عدد القراءات: 17266

إلى ابني.. فرات

بعد 30 عاماً سأكون بالتأكيد.. قد رحلتُ عنكَ وعن هذا العالم؛ و ستكون أنتَ في مثل عمري تماماً؛ و لن أعرفَ تماماً.. ما ستكون؛ إلا أذا قررّتَ أنتَ بنفسك.. من تكون.
ولكني أعرف من الآن.. بأنّ الذين يقتلون السوريين منذ 4 سنوات.. سيتعبون؛ فحين يتحوَّل القتل إلى عادةٍ يومية.. سيُصِيب القاتلَ بالكآبة؛ وربما.. بالكوابيس.
أمّا القتيل.. فسيكون قد ارتاح من قاتليه؛ مُورِّثاً لأبنائه الخوفَ.. ذاتَهُ؛ ولكن.. من قتلةٍ مُتسلسلين؛ بالوراثة؛ وتحت راياتٍ شتّى؛ ولغاياتٍ.. لا علاقة لها بشعاراتهم الرنّانة.
وخلالَ 30 عاماً.. سيكون على الرُكام أن يتناقصَ؛ وعلى الغبار بعد القصف.. أن يصير سماداً؛ وعلى الذكريات.. أن تجول بين الخرائب؛ بقدمين مذهولتين.. بحثاً عن صورةٍ لها؛ مغروسةٍ.. كالشظيّة على حائط أحد البيوت.
بعد 30 عاماً.. ستكون فرنسياً بالإقامة؛ بِقَدرِ ما أنت.. سوري؛ وبقدر ما أنتَ.. فراتاً عذباً ماؤُهُ؛ ولكن.. على ضفتيِّ نهر السين؛ وسيكون لك من الذكريات عن بلدِك.. أقلَّ؛ أو أكثرَ.. ممّا لديَّ بعد موتي؛ ولا أدري إذا كانت ذكرياتُ المرء.. تنام هي الأخرى؛ كنوم صاحبها في القبر؛ ولكنّي أعرف بأنّ.. لا أحدَ يستطيع النجاة من ذكرياته؛ حتى لو غرق في البحر.. كسوريٍ يعبر الموج من شواطىء الاستبداد؛ إلى ما يُسمّى.. بشواطىء العالم الحرّ.
ربما.. لن نلتقي ثانيةً طوال 30 عاماً؛ و قد فرَّقنا الاستبداد؛ وأخذتنا من بلدنا.. كلُّ تلك البلاد؛ وما هربنا منها.. طوعاً؛ ولم تكن في حقائبنا يوماً.. على هيئة خارطة سياحية؛ ثم انتهت زيارتنا لها.. فطويناها.
سوريا يا بُنيَّ.. يا فرات؛ هي الجِينَة الحضارية.. التي لا تُغادِرُنا حتى لو غادرناها؛
فاعلَم.. وأنتَ تعلمُ؛ بأنكَ.. سليلُ آلافِ السنواتِ من الابتكار والتعدُّد والانفتاح على الشعوب والأديان والحضارات؛ كما أنكَ.. سليلُ آلافِ السنوات من الغزاة ومن الطغاة؛ و أن دمشقَ هي طريق العالم.. إلى العالم كلّه؛ ومن بواباتها السبعة.. خرجت أوّل الابجديات وأوّل الفلسفات وأوّل الأديان؛ ولطالما كان قَدَرُ السوريين أن يدفعوا الضريبة مرّتين: مرّةً.. لِصَدِّ الغزاة؛ ومرَّةً.. لمحاربة الطغاة.
ولطالما دَمَّرَ الغزاةُ.. بلدَك؛ ولطالما أفسَدَها مِن داخلها.. الاستبدادُ؛ لكنها كانت تنهض في كلِّ مرَّةٍ.. على قدمينِ من ماءٍ وطين؛ لتبني أعشاشَ حَمَامِها من جديد؛ ولتغرسَ في الظلام مرَّةً تِلوَ مرَّةٍ.. بياضَ الياسمين.
ماذا ستفعل خلال 30 عاماً؛ هذا شأنكَ أنتَ.. ومستقبلك؛ فإذا صار لك ولدٌ.. تذكّر بأنك كنتَ تُنادِيني باسمي.. بلا رتوشٍ؛ وهكذا: نَجُّوم .. خالياً من استبداد الآباء بالأبناء؛ لِيُنادِيكَ ابنُكَ.. هكذا: فَرُّوت؛ كما نادَيتُكَ صغيراً؛ ونُنادِيكَ بهِ.. حتى الآن.
وأن تُعلِّم ابنكَ.. حفيدي؛ على أن يستقلَّ بذاتهِ؛ ليكونَ.. ذاتَهُ؛ وليسَ مُجرَّدَ انعكاسِ صورتِكَ في المرآة.
وأن تهمسَ له.. بصوتي؛ إذا.. لم ألتَقِ بهِ.. يوماً ما:
- لا بأسَ أن يتشائم عقلك ممّا حولَكَ من فسادٍ أو من تعصّبٍ أو من انحطاط؛ ولكن لا تسمح لأحدٍ أن يكسِرَ إرادَتَك؛ أو.. تَركُنَ لليأسِ؛ فينتصرَ يأسُكَ عليكَ؛ قبل أن ينتصرَ أعداءُ الحريّة.. عليك.
ماذا ستفعل إذاً يا فراتُ.. بعد 30 عاماً من هذا الخراب؟!
لا أعرف.. إذا كنتَ ستعودُ إلى البلد؛ ولا أعرف هل ستصير بلدنا: سوريا.. بلداً كما حلمنا به.. وتمنَّيناه؛ فذاكَ.. شأنُ أجيالٍ بَعدَنَا تتوارثُ الأحلامَ؛ في مواجهةِ وَرَثَةِ القتلِ والفساد والتعصّب والدمِ المُستباح.
فإذا بقيتَ هناك في تغريبتك.. فعليكَ - وهذا أقلُّ ما تفعله - أن تكون نافعاً لبلدك وأنت هناك؛ كما أنت نافع للبلد الذي احتضنكَ و تدرسُ الآن.. في إحدى أعرق  جامعاته.
وإذا متُّ.. في تغريبتي؛ فعليكَ.. أن تُعفِيني من قبرٍ.. ليس لي؛ ناقلاً رُفَاتِي مِن غُربتي.. إلى ظلّ أول زيتونةٍ سوريةٍ؛ حين تُعيدني إلى أول التراب وآخر التراب.
بعد 30 عاماً؛ سيكون لك طفلٌ واحدٌ على الأقل.. يا فرات؛ طفلٌ وحيدُ مثلُكَ.. تماماً؛ كنهرٍ صغيرٍ.. من سلالة العاصي وبردى والفرات؛ وسترى بعينيه.. كيف تعتّق دمنا السوريُّ.. في الأرض الخراب؛ وكيف شقّت براعمُهُ الترابَ.. لتخرج من رحم الموت.. إلى الحياة؛ فتلك سَيرُورَةِ الكونِ.. حتى مُنتهَى صَيرورَتِه.

استانبول 7 - 10 - 2015 ق.م الحرية.
 

علِّق

مقالات الكاتب