Your rating: لا يوجد (1 vote)
عدد القراءات: 7404

إعادة التفكير في خطر التطرف الإسلامي؛ التغييرات اللازمة في استراتيجية الولايات المتحدة

الكاتب الأصلي: 
Anthony H. Cordesman
تاريخ النشر: 
2 شباط (فبراير), 2017
اللغة الأصلية: 

ملاحظة ابتدائية: تم وضع الأشكال والصور المشار إليها في متن الدراسة في نهاية المادة، وذلك لسهولة تصفّح الدراسة

------------------------------------------------------

الملخص التنفيذي

على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في جوانب رئيسية في محاربتها للإرهاب والتطرف الإسلامي. فقد أحرزت تقدماً عظيماً في تطوير دفاعاتها المحلية وجهودها في مكافحة الإرهاب الدولي، فضلاً عن إعادة هيكلة شراكتها الأمنية مع الدول التي تضم عدداً كبيراً من المسلمين للمساهمة في اهتمامهما بمكافحة الإرهاب بقدر اهتمامها بقضايا الأمن العسكري. بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة تحقق تقدماً كذلك في التغلب على قدرات تنظيم الدولة الإسلامية في السيطرة على الأراضي، والتصرف كمشروع دولة، وتشكيل ملاذ لتدريب المقاتلين والجهود الرامية إلى توسيع نطاق نفوذه وزيادة عدد التابعين له.

وفي الوقت ذاته، يتمحور جزء كبير من الجهود الأمريكية حالياً حول الخطر المباشر الصادر عن تنظيم الدولة الإسلامية والتهديد الخارجي الذي تفرضه على الولايات المتحدة وأوروبا. قليلون أولئك، في الولايات المتحدة، الذين يدركون  أهمية الشراكات الاستراتيجية التي أقامتها الولايات المتحدة مع عدد كبير من البلدان المسلمة كما لا يدرك الكثيرون أن المعركة الأساسية ضد تنظيم الدولة الإسلامية هي معركة تدور رحاها في الدول الإسلامية، وأنها معركة من أجل مستقبل الإسلام- أكثر من خطرها المحدود على الأديان والدول خارج العالم الإسلامي.

لطالما كان خطر الإرهاب الإسلامي داخل الولايات المتحدة وأوروبا حقيقياً، إلا أنه لم يكن سوى جانب صغير من سلسلة من التهديدات أكثر خطورة يفرضها ذاك الإرهاب ضمن العالم الإسلامي. إن المعركة في المقام الأول معركة تدور بين الحكومات المعتدلة والأغلبية الشعبية الملتزمة بقيم الإسلام التقليدية من جهة ومتطرفين يسعون إلى استخدام أي شكل من أشكال العنف تقريباً- بالإضافة إلى مزيج من الإرهاب والحرب غير المتكافئة- من جهة أخرى، للاستيلاء على السلطة. ونجد أن ذلك "صراع داخل حضارة بحد ذاتها" وليس "صراعاً بين الحضارات".

وليس باستطاعة الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها من البلدان غير المسلمة أن تتغلب على الإرهاب- أو تقضي على الخطر الأكبر الذي يمثله التطرف الإسلامي- من خلال المحاولة في عزل نفسها عن الدول المسلمة، أو حتى من خلال معاملة المسلمين كما لو أن التطرف الإسلامي العنيف يشكل أكثر من أقلية ضئيلة من المسلمين. إن الإسلام ينتشر بسرعة كبيرة للغاية، ويصبح قوة ذات أهمية قصوى في العالم. كما تُظهر استطلاعات الرأي أن الأغلبية الساحقة من المسلمين تعارض العنف والفكر المتطرف، بالإضافة إلى أن معظم الحكومات المسلمة تعد من الشركاء الأساسيين في مكافحة التطرف والإرهاب، فضلاً عن أدوارها كشركاء لا غنى عنهم للحفاظ على الأمن في التعامل مع الأخطار الأخرى.

ويتمثل التحدي الرئيس للولايات المتحدة في إنعاش شراكاتها الأمنية، والعمل مع البلدان الإسلامية على نطاق واسع وتطوير نُهج جماعية أحسن حالاً لمواجهة كل من خطر التطرف والتهديدات الأخرى كتلك التي تشكلها إيران. يجب على الولايات المتحدة أن تظهر أنها قادرة على التصرف بحسم وأنها شريك بوسع شركائه الوثوق به. وفي الوقت نفسه، لا بد وأن تعمل الولايات المتحدة مع شركاء الأمن المسلمين كما لا بد لها من مساعدتهم في معالجة إخفاقاتهم في تطوير برامج فعالة مضادة للتطرف وفي تحسين الجهود للدفاع الجماعي، وبالتالي معالجة فشلهم عن طريق تناول جميع أسباب التطرف الإسلامي بصورة كاملة.

كما قد ركز الغرب والدول الإسلامية، على حد سواء، على أعراض التطرف الإسلامي بدقة  بدلاً من علاج المرض فالحركات من قبيل تنظيم داعش والقاعدة وطالبان هي أعراض المرض وليست مسبباته.

بالإضافة إلى أن قدراً ضئيلاً للغاية من الاهتمام أُعطي للاتجاهات المدنية والمشكلات الأساسية التي ظهرت في العالم الإسلامي الآخذ في الاتساع. لقد كانت تلك المعضلات الأسباب الجوهرية للعنف والتطرف الإسلامي، والاضطرابات السياسية داخل الدول الإسلامية إلى حد كبير والتي بدأت عام 2011. واشتملت تلك المشكلات على ضغوط سكانية حادة، وفشل وفساد حكومي، وانقسامات طائفية وعرقية، وتنمية اقتصادية غير كافية إلى حد بعيد، وانتشار البطالة على نطاق واسع ومهن تفتقد إلى الطموح بالإضافة إلى قضايا أخرى ذات صلة قد تغذي التطرف والعنف على مدى العقود القادمة.

أما الولايات المتحدة، وكل من حلفائها المسلمين وغير المسلمين، ينبغي أن يركزوا على الحقيقة الدالة على أنه من الممكن احتواء خطر العنف المتطرف وهزيمته بجميع تفاصيله، لكن لن يتسنى لهم تحقيق نصر دائم ما لم تُعالج أسباب التطرف، فضلاً عن محاربة المجموعات المتطرفة. في الواقع، لا بد وأن تجعل القوى، التي تقسم العالم الإسلامي اليوم، من "المعركة" ضد التطرف الإسلامي جزءاً من نضال سيدوم طويلاً بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. كما سيتطلب ذلك التعامل مع حركات جديدة ووجود توترات إقليمية بين السنة والشيعة وغيرهم من الأقليات الطائفية.

بالإضافة إلى ذلك، يجب على كل من الولايات المتحدة وأوروبا أيضاً دراسة وضع القوى التي تعزل المسلمين في بلادهم، وتقود أقلية ضئيلة منهم إلى العنف. إلا أنه لا يمكن القيام بذلك عن طريق إقصاء المسلمين عن أراضيها والسماح للتحيز والخوف بأن يهيمنا على السياسات الأمنية، أو حتى عن طريق الخلط ما بين تعاليم الإسلام الصحيحة وتاريخ الإسلام مع التطرف. إن القيام بذلك سيحقق الهدف الذي تخطط له هذه الحركات من خلال استخدامها للعنف: وهو عزل المسلمين عن بقية العالم ودفع المسلمين المعتدلين نحو التطرف. أما الحل فلا بد وأن يكون بالسعي لإجراءات وتحريات أفضل وتحسين التعاون مع الحكومات في البلدان المسلمة فيما يخص إجراءات الأمن والتحقق وحشد دعم المسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا. الشراكة هي الحل، وليس التحيز.

 

--------------------------------

إدراك خطر التطرف الإسلامي

ركزت الكثير من الخطابات السياسية الأمريكية على الإسلام كما لو أنه قوة فريدة تؤدي إلى التطرف، كما ركزت على الخطر الذي يشكله الإرهابيون المتطرفون على الوطن الأمريكي وأوروبا. وفي الوقت نفسه، يجب على الخبراء توخي الحذر في انتقادهم لبعض الجوانب في حملة ترامب الرئاسية؛ إذ يبدو أن هنالك خوفاً حقيقياً من الحديث عن الموضوع ومحاولات لأن يكونوا على الجانب الصحيح سياسياً من خلال إيجاد سبل لتجنب الربط بين مفردتي "الإسلامي" و"التطرف".

بيد أن أضرار النتيجة النهائية لذلك أكثر من نفعها؛ إذ إن قدراً كبيراً من المناقشات حول التطرف والعنف الإسلامي أخفقت في عرض أو تسليط الضوء على التناقضات المتأصلة بين القيم الأساسية للإسلام والمتطرفين الذين يستغلون الدين الإسلامي كغطاء لممارساتهم العنيفة والمتطرفة وكراهيتهم وسعيهم للسلطة.

