عدد القراءات: 11585

إما "لا طائفية" وإما "بربرية"

 

الطائفة والطائفية "الطائفية السياسية" بالمعنى المستخدم اليوم إنما هو مصطلح حديث، ففي القدم كانت الطائفة تعني مجموعة من الناس او جماعة، ولم يقصد بها جماعة منتمية لدين أو مذهب، وقد وردت في القرآن الكريم بهذا المعنى، ثم ومنذ العهد السلجوقي مثلاً بدأت تستخدم بمعنى المجموعة التي تعمل في حرفة واحدة، بما يشبه الاتحادات الحرفية او النقابية اليوم. أما الطائفية السياسية فهي تعني اليوم النظر لجميع من ينتمون لدين محدد أو لمذهب على أنهم طائفة واحدة، لأفرادها مصالح واحدة موحدة جمعية، وأن حماية مصالحها تتطلب الالتفاف حول بعضها والانتظام في مواجهة الطوائف الأخرى، وأن يتحرك جميع افرادها كما يتحرك الجنود في وحدتهم العسكرية التي انتظموا بها، وأن يصطف افرادها خلف  قيادتها الحكيمة ويخضعوا لأوامرها وينفذوها دون تردد أو اعتراض، وأن تميز الطائفة نفسها بطقوس ومعتقدات ومؤسسات بل وحتى  ميليشيات مسلحة خاصة بها.


لسنا بحاجة للتأكيد بأنه من غير الصحيح إطلاقاً الزعم بأن مصالح من ينتمون لدين او مذهب في بقعة جغرافية محددة ضيقة أم واسعة يمتلكون نفس المصالح في العصر الحديث، وأن الطائفة هي الإطار التنظيمي الضروري لهم، وأنهم بحاجة

للاصطفاف خلف نخبة القيادة تستخدمهم في النهاية كطاقة لخدمة مصالحها، فمصالح المنتمين لأي مذهب أو دين إنما هي مصالح مختلفة بل ومتعارضة ومتناقضة، فكل طائفة منقسمة الى طبقات اجتماعية وفئات لها مصالح متباينة من جهة، ثم لا يمكن أن يكون الدين أو المذهب الذي يختص بعلاقة الفرد بالسماء هما المحدد لهوية البشر ومصالحهم وعلاقاتهم على الأرض. وبالتجربة تعلمنا وبثمن باهظ أنه عندما تدخل الطائفية يدخل الخراب. ومتى بدأ التأجيج للانتماء الطائفي وتنظيمة فإنه سينتهي بصدامات طائفية قاتلة.
من الأمثلة على التنظيمات الطائفية المغلقة الكتائب اللبنانية والقوات اللبنانية والأخوان المسلمون  وداعش والقاعدة وحركة أمل وحزب الله والحزب الاشتراكي التقدمي اللبناني وحزب الدعوة العراقي وجماعة الصدر والحكيم والحشد الشعبي في العراق وغيرها الكثير. وكل هذه الأحزاب الطائفية سعت لأن تغلق طوائفها وأن يكون لها أحزابها وميليشياتها ومدارسها ومستوصفاتها وجميعياتها الخيرية التي تخدم أبناء الطائفة.
يعد العراق منذ 2003 أبرز مثال وأكبر مأساة على الدمار الذي تفعله الطائفية في أي بلد. ويعد لبنان المثال الآخر الأقدم ولكن بقي تأثيره محدوداً وكان يعد حالة خاصة، ومصر هي الأخرى تعاني من هذا الوباء ولكن بقي محدوداً، ويدخل تحت هذا التصنيف ممارسة بعض البلدان والتمييز ضد بعض مجموعة سكانية من مواطنيها على أساس طائفي ممارسة طائفية ضارة، حتى لو كانت من العيار الخفيف. وينتقل الجرثوم الوبائي في السنين القليلة الأخيرة إلى عدد من البلدان العربية مثل اليمن وسوريا. ولا تقل الصراعات القائمة على أساس عشائري قبلي  سوءاً وضرراً عن الصراعات الطائفية.


