إنها ليست مشكلة إسلامية، رداً على مقالة إياد شربجي (كيف يتحول المسلم إلى إرهابي)

 

* معتز شكري فيصل

 

ملاحظات على مقالة إياد شربجي (كيف يتحول المسلم إلى إرهابي)

 

منذ مدة طويلة وأنا أبحث في آيات القتال (وليس الجهاد) في القرآن الكريم وهي الآيات التي استندت إليها أنت لتحاول إثبات مقولاتك في هذا المقال. وقد كتب الشيخ القرضاوي عنها في كتابه الجهاد في الإسلام مطولا ما يجب على كل مسلم أن يقرأه ويفهمه ورد على الكثير من الشبهات المثارة والتي تكررها أنت هنا في مقالك المنتقى والمجتزأ.

أحب أسلوب السيد اياد شربجي في الاستفزاز، ولكن القليل من الموضوعية مع الاستفزاز قد يفيد. تسليط الضوء من جهة واحدة وقلة العلم الشرعي والتعامل مع فئة واحدة من العلماء ونوع واحد منهم، وملاحقة ما يقولون وتصيد أخطائهم وكره المؤسسة الدينية الحالية ومصائبها التي لا تحتمل، يمكن أن يوصل الإنسان إلى ما وصلت إليه من النتائج ولكن هناك طرق أخرى للبحث عن الحقيقة.

لا أبرئ هنا أحداً ولا أنكر الكثير مما قلته، ولكن لا بد لنا من الاعتراف بأننا نخطئ دوما عندما نعمم أنت تتكلم عن مليار ونصف مسلم في العالم تصفهم بالإرهاب، كما تكلمت عن ملياري مسيحي مسالمين بريئين تدعي أن المسلمين يريدون إفناءهم، فرفقا بنا وبعقولنا.

 

لقد تعرض المسلمون في كثير من البلدان لاضطهاد ليس له مثيل ولم يخرج منهم إرهابيون، ولكنك لم تجد سوى الأمثلة من الأقوام الأخرى ولم تجد مثالا إسلاميا واحدا، لا أدري ما هو السبب؟

الفكر الإرهابي الإقصائي موجود طبعا ولكنه لا يمثل أكثر من عشرة بالمائة من الفكر الإسلامي التسامحي الرباني الحقيقي. أرفض أن أسمي المشكلة إسلامية ولكنني أسميها فهما مغلوطا لجماعة من المسلمين امتلكت في الخمسين سنة الماضية المال الكافي والدعم الحكومي لنشر فكرها في بعض البلاد الإسلامية وهي بالمناسبة معارضة في كثير من البلاد الإسلامية. وقد واجهها الكثيرون بالتفنيد والفكر المعارض ولكنهم لم يمتلكوا الشهرة والمال لإيقاف مد هذه الجماعة وأقصد تحديدا الفكر السلفي الإقصائي الغارق في التاريخ والذي لا يعترف بالحاضر ولا يرى المستقبل.

خلاصة البحث الذي قمت به والذي لا أدعي له الصحة ولكنني أطرحه للنقاش والبحث، لأنها الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحق، هي أن القرآن كتاب الإسلام الذي نؤمن أنه قول الله تعالى وأنه في نفس الوقت دستور الماضي والحاضر والمستقبل، وباعتبار أنه جاء للعالمين كافة وأنه يتجاوز الزمان والمكان، كان لابد أن توجد فيه الخطوط العريضة العامة لقوانين تعامل البشر مع بعضهم البعض، لذلك جاء القرآن بآيات قد تبدو متناقضة في مرادها النهائي مثل آيات الرحمة والإحسان التي ذكرها من رد قبلي على المقال وآيات القتال التي نرى فيها من العنف والقسوة ما لا نستطيع أن نتصوره اليوم في عصرنا هذا، (رغم أن ما يفعله بعض مدعي الديمقراطية والحرية والتعايش من جرائم بحقنا وحق بلادنا وأمتنا يفوق بمراحل كل تصوراتنا الإنسانية عن إنسانية البشر).

القضية سيد إياد أننا أمام طريقين في القرآن لا ثالث لهما: طريق السلام والتعايش والمحبة والخلافة والعمارة في الأرض، وطريق القتل والقتال والاحتلال وإكراه الناس على الإسلام والسيطرة على العالم بالسيف.

وضع الله الطريق الأول لزمان كان فيه هذا الطريق هو العرف السائد في العالم المعروف المحيط بجزيرة العرب في ذلك الزمان إمبراطورية فارسية وإمبراطورية رومانية وكفار ليس لا يفكرون إلا باستئصال المسلمين كافة ولم يعرفوا في حياتهم حوارا ولا تعايشا ولا سلاما إلا سلام السيطرة والتغلب والقوة. تصور مثلا أن المسلمين فتحوا المدينة المنورة للأحزاب بجنودهم العشرة آلاف وقالوا لهم إن الله أمرنا ألا نقاتلكم ونحن سلميون طيبون ونحن سنكف أيدينا عنكم وافعلوا ما شئتم بنا فنحن سننتصر بقوة الكلمة! أو أن المسلمين انتظروا حتى يهاجمهم العرب من الشمال تحت أمرة الروم بعد أن حرضوهم على المسلمين وخوفوهم منهم! أو أن أبا بكر لم يقاتل المرتدين وتركهم ليجمعوا جيوشهم ويهاجموا المدينة ويعلنوا دينا جديدا ونبيا جديدا! كان هذا هو العرف السائد وكانت هذه لغة العصر التي لا بديل لها.