كما إن الفشل في تناول "التطرف الإسلامي" على نحو صريح، كالفشل في معالجة حقيقة أن جميع الشرائع الدينية العظمى في العالم تضم متطرفين خطرين يحرّفون مبادئها، أو كالفشل في تناول الحقيقة التاريخية للمسيحية في أسوأ لحظات المعارك بين، في، وخلال الإصلاح ومكافحة الإصلاح والحروب الصليبية، أو حتى كالفشل في تناول الجوانب الأكثر تطرفاً من العنف اليهودي خلال الحقبة ما قبل عام ٦٩ للميلاد.

والحقيقة أن كل من المسلمين وغير المسلمين إلى جانب إدارة ترامب، لا يستطيعون تجاهل الواقع الذي يشير إلى أن أقلية صغيرة من المسلمين هي التي تستخدم الدين الإسلامي لمهاجمة نسيج الحضارة الحديثة. كما إن تسمية أعمال العنف هذه بـ "الإسلاموية" بدلاً من "الإسلامية" قد يخفف من حدة الدلالات اللفظية، غير أنه لا يغير من الواقع شيئاً. إن القتال باسم الدين في الإسلام نابع عن مصدر خطير من العنف، ليس من ناحية الإرهاب فحسب، وإنما ضمن نمط أخطر بكثير يشمل الحروب الأهلية والتمرد والجهود الرامية للاستيلاء على السلطة داخل الدول الإسلامية التي تضم أعداداً كبيرة من المسلمين.

علاوةً على ذلك، هو نموذج عنيف يشكل مسلمون آخرون النسبة الأكبر من ضحاياه في المقام الأول، ليس فيما يتعلق بحصيلة الموتى أو عدد الإصابات وحسب، وإنما فيما يتعلق بالأمل في التطور والحلم بالمستقبل أيضاً. وتكمن المفارقة القاتمة لـ "التطرف الإسلامي" في ادعائه العودة إلى جذور الإسلام في الوقت الذي كان الدين الإسلامي يقود فيه العالم في مجال الثقافة والعلوم والطب والتنمية- إلا أنه يدعو في ذات الوقت إلى ممارسات اجتماعية واقتصادية وفكرية متطرفة للغاية، ما يجعل من الصعب للدول التي تتبناها أن تنمو وتتطور وتلبي احتياجات سكانها.

هناك روابط قاتمة بين التطرف الإسلامي والإرهاب والعنف العالمي

لضمان نجاح القتال ضد التطرف الإسلامي، يجب أن نذهب به أبعد من خطر الإرهاب، فالإرهاب ليس سوى جزء من النموذج العام للتطرف والعنف الإسلامي. على أية حال، يُظهر الشكل الأول أنه ما يزال يشكل جزءاً هاماً. وفي المدة ما بين بدء الثورات في الوطن العربي في مطلع عام 2011  وحتى نهاية عام 2015، قدمت قاعدة بيانات "ستارت" حول الإرهاب، التي تستخدمها وزارة الخارجية الأمريكية لتقديم الإحصاءات حول الإرهاب، قائمة تضم ما مجموعه 62.022 حادثة.

وتثير هذه الأرقام شكوكاً خطيرة. وعلى الرغم من أن قاعدة بيانات ستارت تُعد واحدة من بين أفضل قواعد البيانات السرية حول الإرهاب وأكثرها شفافية، إلا أن مراجعة أجريت على تقارير القاعدة تظهر أنها قد أخفقت في تحديد المدى الذي بلغته تلك الاعتداءات وما إذا كانت قد نفذتها مجموعات دينية متطرفة محددة أو أنها كانت نتائج الاقتتال الطائفي.

أما البيانات التفصيلية حسب التسلسل الزمني فتحدد بالفعل المجموعات الجانية إن أمكن ذلك في بعض الأحيان، لكن ستارت، كغيرها من الجهود السرية الأخرى، لا بد وأن تعتمد بشدة على  التغطية الإعلامية التي غالباً ما تتجنب هذه الفروقات لأسباب سياسية. ونتيجة لذلك، تعد نماذج البيانات المدخلة والمخرجة في ستارت "صحيحة من الناحية السياسية" أحياناً على حساب الواقع. وعليه، ليس هنالك من وسيلة يمكن الاعتماد عليها لربط الاتهامات المتعلقة بالحوادث الإرهابية وحوادث القتل بالإرهاب الإسلامي على وجه التحديد، أو تحديد المعتقدات الدينية للجناة أو المستهدَفين.

ولكن إن أمعنا النظر في الأنماط المتبعة في مجمل الاعتداءات في  البلدان المسلمة إلى حد كبير في الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا ودول جنوب الصحراء الإفريقية وآسيا الوسطى وجنوب آسيا وشرقها، نجد أن بعض الأنماط العامة واضحة للغاية. إذ تضم هذه الدول 52.295 من أصل 62.022 حادثة، أي ما نسبته 84% من مجموع الحوادث. علاوةً على ذلك، إن ركزنا على العدد الكلي للهجمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط ومنطقة شمال إفريقيا، منطقة (المينا)، لوجدنا أنها تمثل 22.953 حادثة، أي 37 % من الإجمالي العالمي.

 

التطرف الإسلامي سبب لمجمل حوادث القتل الإرهابية

يعتبر عدد الحوادث مجرد جزء من الحكاية، ذلك أن تأثير الأعمال الإرهابية أكثر خطورة من عددها. توجد طرق عدة لقياس ذلك التأثير، وليس معدل الوفيات أو "عدد القتلى" سوى واحد من بين أخطر تلك الآثار، أما البيانات المتعلقة بعدد القتلى فتتجاهل الأثر الإنساني الهائل للإرهاب على اللاجئين والمهجَّرين والأضرار الاقتصادية التي يتسبب بها والإخفاق في التعلم وخسارة الوظائف والأعمال التجارية بالإضافة إلى أثره في الإدارة الفعالة وسيادة القانون والانكماش في الناتج الإجمالي المحلي ونصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي والتنمية والتطور الاقتصادي، فضلاً عن عدم القدرة على تطبيق المبادئ الصحيحة للإسلام.

بيد أن كل حادثة قتل لها دور مهم كذلك، ويقارن الشكل الثاني مجموعة مختلفة من تقديرات لهجمات إرهابية مقابل حوادث قتل، وتلك المقارنة مستمَدة من قاعدة بيانات ستارت، وأنجزها معهد الاقتصاد والسلام في مؤشر الإرهاب العالمي الصادر عنه عام 2016. ويظهر الشكل الثاني أن 72 % من حوادث القتل حول العالم حدثت في العراق وأفغانستان ونيجيريا وباكستان وسوريا- هذه الدول ذات المستوى العالي من الإرهاب الإسلامي.

ويتناول الشكل رقم 3 كلاً من الحوادث والإصابات، إذ يُظهر البيانات الواردة في تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2016 الذي يقارن بين الهجمات وعدد القتلى والمصابين. ويستخدم في ذلك تعريفاً مختلفاً قليلاً للعالم العربي، إلا أنه وجد أن 36.1 % من الحوادث الإرهابية أي (26.058 من أصل 72.184) حادثة بين عامي 2000- 2014 حدثت في العالم العربي، وكذلك الأمر بالنسبة لـ 43.68 % أي (74.080 من أصل 169.589) قتيل، و 49.12 %، أي (127.957 من أصل 260.496) مصاب. وتعود أهمية هذه التقديرات الأخيرة لعدة أسباب؛ إذ إنها تغطي كامل المدة ما بين أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وذروة مكاسب تنظيم الدولة الإسلامية، كما إن أكثر من 90 % من المناطق المشمولة في الحسابات إسلامية، بالإضافة إلى أن معظم معدّي تقرير التنمية العربية والمستشارين المشاركين فيه من البلدان العربية والمسلمة، وقد استخدموا كذلك قاعدة بيانات ستارت نفسها التي استخدمتها وزارة الخارجية الأمريكية والعديد من المحللين في الغرب.

كما تظهر قاعدة بيانات ستارت أن بعض الجناة أكثر خطورة من غيرهم. ووفقاً لتقارير قاعدة ستارت، تُعد ثلاث حركات إسلامية متطرفة وهي: تنظيم داعش وجماعة بوكو حرام وحركة طالبان، المسؤولة عن 55 % من معدل الوفيات عام 2015. ففي عام 2015، تسبب تنظيم داعش بمقتل 6.141 شخص أو ما معدله 6.7 حادثة قتل في كل هجوم. كما يُعد التنظيم مسؤولاً عن 62% من حالات القتل في العراق على الرغم من أن الجاني لم يكن معروفاً في 37 % من تلك الحوادث. أما جماعة بوكو حرام فقد تسببت بمقتل 5.478 شخص، أي ما نسبته 75 % في نيجيريا بمعدل حالة وفاة في كل 11 اعتداء. وبالحديث عن طالبان، فقد أودت الحركة بحياة 4.502 شخص، ما يزيد عن رصيدها بنسبة 18 % عام 2014، بمعدل 4 وفيات في كل اعتداء.