مثلاً في العراق، المجموعات الطائفية التي تحكم العراق اليوم قاتلت مع إيران ضد وطنها العراق، وكان قادة الحشد الشعبي اليوم مثل هادي العامري والخزعلي ممن قاتلوا في صفوف القوات الإيرانية ضد وطنهم العراق، وكان قادة العراق اليوم قد تآمروا وحرضوا الأمريكان على غزو العراق، ثم جاؤوا الى السلطة محمولين على الدبابات الأمريكية. والآن بعد 13 عام نرى  الخراب والنهب الذي حل بالعراق تحت قيادات طائفية، ومعدلات الفقر وافتقاد الخدمات رغم أنه يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، ولعل من الأمثلة ذات الدلالة على ما تفعله سلطة طائفية أن يهرب جيش مؤلف من أربعة فرق وكتائب مساندة وقوات خاصة يبلغ قوام مجموعها أربعين الفاّ، حسب التقديرات التي اشيعت، مجهزين بأسلحة ثقيلة حديثة أمام أقل من أربعة آلاف مقاتل من داعش وقوات معارضة أخرى بأسلحة خفيفة. ويتهم المالكي مع قيادات تلك الفرق بتدبير "الهروب الكبير" وترك الموصل مفتوحة أمام داعش كي يخلق خطر عظيم بما يتيح له التمديد لولاية ثالثة في رئاسة الوزراء ويستدل البعض على ذلك بما حدث وبوقوف المالكي وإيران وراء منع متابعة التحقيق في ملف "الهروب الكبير" المغلق حتى الآن.


إن أخذنا حزب الله اللبناني كحالة للدراسة نجد أنه تأسس بأمر من الخميني، وفي البداية قاومت سوريا وجوده لأنها كانت تعتمد حركة أمل، ولكن بعد ضغوط إيرانية اضطرت للإفساح له وأصبح لاعباً رئيسياً. وهو يتميز  بتبني ولاية الفقيه مما يعني تسييس المذهب كلياً وليس تسييس الطائفة فقط، فهو يعطي المواقف السياسية صفة التكليف الشرعي الديني، عملاً بنظرية ولاية الفقيه الخمينية، ويتحدث عن الموائمة بين السياسات العامة التي يرسمها الولي الفقيه وبين الهامش المسموح به للتعامل مع تفاصيل السياسة اللبنانية الواقعية، ويصوغ نعيم قاسم هذه العلاقة بصيغة "إسلامية المنهج يرسمها الولي الفقيه، ولبنانية المواطنة يرسمها الحزب"، إذا ولائه الرسمي والمعلن ليس لبنانياً وإنما إيرانياً. 
كانت أول مهمة لحزب الله بعد تأسيسه ان يسيطر على الطائفة الشيعية في لبنان ويجمعها خلفه، بينما كانت فئات واسعة منها ذات توجهات قومية ويسارية، فأخذ بالضغط على هذه القوى حتى وصل به الأمر الى اغتيال عدد من قيادات ومثقفي الحزب الشيوعي اللبناني، مثل حسين مروة ومهدي عامل وخليل نعوس وغيرهم. وكانت المهمة الثانية أن يحتكر المقاومة التي كان قد بدأها الحزب الشيوعي اللبناني وشاركت فيها قوى وطنية لبنانية مختلفة. وفي النهاية حول المقاومة إلى مقاولة كي يبقى محتفظاً بسلاحه رغم انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 وانتهاء مبرر احتفاظه بسلاحه، لأن السلاح أداة الحزب لفرض إرادته على شركائه في الوطن، فاختلق الحجج مثل مزارع شبعا كي يحتفظ بسلاحه. وهو اليوم القوة الأكبر في لبنان يفرض إرادته على الجميع بقوة السلاح الذي لم يتوارى عن إشهاره ضد اللبنانيين عام 2008 والآن ضد السوريين واللبنانيين.