 

لم يختلف الأمر في كل العالم حتى اليوم لولا اكتشاف السلاح النووي الرادع الذي أجبر الغرب على التعقل وفهم أن القتال والاحتراب لن يؤدي إلا إلى الهلاك الشامل. لذلك تراهم يمنعون الاقتتال فيما بينهم وفيما بين كل من يمتلك سلاح الردع ويبيحونه بين من لا يمتلك من السلاح ما يهددهم به. وقد قال القرآن بهذا (ترهبون به عدو الله وعدوكم) الإرهاب هنا ليس ما يدعيه الغرب ولا ما يدعيه مجانين المسلمين ولا ما يدعيه من يحب الصيد في الماء العكر، ولكنه عين الإرهاب الذي تقوم به كل الدول التي تمتلك القوة والسلاح ترهب به أعداءها وتمنعهم من التفكير في مهاجمتها، وسيأتي اليوم الذي تدرك فيه البشرية هذا وتصل إلى التعايش بدون إرهاب ولا تخويف ولا قوة (اليابان مثالاً). ولا ننفي هنا وجود عقلاء أدركوا أن العالم أصبح قرية صغيرة لم يعد فيها مجال لإشعال حروب لا تصل آثارها إليهم وهذا موضوع آخر يطول شرحه.

الطريق الثاني الذي أشار إليه القرآن، وطبقه المسلمون أربع عشرة سنة في بداية الدعوة، (بالمناسبة هذا لم يكن جبنا ولا ضعفا ولاقلة حيلة كما يدعي البعض فقد كانت هناك الكثير من الفرص لعمليات تنكل بالمشركين وترد عليهم وتوقفهم عند حدودهم، هل كان أحد سيلوم بلالاً لو قتل أميه أو اغتاله مثلاً) وأعطوا الفرصة لمن كان ذا عقل أن يفهم النظرية الجديدة للتعايش ولكن لم يكن في محيطهم من يقبل هذا الكلام أو يستوعبه.

 

هذا الطريق هو طريق السلام والتعايش والمحبة والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، طريق فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، طريق وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (وليس للمسلمين).

إنها حكمة الله تعالى أن تكون بداية الطريق هي السلام ونهاية الطريق هي السلام وأن تكون الفترة ما بينها والتي طالت اليوم إلى أربعة عشر قرناً هي الدليل على أنه لا طريق إلا طريق السلام ,ان علم الله في الإنسان سيتحقق، (إني أعلم ما لا تعلمون).

هذا الطريق لا يمكن أن يسلكه المسلمون بمعزل عن العالم، كان من المفروض أن تتهيأ له الأرضية الكونية والعالمية وهي اليوم أقرب ما تكون أن تحقق. بالقوة الرادعة كما حصل في الغرب أو بالفهم السليم لمراد الله تعالى كما يجب أن يكون في العالم الإسلامي وعند غير المسلمين من العقلاء.

هذا الطريق هو الطريق الذي ستصل إليه البشرية يوما ما وهو ما ندعو إليه وهو ما يدعو إليه الإسلام الحقيقي الذي يدرك الواقع ويختار من النصوص ما يوافق هذا الواقع. لا يضير البشرية اليوم أنها في مرحلة بين المرحلتين بين القتل والقتال وفرض القوة والهيمنة وبين الشعور بأن هذا لن يفيد في النهاية وأن السلام هو الحل النهائي وليس الحرب ونحن علينا وعلى الغرب في المقابل أن يعطينا الشعور بأننا لن تنتهك أعراضنا ولن تدمر بلادنا إذا اخترنا طريق السلم بدل طريق الحرب.

كل هذا مباح ومتاح في كتاب ربنا وسيسألنا عن اختياراتنا واجتهاداتنا من كلامه، عز وجل، وسنكون نحن المحاسبون عن الطريق الذي اخترناه ولا يهولك عدم فهم الكثيرين من المتصدرين اليوم للكلام عن الإسلام مهما كانت مظاهرهم إسلامية ففهم الواقع شيء غير فهم الدين وغير فهم الإسلام وغير فهم الأحاديث وغير فهم الآيات.

 

تحياتي لك والمعذرة للإطالة. المزيد من الاستفزاز مع شيء من الواقعية والمنهاجية والرفق فأنت قادر على ذلك لو أحببت.

بالمناسبة القضية ليست كما ذكرت في الفيديو الذي نشرته البارحة، ولخصتها  بأل التعريف، بل هي أكبر من ذلك.

 

*معتز شكري فيصل

مغترب في ألمانيا- مهتم بالشؤون الاسلامية

 

--------------------------------
رابط المقالة المعنية (اضغط هنا)

 

التعليقات

لم أرى أي رد على المقالة ... ما رأيته فقط كلام من دون أي فائدة ترجى ... ارجو ممن يكتبون ردود أن يذهبوا مباشرة الى الفكرة ويناقشوا لا أن يدوروا حول المشكلة ويختلقوا الاعذار مع الكلام المعسول عن الاسلام ...... ما اعرفه هو أن هناك مشكلة يواجهها المسلمون وهم الوحيدون القادرون على حلها عن طريق نبذ كل المتطرفين والتشهير بههم على العلن قبل أن يتم التشهير بهم عن طريق الغرب ... دور صعب ويجب أن يتم العمل عليه عبر مجموعات كبيرة يكون هدفها مهاجمة المتطرفين بنفس حججهم وبقرآنهم والاعتراف الصريح الواضح أن هناك عدد كبير من الآيات يجب أن تجمد لأنها لا تصلح لهذا الزمان بهذه الطريقة وبغيرها نستطيع أن نجعل الاسلام دين بين الانسان وربه وبعيد عن الشبهات .

علِّق