 

التطرف والتمرد الإسلامي مقابل الإرهاب

نظراً لأهمية هذه الإحصاءات، فإن تركيز الغرب (وهذا يعني إدارة أوباما والرئيس ترامب خلال مدة ترشحه للانتخابات) على الإرهاب واستبعاد أشكال العنف الأخرى  يعني أن التأثير الكامل للتطرف الإسلامي يُقَلل من شأنه إلى حد كبير عندما يتم تجاهل المستويات الإجمالية لأشكال أخرى من العنف الإسلامي المتطرف. كما أن معظم البيانات السرية حول الإرهاب لا تشمل، على الأقل، عدداً كبيراً من الهجمات غير المنسوبة لأحد بين الطوائف مثل السنة والشيعة أو تأثير التطرف الإسلامي في حوادث القتل والإصابات والتهجير وخطف الأقليات. فبعضها يتناول المدنيين وحسب، ولا يشتمل على أفراد الأمن الذين يتعرضون للقتل أو يعانون من إصابات.

ويدل الصراع، في منطقة المينا على الأقل، بين الحكومات والمجموعات المتطرفة على أن التهديد الكبير الذي يحيط بالعديد من الحكومات الرئيسة لم يكن صادراً عن الإرهاب بحد ذاته، إلا أنه كان ناجماً عن الحركات المتمردة- إذ يعد الإرهاب مجرد سلاح بيد العديد منها.

علاوةً على ذلك، ليس هناك بيانات حول الإصابات الناجمة عن تأثير التطرف في ليبيا واليمن، إلا أنه من الواضح أن الطائفية كانت سبباً أساسياً للقتال والمعاناة والخسارة الاقتصادية في اليمن. فضلاً عن أنها كانت سبباً مباشراً لسقوط الضحايا في العراق منذ عام 2011، والكثير من الضحايا في سوريا- على الرغم من أن الدافع وراء هذه الخسائر كان تجاهلاً وحشياً لحياة المدنيين تبناه كل من نظام الأسد وإيران وحزب الله وميليشيات شيعية أخرى وروسيا.  

في حالة العراق، تعد هيئة إحصاء الجثث في العراق أفضل مصدر للبيانات؛ إذ تقدّر الهيئة أنه- مع نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2016- قضى ما لا يقل عن 670.049 مدني عراقي جراء القتال، الذي تسبب به التطرف الإسلامي إلى حد كبير والعنف باسم الدين منذ مغادرة القوات الأمريكية أواخر العام 2011. وتقدّر هيئة إحصاء الجثث في العراق أيضاً أن ما لا يقل عن 52.576 مدني لقوا حتفهم منذ غزو تنظيم الدولة الإسلامية أول مرة نهاية عام 2013، مع احتمال أن يكون المجموع الكلي  أعلى من ذلك بـ 10.000 مرة على الأقل.

 

أما بالنسبة لسوريا، ليس هنالك من طريقة لتوثيق حالات الوفاة الناجمة عن التطرف مقابل القتل الجماعي الذي تمارسه الدولة المدفوعة بالإرهاب والاقتتال، إلا أنه من الواضح تماماً أن عدد القتلى في سوريا لوحدها منذ عام 2012 أكبر بكثير من إجمالي عدد القتلى الناتج عن الإرهاب حول العالم منذ عام ١٩٧٠. ويوضح المخلص الذي يشمل تقديرات مختلفة أُعدّت في شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 2016 هذه النقطة جيداً:

تختلف تقديرات معدل الوفيات في الحرب الأهلية السورية، بين جماعات نشطاء المعارضة، ما بين 301.781 و 470.000 شخص. وفي شهر أبريل/ نيسان من عام 2016، أعلن المبعوث الأممي ومبعوث جامعة الدول العربية إلى سوريا عن تقديرات الوفيات التي بلغت 400 ألف ممن قضوا في الحرب.

كما ذكرت اليونيسيف أن أكثر من 500 طفل قُتلوا مطلع شهر فبراير/ شباط عام 2012، بالإضافة إلى اعتقال 400 آخرين وتعرضهم للتعذيب في السجون السورية، إلا أن الحكومة السورية اعترضت على كلا الادعاءين. بالإضافة إلى ذلك، لقي ما يزيد عن 600 معتقل وسجين سياسي حتفهم تحت العذيب.

وذكرت الأمم المتحدة أنه بحلول نهاية شهر أبريل/ نيسان عام 2014، بلغ عدد الأطفال الذين قُتلوا في الحرب 8.803، بينما قالت مجموعة أوكسفورد للأبحاث أن ما مجموعه 11.420 طفل قضوا جراء الصراع أواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 2013.

وبحلول منتصف شهر سبتمبر/ أيلول عام 2016، ذكرت المجموعة المعارضة النشطة، المرصد السوري لحقوق الإنسان (SOHR)، أن عدد الأطفال الذين قُتلوا في النزاع ارتفع ليبلغ 15.099 طفل، بينما لقيت 10.018 امرأة مصرعها في الوقت نفسه.

ووفقاً للموقع السوري المعارض "شهداء سوريا"، بلغ عدد ضحايا الصراع 151.888 شخص، وفق تحديثات 30 أبريل/ نيسان عام 2016. ويضم العدد 35.859 شهيد من الثوار إلا أنه لا يشتمل على أفراد من قوات الأمن الحكومية أو المقاتلين الأجانب الموالين للحكومة ممن لقوا حتفهم.

بالإضافة إلى ذلك، يُعد الرقم الذي عرضه موقع شهداء سوريا للضحايا المدنيين أعلى بكثير من الذي قدمته المنظمات، بما فيها الأمم المتحدة. ويرجع أحد أسباب ذلك إلى أن الموقع يسجل الوفيات حتى عندما لا يرد أي اسم للشخص المتوفى. وتتراوح التقديرات الأخرى ما بين 292.815 و 470.000.

كما تُشير تقديرات وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن ما يصل إلى 70 % من الأقليات غير المسلمة كانت قد غادرت العراق منذ عام 2003.

 

التكاليف الأكبر للتطرف تتجاوز "عدد الضحايا"

تُعد الوفيات جزءاً من القصة الكاملة؛ فنحن لم نشهد بعد تمكّن أي حركة إسلامية متطرفة من السيطرة على منطقة معينة بما يكفي لتجعل من هذه الإديولوجيات قادرة على جعل التنمية الاقتصادية الفعالة مستحيلة. كما قد تجاهل عدد كبير من منتقدي هذا النوع من التطرف حقيقة أن التطرف الإسلامي سيفرض تكلفة اقتصادية وبشرية هائلة على أي مجتمع قد يتمكن من السيطرة عليه على مر الزمان، بالإضافة إلى تغافلهم عن التناقض بين التقدم في العلوم والطب والثقافة الذي أصبح ممكناً بتسامح الخلفاء الأصليين، والتراجع إلى التعليم غير الفعال والفشل في إدارة الحكم والاقتصاد الذي تطالب به حركات مثل تنظيم داعش والقاعدة وطالبان.

على أية حال، ليس هنالك من شك في التكلفة التي تسبب بها التطرف الإسلامي في عرقلة عملية التنمية في أفغانستان تحت حكم طالبان، كما لا يوجد شك في الأضرار التي أحدثها تنظيم الدولة الإسلامية في المناطق التي سيطر عليها في سوريا والعراق؛ ذلك أن حكمه لتلك المناطق دمّر التعليم الحديث إلى درجة كبيرة وقوّض أسس القدرة على المنافسة العالمية. كما أدت أعرافه الاجتماعية المقيدة إلى الفساد وسوء المعاملة بالإضافة إلى أن نظامه الاقتصادي قد تشكل، إلى حد كبير، من السرقة وجمع الأموال العقائدي والابتزاز. ولم يحاول التطرف الإسلامي قط تقديم حل عملي لأي من المشكلات الكبرى التي تتسبب في زعزعة الاستقرار في المنطقة، بل عمل على استغلال هذه القوى وزيادة وضعها سوءاً.

 

التكاليف الاقتصادية الأوسع نطاقاً للتطرف

لقد أثّر العبء الاقتصادي لأعمال العنف المتطرفة في منطقة المينا برمتها وجزء كبير من بقية أنحاء العالم الإسلامي. كما لا توجد تقديرات موثوقة حول كلفة الجهود المبذولة لمحاربة المتطرفين الإسلاميين من الحكومات المعنية. ومع ذلك، أنفقت العراق ما يصل إلى 12% من ناتجها الإجمالي المحلي في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية ومكافحة الإرهاب عام 2015. أما المملكة العربية السعودية، فقد بلغ معدل إنفاقها 12% من الناتج الإجمالي المحلي على المسائل الأمنية عام 2015، مدفوعة في جزء كبير منها بالتهديد الناجم عن التطرف والتهديد الطائفي الذي تمثله إيران بالإضافة إلى قتال الشيعة الحوثيين وفصائل صالح في اليمن.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار نفقات اثنتين من الدول الرئيسة في جنوب آسيا، لوجدنا أنه من المرجح أن تزيد  الكلفة الإجمالية للتعامل مع التطرف الإسلامي في منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (المينا)، وأفغانستان وباكستان عن 6% من مجموع الناتج الإجمالي المحلي فيها.  ويشكل هذا عبئاً اقتصادياً كبيراً على الدول النامية الفقيرة ويجعل من الصعب على الأنظمة المعتدلة في معظم الدول الإسلامية أن تلبي تطلعات شعوبها وأن تقضي على أسباب التطرف فيها.

