئل الشيخ ابن باز ما هي دلالة قوله تعالى: لا يضل ربي ولا ينسى فقال: نثبت لله تعالى صفة عدم النسيان، فساله وما هي دلالة قوله: نسوا الله فنسيهم، فأجاب نثبت لله تعالى صفة النسيان!!

 

إنهم يعبدون النص ولا يتبعونه، ويغالون في دينهم ويقولون على الله وكتابه غير الحق، فينكرون المجاز فيه وينكرون النسح فيه حتى يغدو نصاً جاهزاً للحاكمية على الحياة ويرسلون العقل في إجازة فلا حاجة للعقول طالما أن قوانيننا وأحكامنا مسطورة مفصلة في السماء لكل زمان ومكان، ولا معنى بعد ذلك لهذه الأدمغة البالية في الرؤوس، فقد كفى الله المؤمنين القتال و....

علِّق