وعبر تركيز الحزب على الطائفة الشيعية لصوغ هوية مميزة خاصة بها، فقد جعل منها "دولة داخل دولة" لها ميليشيا خاصة ومؤسسات خيرية وسياسية واجتماعية أقوى من مؤسسات الدولة اللبنانية، بل يتصرف تجاه العالم الخارجي بقرارات مستقلة منفردة لا تخضع لسلطة الدولة، والأمثلة كثيرة آخرها تدخلق في سوريا ليقتل سوريين.
أما داعش فهي لغز طائفي، فهي من جهة تتبنى إيديولوجيا مذهبية "سنية" متطرفة، ومن جهة أخرى سعت للسيطرة على مناطق السنة وعملت بهم تقتيلاً، سواء في سوريا ام العراق، وخلقت مناخاً اجج الطائفية الى حدود قصوى، وخلق مناخاً دولياً خدم قيادات ايران المذهبية والنظامين العراقي والسوري.
المثال الأخير الذي يعنينا في سوريا مباشرة هو مآل الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في آذار 2011 مطالبة بالحرية والكرامة وإقامة نظام ديمقراطي. فقد لاقت القوى ذات الإيديولوجيات الطائفية مساعي النظام في منتصف الطريق، الذي سعى إلى تطييف الصراع ودفع الحراك نحو التطييف وحمل السلاح، وافعاله هنا  معروفة، سعت تلك القوى لدفع الحراك السلمي نحو حمل السلاح ونحو ارتداء ثوب مذهبي، وقد البعض الدعم الكبير لهذه المجموعات، بينما حرم المجموعات التي لا تتبنى هذا التوجه من الدعم، مما شكل عامل إرعاب لما يسمى أقليات في سورية، وهي تسمية زائفة، كما ارعب فئات مدينية سنية واسعة، وارعب المجتمع الدولي مما قدم خدمة جليلة للنظام.

الطائفية وباء يحتاج لاستئصال:
كل هذه الدروس تعلمنا أننا نحتاج في سوريا كما في غيرها من بلداننا إلى مكافحة وباء الطائفية وتنمية مجتمع حديث بقيم حديثه على حساب الهويات الدينية والطائفية القديمة. وهذا يتحقق عبر:

- مجتمع يختص فيه رجال الدين بعلاقة الفرد الثابتة بالسماء، ويبتعدوا عن كل ما هو أرضي متغير واسع ومعقد، فلا يتدخلوا في السياسة أو أنظمة الحكم أو الاقتصاد أو تنظيم المجتمع وتنظيم الحياة اليومية وهي جوانب متغيرة متبدلة. وتدخلهم فيما هو ليس من اختصاصهم كمن يعرض ولده المريض على مهندس ميكانيك لعلاجه.
- وأد مفهوم الأكثرية والأقلية القائم على الانتماء المذهبي والديني، واختفاء كلمات مثل "مكونات الشعب" و "التعايش" فهذه تعابير تشير الى  فرقة.
- تنمية سياسات وممارسات ومؤسسات تنمي قيم المواطنية الحديثة التي تساوي بين جميع المواطنينن في كافة الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها بغض النظر عن الدين والمذهب والاثنية وغيرها مساواة على جميع الأصعدة، مقابل تراجع الانتماء المذهبي والطائفي وانتهاء تعريف الهويات على أساس ديني ومذهبي والتمييز بين المواطنين.
- تنمية تنظيمات سياسية حديثة تقوم على برامج وطنية مفتوحة للجميع مقابل تراجع التنظيمات السياسية الخاصة بدين أو مذهب،
- تنمية جميعات ومؤسسات خدمية وخيرية مشتركة مفتوحة للجميع مقابل تراجع الجمعيات والمؤسسات الخدمية والخيرية الخاصة بمذهب أو طائفة،
- تنمية تردد الناس على المراكز الثقافية والأندية المفتوحة للجميع أكثر من ترددهم على دور العبادة،
- تنمية المدارس والمؤسسات التعليمية العصرية المنفتحة للجميع والتي تخلو مناهجها من تدريس أية ديانة، مقابل تراجع المؤسسات التعليمية التي تختص بطائفة ومذهب،
- تنمية احوال شخصية مشتركة عصرية مدنية موحدة للجميع واقامة محاكم أحوال شخصية موحدة للجميع مقابل تراجع قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بكل طائفة ومذهب ومحاكم شرعية خاصة بها.


هل هذا صعب التحقيق؟
الجواب نعم صعب التحقيق ونحن نرى الانتماءات الطائفية تنمو، ولكن حتى لو كان التحقيق صعبا، فهذا هو الطريق الوحيد، ثم إن الوعي والادراك والاقتناع وتبني المبدأ هو أول شروط تحققه ولو بعد حين، ولن يكون هذا الحين بعيداً وقد رأت شعوبنا الكوارث التي جلبتها الانتماءات الطائفية.
"إما "لا طائفية" وإما "بربرية".
 

علِّق