كما نشرت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة لغرب آسيا دراسة في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2016، حملت عنوان استطلاع التطورات الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية عام 2015-2016. وتناول الاستطلاع التكاليف واسعة النطاق للاضطرابات السياسية والمعارك في منطقة المينا، والتي بدأت عام 2011. وعلى أساس إقليمي، خلص إلى أن:

التحولات في الدول العربية، التي بدأت عام 2011 على إثر أحداث اجتماعية وسياسية تُعرف باسم الربيع العربي، أدت إلى زعزعة الاستقرار، وفي العديد من الحالات، أدت إلى الحروب. كما لم تكن الآثار المختلفة لتلك الاضطرابات مقتصرة على البلدان التي تعاني من أعمال العنف المسلح بدرجات متفاوتة، كالعراق وليبيا والجمهورية العربية السورية واليمن، وإنما كان لها أثر في الدول المجاورة كذلك. كما توصل المسح إلى أنه، مقارنة بالتوقعات التي قُدمت قبل عام 2011، توصل إلى أن الصراعات في المنطقة أدت إلى خسارة صافية بلغت 613.8 مليار دولار في الأنشطة الاقتصادية، بالإضافة إلى عجز مالي إجمالي بلغ 243.1 مليار دولار.

بالإضافة إلى ذلك، زادت النزاعات من سوء وضع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى كالديون والبطالة والفساد والفقر. كما شكلت أزمة اللاجئين العالمية عبئاً على  المجتمعات التي فقدت تجمعاتها السكانية، وعلى الدول التي تحاول التكيف مع تدفق موجات اللاجئين وقبل كل شيء،  شكلت عبئاً على اللاجئين أنفسهم الذين يعانون الضعف في مجال الصحة وسوء التغذية والذين لا يحظون سوى بحظ قليل في الحصول على فرص العمل والتعليم.

الأزمات تؤثر في الجميع، لكن النساء هن اللواتي واجهن الآثار الأكثر سلبية. وهناك حاجة للمزيد من التدخلات السياسية لمناقشة هذه القضايا والحيلولة دون ظهور "جيل ضائع" من الشباب العربي المتأثر بالصراع.

تقرير الأمم المتحدة يقدم  الوصف التلخيصي التالي للتكلفة الأطول أمداً لإعادة إعمار سوريا واستعادتها لعافيتها.

أدت الحرب الأهلية السورية، التي بلغت الآن عامها السادس، إلى واحدة من أشد الأزمات الإنسانية حدة في الألفية الجديدة؛ فقد فشل المجتمع الدولي في وضع حد للصراع أو تقديم المساعدة الكافية لوقفه.

وأشارت تقديرات وُضعت مؤخراً إلى أن إجمالي عدد القتلى وصل إلى 470 ألف شخص، فقد انخفض عدد سكان البلاد بمقدار الخُمس نتيجة لسقوط الضحايا والهجرة. كما ترافقت الحرب بممارسة الأعمال الوحشية وظهور ما يُسمى بـ "الدولة الإسلامية" وأزمة اللاجئين الإقليمية والعالمية بالإضافة إلى التدخل الخارجي الذي لم يعمل سوى على تأجيج العدائية.

علاوةً على ذلك، خلف الصراع اقتصاداً، كان متوسط الدخل ذات يوم، يعيش في حالة خراب. ووفقاً لتقديرات الأجندة الوطنية من أجل مستقبل سوريا (NAFS)، تسبب الصراع السوري بخسائر بلغت قيمتها ٢٥٩ مليار دولار أمريكي منذ عام 2011، بما فيها  169مليار دولار في خسائر الناتج الإجمالي المحلي مقارنة بتوقعات ما قبل الصراع، فضلاً عن مبلغ 89.9 مليار ناجمة عن الخسائر المتراكمة في رؤوس الأموال المادية.

 

ويشير تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2016 قضايا مماثلة؛ إذ يحذّر في أحد أقسامه من أن:

النزاع المسلح  قادر على تدمير نسيج المنطقة العربية، ما يسبب خسائر فادحة في الأرواح ليس في صفوف المقاتلين فحسب، وإنما بين المدنيين على نحو متزايد. وليس من الممكن اليوم تحديد الصراعات بدقة كما أن الأطفال هم من يدفعون الثمن، بالإضافة إلى سقوط الكثير من الضحايا بعيداً عن مناطق القتال. ذلك أنه مقابل كل شخص يلقى حتفه مباشرة  جراء العنف المسلح، هناك ما بين 3 إلى 15 آخرين يموتون نتيجة الإصابة بالأمراض أو المضاعفات الطبية وسوء التغذية.

هذا وتتداخل الحروب والصراعات مع التنمية الاقتصادية من خلال تدمير موارد الاقتصاد الإنتاجية ورأس المال والعمل لا سيما ضمن أراضي الدول التي تدور فيها.

كما تحوّل النزاعاتُ المواردَ، في المقام الأول، من خلال الإنفاق العسكري المرتفع، ما يعكس وجود صراعات متعددة في المنطقة ووجود الآثار الناجمة عن منافسات الحرب الباردة وتململ الأنظمة السياسية في الموقف الدفاعي.

وتعد كثير من الدول العربية من بين أكثر دول العالم عسكرة، كما تتسم بالنفقات العسكرية الضخمة ونسب عالية من السكان تحت سن العسكرية. (انظر الشكل 1.4). ومع ذلك، بينما تجني الدول المصنعة للأسلحة الأرباح الاقتصادية من تجارة الأسلحة، لا يمثل هذا الإنفاق سوى الفرص الضائعة للاستثمار في التقدم الاقتصادي والاجتماعي الأكبر بين الدول العربية.

وقد كانت أكبر الدول العالمية المستوردة للسلاح ما بين عامي 2009-2013، هي الهند والصين وباكستان والإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية، وقد استوردت الدولتان العربيتان الأخيرتان 32 % من الإجمالي العالمي للأسلحة.

وإذا ما تعرّضت الدول العربية، بما فيها تلك التي تمتلك ميزانية دفاعية كبيرة،  إلى أخطار عسكرية حقيقية، فإنها تدعو على الدوام القوات الأجنبية لحمايتها ودفع الحصة الأكبر من الثمن. على سبيل المثال: كانت هذه الحال في حرب الخليج عام (1990-1991). كما أشار تقرير نُشِر مؤخراً للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "الإيسكوا"، بنبرة جافة إلى الآتي: "إن مثل هذا الاتكال يسخر من المبالغ الطائلة التي استُثمِرت في الترسانات العربية".

كما يؤدي ارتفاع الإنفاق العسكري إلى تقلص معدل الإنفاق في مجالات أكثر فاعلية كالتعليم والرعاية الصحية والحد من الفقر والاهتمام بالبنية التحتية. وترتبط النفقات العسكرية كذلك بالتكلفة المتزايدة للحفاظ على القوات المسلحة، التي تجعل من هذه النفقات أكثر غُلواً.

وتؤدي الحروب والدمار كذلك إلى الهجرة الجماعية: ففي عام 2014، كانت نسبة 41%  تقريباً من السكان النازحين قسراً في العالم من المنطقة العربية، التي تمتلك 5% من تعداد العالم السكاني. وقد أصبحت النسبة- التي تزيد عن 22 مليون شخص- في العام 2014 أكثر بخمس مرات من 14 سنة مضت. وتُعزى هذه الزيادة بداية إلى نتائج الغزو الأمريكي للعراق والحرب الأهلية في دارفور حوالي عام 2003 ومن ثم الأزمة السورية عام 2011.  كما نتجت نسبة 98 % من الأفراد المُهَجَّرين قسراً من المنطقة عن الدول التي تعاني من الصراع كالعراق ولبنان وفلسطين والصومال والسودان وسوريا واليمن، وكان الأطفال يمثلون قسماً كبيراً من هذه الفئات المستضعَفة.

بالإضافة إلى نزوح مئات الآلاف من اللاجئين خارج حدودها، تنوء بعض الدول العربية بأعباء داخلية وأحمال ثقيلة جراء عمليات التهجير المتعلقة بالحرب. ففي لبنان، هناك لاجئ  من بين كل 5 أشخاص، وواحد من بين 3 في سوريا إما لاجئ (ومعظمهم من العراق) أو أصبح مهجراً داخلياً. كما تجاوز معدل النزوح الداخلي في الصومال 10% من عدد السكان في العام 2014. أما السوريون فيمثلون أكبر مجموعة من المهجرين داخلياً، بوجود 6.5 مليون شخص نازح في البلاد عام 2013.

ونظراً لأن هذا القسم من تقرير التنمية البشرية العربية لا يعرض الروابط بين الصراعات والتطرف الإسلامي في هذه الاقتباسات، فإن جميع الحروب والصراعات تقريباً تشتمل على تهديدات مشتركة من الإرهاب الإسلامي مع الاضطرابات التي تسببت بها الجماعات الطائفية أو العرقية التي تم التمييز بينهم في بلادهم (لأسباب دينية في أغلب الأحيان)،  والثورات ضد الحكومات الاستبدادية أو الفاشلة التي تظهر الأجزاء الأخيرة من هذا التحليل أنها كانت عاملاً حاسماً في تغذية الإرهاب الإسلامي المتطرف وحركات التطرف.

 

ويشير جزء لاحق، يركز بصورة خاصة على الإرهاب والصراعات المدفوعة بالتطرف الإسلامي إلى حد كبير، يشير إلى:

أن الصراعات أكثر من أي ظاهرة أخرى، تجرّد الشعوب والمجتمعات والدول من الخيارات التي يحتاجونها ليصبحوا منتجين وقادرين على بسط الأمن في بلادهم والتخطيط لمستقبل أفضل. كما يقضي على المكاسب التي تحققت بشق الأنفس في التنمية وتجعل من التقدم في مواجهة الصعوبات طويلة الأمد أكثر صعوبة.

كما تُلحق الحروب وأعمال العنف أضراراً كبيرة بالأفراد اليافعين وأفقهم المستقبلية؛ فقد شهدت المنطقة العربية، على مدى الأعوام الخمسة المنصرمة، ارتفاعاً حاداً في عدد الصراعات التي صاحبها زيادة في عدد الهجمات الإرهابية العنيفة. ففي عام 2014 لوحده، سجّلت المنطقة نسبة 45 % من مجموع الهجمات الإرهابية في مختلف أنحاء العالم. وقد حصدت تلك الهجمات أرواح ما يزيد عن 21 ألف شخص.

فضلاً عن تدهور الأوضاع المعيشية وتدمير الممتلكات وانتشار المعاناة والموت بين الناس، تؤثر هذه الأحداث سلباً في التنمية البشرية في المنطقة. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك انكماش الناتج الإجمالي المحلي في العراق، الذي قُدِّرت فيه تكاليف محاربة الإرهاب بـ ١٥٩ مليار دولار منذ عام 2005. وهذا يعادل 32 % من الناتج الإجمالي المحلي للبلاد عام 2014.

وفي سوريا، أدت الأزمة القائمة إلى انخفاض بنسبة 31.0 تقريباً في الناتج الإجمالي المحلي لعام 2012، لتصل نسبة ذلك الانخفاض إلى ما يقرب من 38 % بحلول نهاية العام 2013.

وقد دفع ذلك الصراع الدولَ إلى تخصيص قسم كبير من الإنفاق العام للبرامج العسكرية والأمنية، ما زاد في إضعاف أفق التنمية. وتتصف اليوم العديد من الدول العربية، والتي تُعد في الوقت الراهن من بين أكثر دول العالم عسكرة، بإنفاقها العسكري الضخم الذي يشكل الفرص الضائعة للاستثمار في تطور اقتصادي واجتماعي أوسع. وبين عامي 1988- 2014، بلغ الإنفاق العسكري في المنطقة العربية حوالي ترليوني دولار أمريكي. وقد ازدادت النفقات العسكرية أكثر من مرتين ما بين 2000 – 2014، كما زاد نصيب الفرد من النفقات العسكرية في الدول العربية بمعدل 2.5 بين عامي 1990- 2014.

 

ومن بين الآثار السلبية الأخرى للصراعات وما تحدثه من أضرار في التنمية البشرية، النزوح الجماعي؛ ذلك أن المنطقة العربية تُعَد موطناً لـ 5% فقط من سكان العالم، لكنها في الوقت نفسه موطنٌ لـ 47% من سكانها المهجّرين داخلياً وموطن لـ 58% من شعوبها اللاجئة. كما ارتفعت نسبة الأخيرة التي كانت 34% في العام 2000.  وفي العراق، تشرد 500 ألف شخص في شهر يونيو/ حزيران عام 2014، في غضون أيام. أما في اليمن، نزح ما لا يقل عن 2.5 مليون شخص داخلياً منذ تفجر الصراع في شهر مارس/ آذار عام 2015 (وفق تقرير ديسمبر/ كانون الأول عام 2015). هناك ثلاثة بلدان عربية من بين الدول الست الرئيسة التي تصدّر اللاجئين وهي (الصومال والسودان وسوريا)، بالإضافة إلى محنة الفلسطينيين التي طال أمدها؛ إذ يشكل الفلسطينيون أكبر مجموعة للاجئين في جميع أنحاء العالم (أكثر من 5 ملايين لاجئ).

كما تسبب الصراعات أضراراً غير متناسبة على استقلالية المرأة وتطورها، لا سيما الشابات. ففي حالات الصراع والفقر، تقل فرص الشابات في الحصول على التعليم بدرجة كبيرة، كما يمكن أن يكون انعدام الأمن المادي والاقتصادي عاملاً حاسماً في زواج مبكر أو زواج أقل تفضيلاً بالنسبة لهن. وتعاني الشابات كذلك، في حالات الصراع، من معدلات مرتفعة من العنف على أساس الجنس، وعادة ما تكون هذه المعدلات أعلى من غيرها في حال انتماء المرأة إلى أقلية أو مجموعة مهمشة.

وتشير جزئيتين من البيانات إلى أن: المنطقة العربية موطن لـ 5% من سكان العالم، لكنها ضمت ما يقرب من 18 % من الصراعات حول العالم على امتداد الأعوام من 1948- 2014. وخلال العام 2010 إلى 2013،  كانت المنطقة العربية موطناً لربع الصراعات في العالم.

وبالرغم من أن الصراع في الماضي ليس بالضرورة وصفة للعنف المستقبلي، إلا أن عدد السكان في المنطقة الذين يعيشون في البلدان الأكثر عرضة للخطر من المتوقع أن يزيد عن 250 مليون شخص في عام 2010، ليصل إلى أكثر من 305 مليون شخص في العام 2020؛ ومن المحتمل أن يتضاعف العدد خلال 2010-2050. وبغية إيقاف الماضي عن تحديد أحداث المستقبل، يُعَد تخفيف الأزمات القائمة ومنع العنف المستقبلي عوامل حاسمة.

 

العراق وسوريا حالات دراسية

هناك دراستان رئيستان توضحان هذه النقاط.

في حالة العراق، تضمنت الجوانب الأساسية  لتأثيرات الصراع الأخرى ما يلي:

  • ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من الخوف والقلق من 1.4 مليون شخص عام 2013 إلى 4.7 مليون عام 2015.  وحسب تقديرات وكالات أممية قد يتجاوز الرقم 7 ملايين شخص بعد نجاح حملة الموصل. (مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية "OCHA" والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين "UNHCR").

  • 10.0 مليون محتاج في شهر أغسطس/ آب عام 2016، بالإضافة إلى  7.3 مليون هدف للمساعدات الإنسانية. ( OCHA ).

  • ما لا يقل عن 3.3 مليون نازح داخلي في أغسطس/ آب عام 2016،  وما يصل إلى 277 ألف لاجئ خارج حدود العراق. ( OCHA ).

 

أما في الوضع السوري، تشير تقديرات صادرة عن مصادر متنوعة أن:

  • المفوضية  العليا لشؤون اللاجئين كانت قد قدّرت أن عدد اللاجئين السوريين خارج حدود البلاد، عام 2016، بلغ  4.8 مليون لاجئ- حوالي 22 % من عدد السكان فيها قبل الحرب. وأن 6.5 مليون شخص- ما يزيد عن ثلث عدد سكانها في الوقت الحالي- مهجرين بعيداً عن منازلهم وعملهم داخل سوريا.

  • كما أشارت التقديرات إلى أن 13.5 مليون سوري بحاجة إلى الحماية بالإضافة إلى 12.1 مليون شخص كانوا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية ومن بينهم 5.7 مليون طفل. أضف على ذلك وجود 11.5 مليون إنسان لا يحصلون على العناية الطبية ويعانون من ندرة في الدواء أدت إلى تدهور كارثي في الوضع الصحي. كما فاقمت التخفيضات المتعاقبة في الدعم المقدم للخبز في الحرمان من التغذية.

  • ما يقدر بنسبة 25 % من المدارس كانت خارجة عن الخدمة بحلول العام 2014.

  • ليس هناك أي تقديرات موثوقة حول مدى الضرر الذي لحق بالاقتصاد منذ عام 2011، لكن وكالة الاستخبارات المركزية قدّرت أن الناتج الإجمالي المحلي في سوريا تراجع عن النسبة المنخفضة في الأصل والتي كانت تبلغ 97.5 مليار دولار عام 2012 إلى 55.8 مليار دولار عام 2014. وفي عام 2010، كان معدل الفرد لا يزيد عن 5.100 دولار- قبل بدء الحرب، وكانت سوريا تحتل المرتبة 219 بين دول العالم. وقد وصل معدل البطالة إلى 57.7 % عام 2014، مع وجود 82.5 % من السكان يعيشون تحت خط الفقر بحلول ذلك الوقت- ما يضع سوريا في المنزلة 202، وبالقرب من أدنى دول العالم.

  • كما قدر مكتب التنسيق للشؤون الإنسانية بأن وضع التنمية في سوريا قد تراجع تقريباً مدة أربعة عقود. ويعيش اليوم 4 من بين 5 سوريين في حالة فقر. ومنذ بدء الصراع عام 2011، انخفض مستوى العمر بين السوريين لأكثر من 20 عاماً، وتراجع الحضور المدرسي بما يزيد عن نسبة 50% أي أكثر من مليوني طفل خارج المدرسة. كما شهدت سوريا انتكاسات في جميع مؤشرات الأهداف الإنمائية الألفية التي يبلغ عددها 12. علاوة على ذلك، انكمش الاقتصاد السوري بما يُقدر بـ 40 % من عام 2011، ما أدى إلى فقدان غالبية السوريين لمصادر رزقهم.

  • استضافت تركيا ما يزيد عن 2.7 مليون سوري مسجَل أما في لبنان، عاش أكثر من مليون سوري مسجَّل فيما يزيد عن 1.700 من التجمعات السكنية ومواقع كثيرة عبر البلد، وتقاسموا في كثير من الأحيان المساكن الأساسية الصغيرة مع عائلات لاجئة في ظروف صعبة للغاية. وفي الأردن، حوصر ما يربو على 600 ألف رجل وامرأة وطفل في المنفى. كما شهدت العراق أيضاً عدداً متزايداً من القادمين من سوريا واستضافت قرابة 25 ألف شخص.

  • في عام 2009، التحق ٩٤% من الأطفال السوريين بالمرحلة الابتدائية والإعدادية. وبحلول شهر يونيو/ حزيران عام 2016، لم يكن هنالك سوى 60%  من الأطفال على مقاعد الدراسة، وذلك يعني أن 2.1 مليون طفل ومراهق لم يحظوا بفرصة للتعليم في سوريا. أما في الدول المجاورة، سُجل أكثر من 4.8 مليون لاجئ سوري لدى مفوضية شؤون اللاجئين، ومن بينهم 35 % ممن هم في سن الدراسة. في تركيا، لم يلتحق سوى ٣٩%  من الأطفال والمراهقين بالتعليم الابتدائي والثانوي، وكذلك الأمر بالنسبة لـ 40 % في لبنان، و 70% في الأردن. وهذا يعني أن حوالي 900  ألف طفل ومراهق من اللاجئين السوريين ممن هم في سن الدراسة لم يكونوا في المدارس.

ويقدم تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2016 ما يبدو أنه تقديرات متفائلة نسبياً حول الكلفة الاقتصادية للقتال في كلتا البلدين في الشكل الرابع. ومع ذلك، إنه ذات التقرير الذي ما زال يحذر من أن الصراع زاد من سوء وضع المشكلات التي تسببت بحدوث الثورات عام 2011 إلى حد كبير.

تأثر التكامل الإقليمي بالآثار غير المباشرة للصراع في دول الجوار، ووفقاً للبنك الدولي، فقدت دول المشرق العربي: أي العراق والأردن ولبنان وسوريا، ما يُقدّر بـ 35 مليار دولار أمريكي من المخرجات (قياساً بأسعار عام 2007) خلال الأعوام الثلاثة الأولى للصراع في سوريا (2011-2014).

ومؤخراً، انهارت العلاقات التجارية تقريباً بين هذه الدول بسبب القلاقل في سوريا. وينص التقرير الاقتصادي العربي الموحد الذي يصدر سنوياً عن صندوق النقد العربي عام 2015 أن "الإغلاقات المتكررة للحدود السورية أعاقت التجارة الإقليمية عن طريق قطع الطريق الرئيسي الذي يربط بين بلاد الشام ودول الخليج". وعلى صعيد الاستثمار، انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى المنطقة العربية من 66.8 مليار دولار عام 2010 إلى 47.5 مليار دولار عام 2013 و 43.9 مليار دولار عام 2014.

 

"صراع في قلب الحضارة"

من الصعب على أولئك ممن هم خارج العالم الإسلامي أن يدركوا حجم الخطر الذي يمثله التطرف الإسلامي؛ إذ ليس باستطاعة أي أحد في الولايات المتحدة أو أوروبا أن يتجاهل تكلفة الإرهاب والتطرف في الدول التي تعاني منها أو في البلدان الأخرى خارج العالم الإسلامي. كما لا يستطيع أي أمريكي على الإطلاق أن يتغافل عن أحداث "الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول" أو ما تلا ذلك من مآسٍ. وليس لأحد في أوروبا أن يتجاهل المآسي التي حصلت في الأعوام القليلة الماضية، أكثر من أي شخص في المناطق المتضررة من إفريقيا وآسيا.

على أية حال، تشير جميع البيانات السابقة إلى أن مستويات العنف خارج العالم الإسلامي تُعد، إلى حد كبير، تداعيات الكفاح من أجل مستقبلها بين الأنظمة المعتدلة والتيار الرئيس للإسلام. ومجدداً، من المهم بالنسبة للمسلمين، وغير المسلمين وإدارة ترامب أن يدركوا تماماً الأنماط الحقيقية للعنف ومكامن الاعتداءات ومصادرها وما يترتب على ذلك من خسائر، بالإضافة إلى معرفة الجهة التي ينبغي التركيز عليها في محاربة التطرف.

 

تتألف الهجمات الإرهابية المتطرفة بأغلبية ساحقة من قتل المسلمين لإخوانهم المسلمين

تركّز الجماعات الإسلامية المتطرفة، بغض النظر عن خطاباتها، على الاستيلاء على السلطة في الدول التي تضم نسبة كبيرة من المسلمين، لا على مهاجمة الولايات المتحدة أو أي مزيج من غير المسلمين. يعد "الإرهاب" إلى حد كبير المرحلة الأولى في محاولة خلق حركات تمرد كبرى وبالتالي السيطرة على دولة ما. كما أن الأغلبية الساحقة من ضحايا التطرف الإسلامي (أي نسبة 80 % أو أكثر) من أقرانهم المسلمين. وليس هذا من حيث عدد الوفيات والإصابات وحسب، وإنما في ما يخلفه من آثار على اللاجئين أيضاً، والمهجَّرين والتكاليف الاقتصادية والأضرار التي تلحق بأي أمل في المستقبل.

ويساعد الشكل الخامس في إدراك التأثير السلبي للعنف الإسلامي، كما نُشر رسم بياني في صحيفة الواشنطن بوست، معتمداً على أساس بيانات IHS Jane's، يُظهر وجود 658 حالة وفاة فقط في الولايات المتحدة ما بين 1 يناير/ كانون الثاني 2015 و16 يوليو/ تموز 2016 نتيجة هجمات تشتمل على وفيات غير مسلحة. وفي المقابل، كان هناك 28.031 حادثة قتل إرهابية في بقية أنحاء العالم- أي أكثر بـ 43 مرة- وكانت معظمها في بلدان مسلمة تضمنت مسلمين يقتلون مسلمين آخرين.

 

وكذلك الأمر بالنسبة للأنماط الأوسع نطاقاً لتلك الهجمات وما تخلّفه من تكاليف بشرية

يُظهر الشكل السادس أنماطاً مماثلة لكل من مجموع الهجمات ومجموع الوفيات، إلا أنه لا يشتمل على عدد القتلى الذي تسبب به الصراع الطائفي والتطرف الإسلامي، كما لا يتضمن أرقاماً أكبر بكثير للوفيات والإصابات التي نجمت عن الحروب وحركات التمرد التي أججها التطرف الإسلامي. ويظهر في الشكل السادس بكل وضوح  أن منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا ودول جنوب الصحراء الإفريقية- وهي مناطق يسود فيها قتل المسلم لأخيه المسلم- تشكّل القسم الأكبر لأعمال العنف المرتكبة أكثر من أمريكا الشمالية.

وتوضّح هذه الأرقام أن العالم لا يواجه "صراع حضارات" وإنما يواجه "صراعاً داخل حضارة بحد ذاتها" يمكن احتواؤه نسبياً طالما أن الحكومات التي تسيطر على العالم الإسلامي أكثر اعتدالاً وعلمانية وحداثة، وتستطيع كذلك أن تعول على دعم الدول الخارجية كالولايات المتحدة الأمريكية. وكما ظهر لنا من خلال كل من تنظيم داعش وتنظيم القاعدة، أن الوضع يختلف جذرياً عند سيطرة الإسلام المتطرف على دولة فعلية أو وجود شكل من أشكال "الخلافة" التي تمنح للإرهاب والتطرف قاعدة أوسع لممارسة السلطة.

 

تجاوز "الإرهاب" والتركيز على التهديدات الأكبر

من الناحية العملية، تسلط تلك الاتجاهات الضوء على ضرورة تركيز الولايات المتحدة على التعامل مع الأخطار داخل الدول الإسلامية؛ ذلك أنه لا يمكن للدفاع عن حدود الولايات المتحدة أن يجلب الاستقرار للعالم الإسلامي، ومن شبه المؤكد أيضاً أن الفشل في التعاون مع الشركاء الاستراتيجيين في العالم الإسلامي سيعمل على تمكين خطر أعظم بكثير صادر عن الدول التي يهيمن عليها الإسلامويون. علاوةً على ذلك، يعد العمل مع حكومات الدول التي تضم عدداً كبيراً من المسلمين، واحتواء خطر التطرف الإسلامي وهزيمته والحيلولة دون وجود أي أرض أو دولة تخضع لسيطرة الإسلاميين، كل تلك تعد أفضل الطرق للتعامل مع الطبيعة العالمية الحقيقية للإرهاب.

جميع السلطات تؤدي إلى الفساد: مجموعات إسلامية متطرفة أساسية تسعى إلى السلطة

لا بد للولايات المتحدة أيضاً أن تركز كثيراً على خطر حركات التمرد التابعة للتطرف الإسلامي والجهود الرامية إلى الاستيلاء على السلطة  بقدر تركيزها على الإرهاب بحد ذاته. وقد أظهرت النتائج السابقة بالفعل، والتي دلت على الترابط بين المتطرفين الإسلاميين وحركات التمرد، أن وصف "الصراع داخل الحضارة" بـ "الإرهاب" هو تسمية خاطئة.

وفي الحقيقة، إن الهجمات المنفردة والعديد من الهجمات خارج العالم الإسلامي، تتضمن أعمالاً إرهابية، لكن الأغلبية الساحقة للعنف الناجم عن المجموعات الإسلامية المتطرفة الرئيسية كانت جزءاً من جهد أوسع لاستخدام العنف بغية الوصول إلى السلطة السياسية. وعلى غرار الشيوعية والفاشية، تعد الأيديولوجية عنصراً أساسياً من ذلك البحث الذي يؤدي إلى محاولات من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة لإجراء تغييرات كبيرة في النظام الاجتماعي، لكن يبقى الهدف العملي في المقام الأول هو إحكام السيطرة على الدول المسلمة إلى حد كبير.

وتَظهر الحركات التي يشملها التحليل في الشكل السادس. تضم هذه القائمة بعض المجموعات غير المسلمة، وجميع تلك الجماعات المدرجة في القائمة ارتكبت أعمالاً إرهابية، غير أن الحركات الإسلامية المتطرفة هي المهيمنة كما هو موضّح. بالإضافة إلى أن التاريخ الحديث قد بين أن الهدف الرئيس للجناة الأساسيين، ليس نشر الذعر، أو كما يعرف أحد المعاجم كلمة الإرهاب "على أنها استخدام أعمال العنف لإخافة الناس في منطقة ما كوسيلة تحاول من خلالها بلوغ هدف سياسي".

بل إن هدف كل حركة تقريباً هو استخدام أي عنصر قوة ممكن للحصول على القوة والسيطرة على دول معينة أو مساحات كبيرة من الأراضي. فتنظيم الدولة الإسلامية يريد إحداث دولة خلافة في العراق وسوريا، وجماعة بوكو حرام تريد السيطرة على السلطة في نيجيريا والمناطق المسلمة من حولها، أما طالبان فتريد السيطرة على أفغانستان، بينما يسعى تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب لامتلاك القوة في المملكة السعودية واليمن، بالإضافة إلى أن تنظيم الشباب يريد الوصول إلى السلطة في الصومال وهكذا دواليك. ستستخدم حركات كهذه أية وسيلة عنف لإنشاء قاعدة قوة تستطيع تحقيق هذا الهدف من خلالها. وعندها، يصبح الرب والإيمان وسيلة لبلوغ غاية علمانية وأنانية مألوفة للغاية، سواءً ذلك بقصد أو بغير قصد.

 

إدراك حجم خطر تنظيم الدولة الإسلامية

يساعد الشكل السادس في إيصال رسالة مهمة حول التهديد الذي ينبغي لإدارة ترامب وحلفاء أمريكا الأوروبيين أن تتعامل معه بجدية أكبر. فقد أصبح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا ("ISIS" أو"ISIL" أو"داعش") نوعاً ما وكيلاً عن أشكال الإرهاب والتطرف الإسلامية كافة. إنه التهديد الأكثر خطراً في الوقت الراهن، وذلك بسبب سيطرته على ما يكفي من الأراضي لإنشاء ملاذ آمن وأرض خصبة للتطرف وبسبب العدد الكبير من المتطوعين الأجانب الذين ينضمون إليه وعلاقاته مع الحركات التابعة له، ما يمنحه القدرة على ارتكاب أعمال إرهابية خارج دولة "الخلافة". ومن المحتمل أيضاً أن يستفيد من ذلك في النجاة من الهزائم العسكرية إلى درجة تسمح له بإصلاح وضعه في مكان آخر أو مشاهدة العديد من مقاتليه يلتحقون بمجموعات أخرى.

وفي الوقت نفسه، أفرطت الولايات المتحدة وأوروبا في التركيز على تنظيم الدولة الإسلامية إلى درجة استبعادها لمخاطر أكبر، لا سيما على الصعيدين السياسي والإعلامي. كما تظهر البيانات السابقة أن تنظيم الدولة ليس سوى مجموعة خطيرة، وحتى في حال هزيمة "فروع" التنظيم  في العراق وسوريا- وذلك أبعد ما يكون عن الواقع- سيتفرق العديد من مقاتليه. إن هزيمة داعش بالكاد تكون هزيمة للإرهاب.

إذا نظرنا إلى المدة التي سبقت ظهور داعش على أنه جماعة رائدة، لوجدنا أن إجمالي هجمات التنظيم بلغ 4% فقط من مجموع الهجمات الإرهابية في جميع أنحاء العالم بين عامي 2000 و2005، كما كانت نسبة 12% من الهجمات في منطقة المينا.

وتغطي البيانات في الشكل السادس عامي 2014- 2015 اللذين يمثلان أعوام الذروة في قوة تنظيم الدولة الإسلامية. وقد حقق التنظيم خلال تلك المدة المرتبة الثانية في الأسباب المؤدية للإرهاب من أصل خمسة جناة، حسب قاعدة بيانات ستار.، ومع ذلك، لم ينفذ تنظيم الدولة سوى 2.021 اعتداء مما مجموعه 5.889 (أي 34 %)، ما أدى إلى مقتل 12.378 من إجمالي 33.161 (أي 37 %)، وأسفر عن إصابة 11.869 من إجمالي 25.920  (أي 46 %) وتسبب في خطف أو اتخاذ رهائن بلغ عددهم 7.939 من أصل 12.512 (أي 63 %).

وتوضح هذه البيانات أن تنظيم الدولة الإسلامية يشكل تهديداً حقيقياً بالفعل. ومع ذلك، تظهر البيانات أيضاً أنه حتى في حال تحقُّق هزيمة كاملة للتنظيم، بالكاد سيكون ذلك هزيمة للإرهاب الإسلامي، بالإضافة إلى أن العديد من مقاتلي تنظيم داعش سيتشرذمون في النهاية حتى وإن كانت تلك الحرب هي الأكثر نجاحاً في العالم، سيتفرقون ويواصلون القتال بعد ذلك. هناك أسباب كافية ليشعر العديد من الخبراء في سياسة الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب بأن الأخطار الإسلامية ستكون حقيقية لما لا يقل عن عقد مقبل- وهذا هو المعادل لـ "الحرب طويلة الأمد" التي توقعها الكثير من المسؤولين البارزين وخبراء الاستخبارات الأمريكية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول.

 

إيران والتوترات السنية الشيعية والعنف

إن التطرف الإسلامي السني الذي يمارس العنف ليس الخطر الوحيد الذي يهدد العالم؛ إذ يوجد وجه آخر مختلف تماماً للتوترات الدينية والتطرف في الإسلام، وهو الصراع الطائفي بين السنة والشيعة والأقليات الدينية الإسلامية. ومع اختلاف التقديرات، تشير بعضها إلى أن المسلمين يشكلون نحو 1.5 مليار، 85% من السنة والنسبة الباقية التي تبلغ 15 % تضم الشيعة ومذاهب الأخرى. ويرجع سبب خطورة هذه الانقسامات الطائفية إلى أنها ستمسي مصدراً متنامياً باستمرار للإرهاب والعنف كحال الإصلاح المسيحي ومكافحة الإصلاح الذي تسبب في ظهور عصر من الإرهاب والحرب وأشكال أخرى من العنف المتطرف في أوروبا.

كما تدّعي معظم الحركات المعروفة باسم المتطرفين الإسلاميين  أنها تطبق معتقدات أهل السنة بصورة شرعية، لكن مهاجمة الشيعة للسنة في بعض الأحيان، والصراع بين الحوثيين والفصائل الأخرى في اليمن وبين العلويين، بقيادة نظام الأسد، والثوار السنة في سوريا والميليشيات الشيعية التي تقاتل السنة في العراق بالإضافة إلى تفشي العنف الطائفي في دول كالباكستان، جميع تلك التوترات تبين الأخطار المحتملة في اتساع رقعة الصراع الطائفي.

 

إيران والتطرف الإسلامي

تشكل "الثورة الإسلامية" في إيران وتبنيها لمنصب المرشد الأعلى أو الوصي، المصدر الأكثر خطراً على الأرجح لهذه التوترات. في الواقع، إن الجوانب الدينية للتناحرات الإقليمية بين إيران وجيرانها العرب تشكل تهديداً لا يُعطى لجوانبه الدينية القدر الذي تستحقه غالباً. غير أن هذه الجوانب، على الأقل، تعد بالنسبة للولايات المتحدة وبالنسبة للمصالح الاستراتيجية الأمريكية بقدر خطورة تنظيم الدولة الإسلامية. إيران دولة ثيوقراطية لديها مرشد أعلى كان قد أيّد على الأقل المتشددين في إيران في تقديمهم الدعم لحزب الله في لبنان ونظام الأسد في سوريا والميليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن. علاوةً على ذلك، إيران دولة تدعم الشيعة في النزاعات الطائفية في جميع أنحاء المنطقة.

كما لا نستطيع أن نسمي إيران دولة إسلامية متطرفة ولا بد من تفسير تصرفاتها من ناحية تعرضها للغزو من العراق التي أشعلت بدورها الحرب الإيرانية العراقية- الصراع الأكثر دموية حتى الآن في منطقة المينا في العصر الحديث.

وردّت الدول العربية السنية على ذلك بدعم الفصائل السنية في الدول المتنازع عليها، وهناك مستوى متصاعد من التوترات بين السنة والشيعة يؤثر في المنطقة ويؤدي إلى العنف الطائفي. كما يرى العديد من المتطرفين الإسلاميين من السنة أن الشيعة منافقون وأعداء تجب محاربتهم- وهذا عامل كان قد أفضى إلى عمليات القتل الطائفية خارج منطقة المينا في دول كأفغانستان وباكستان.

إن تصرفات إيران دفاعية فضلاً عن أنها تصرفات هجومية، كما إن للولايات المتحدة حوافز استراتيجية قوية لمحاولة بناء نوع من العلاقات تكون أكثر استقراراً مع  إيران من جهة وبين  إيران وجاراتها من جهة أخرى. وفي الوقت ذاته، تشكّل إيران قوة معادية علنية للولايات المتحدة الأمريكية، ومعظم جيرانها من العرب، بالإضافة إلى أنها دعمت الانقسامات الطائفية وصدّرت ثورتها الإسلامية إلى عدد من الدول الأخرى كالعراق وسوريا.

 

إيران وخطر الحرب

وفي الوقت نفسه، كانت هذه التوترات والصراعات الطائفية قد أسهمت في إشعال أكثر تهديدات الحرب خطورة في منطقة المينا. كما إن إيران لم تكتفِ باستخدام الإرهاب الدولي ضد الولايات المتحدة وجاراتها العرب، بل إن تطوراتها العسكرية ساعدت في تحريك سباق تسلح إقليمي واسع. وعلى الرغم من غزو العراق لإيران في البداية، إلا أن إيران غزت العراق بعدها وكان النصف الثاني من الحرب يدور حول محاولة إيران هزيمة جارتها والانتصار عليها. ومنذ ذلك الحين، قادت إيران سباقاً إقليمياً لامتلاك أسلحة نووية وتوقيع اتفاقية الحد من التسلح النووي مع مجموعة 5+1، تلك الاتفاقية التي لم تؤثر سوى على جزء من سباق الأسلحة المستمر مع جيرانها السنة. حتى وإن كانت اتفاقية الحد من التسلح النووي ( JCPOA) يبن إيران ومجموعة 5+1 ناجحة كلياً، فإن إيران تشكل بالفعل ثلاثة مخاطر جمّة على جيرانها العرب، ومن المحتمل أن يصل أثرها إلى إسرائيل أيضاً:

  • تتنافس إيران على النفوذ والسيطرة مع الحركات السنية الداخلية ومعظم الدول العربية السنية الأخرى في لبنان وسوريا والعراق، كما في اليمن والبحرين إلى حد ما.

  • أنشأت إيران قوة كبرى لشن حرب بحرية ضد السفن في الخليج وخليج عمان باستخدام القوات البحرية والصواريخ والحرس والقوات الجوية.

  • أسست إيران تهديداً كبيراً من القذائف والصواريخ المسلحة تقليدياً ضد جيرانها العرب السنة، وتسعى إلى تزويده برؤوس حربية دقيقة تستطيع مهاجمة أهداف عسكرية واقتصادية وبنى تحتية رئيسة.

يعد التدفق الآمن للنفط مهماً بالنسبة لشركاء الولايات المتحدة التجاريين، لا سيما في آسيا، كما إن مضيق هرمز على مشارف الخليج أهم ممر مائي في العالم. يمتلك المضيق تدفقاً للنفط بمقدار 17 مليون برميل في اليوم، أي حوالي 30% من إجمالي النفط المتداول عبر البحر، أما قطر فتصدر قرابة 3.7 ترليون قدم مكعب (Tcf) كل عام من الغاز الطبيعي المسال (LNG) عبر مضيق هرمز أو ما يربو على 30% من التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال.

بناءً على ذلك، لا يمكن أن نفصل الخطر الذي يمثله التطرف الإسلامي السني عن التهديد الإيراني، أو عن التوترات المتنامية بين السنة والشيعة وغيرها من الفرق الإسلامية في سوريا والعراق واليمن والعالم برمته. علاوةً على ذلك، تتمثل إحدى مفارقات الحرب الأمريكية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في أن نجاح الولايات المتحدة في العراق قد يؤدي إلى زيادة ملحوظة في نفوذ إيران في تلك البلاد حالما يقل اعتماد العراق على الولايات المتحدة، ما لم تستطع الأخيرة التأثير بقوة في الحكومة العراقية وجيران العراق من العرب.

وبالمثل، ستؤدي هزيمة داعش في سوريا إلى بقاء جزء من البلاد تحت حكم نظام الأسد ذاته الذي فشل في حكم القسم الغربي من البلاد بفاعلية قبل عام 2011. من الممكن لذلك أن ينشِئ قسماً شرقياً عربياً يخضع لسيطرة حركات إسلامية سنية متطرفة أخرى وقسماً كردياً في الشمال الشرقي يكون ضد كل من السوريين العرب وتركيا. إن النضال لتحقيق الأمن  والاستقرار في سوريا والعراق، كما النضال ضد التطرف والتدخل الإيراني وغيره من التدخلات الخارجية، لن ينتهي بغض النظر عن كيفية تفكيك "دولة الخلافة" الإسلامية.

 

الدور الأمريكي في إعادة بناء علاقات استراتيجية مع البلدان المسلمة

لا يمكن لسياسة الولايات المتحدة أن تركز على خطر التطرف الإسلامي السني أكثر من تركيزها على تنظيم الدولة الإسلامية. لا بد لها أن تتعامل مع جميع الأخطار المهمة التي تهدد مصالحها الاستراتيجية. وعند قيامها بذلك، ينبغي لها أن تدرك أن الدول الإسلامية أكثر من مجرد شركاء أساسيين في مكافحة التطرف الإسلامي، فهم إضافة إلى ذلك شركاء لا غنى عنهم للحفاظ على الأمن من خلال التعامل مع إيران والتوترات الطائفية والعرقية والصراعات التي ترتبط بخطر التطرف.

علاوة على ذلك، تعد الشراكات الاستراتيجية مع دول الخليج العربي ومصر مهمة على وجه الخصوص، إلا أن هذه الشراكات تشمل أيضاً دولاً من شمال إفريقيا كالمغرب والدول الإسلامية التي تضم نسبة كبيرة من المسلمين في قارة آسيا. هناك أسباب كافية لكي تعترف التقارير القُطرية لوزارة الخارجية الأمريكية حول الإرهاب بهذه الدول على أنها شركاء أساسيون في محاربة التطرف والعنف الإسلامي.

وذلك يعود إلى أن تلك الدول تؤمّن طرقاً أساسية لاستعراضات القوة وقواعد عسكرية وتسهيلات الطوارئ لردع إيران ومحاربتها. كما إن تلك الدول تشتري كميات كبيرة من الأسلحة الأمريكية وتتدرب وتتمرن مع القوات الأمريكية ما يجعلها قابلة للتبادل معها. وقد أحرزت إدارة أوباما  تقدماً في تطوير هذه الشراكات الاستراتيجية في مناطق عدة، إلا أنها لم تتصرف قط بحزم كافٍ لإقامة علاقات بوسعها أن تبسط الأمن والاستقرار الدائم لمواجهة هذه التحديات، كما لم تعالج بجدية الصعوبات المدنية الخطيرة التي سيتناولها هذا التحليل لاحقاً، لم تفعل ذلك على الإطلاق. فقد عمدت الولايات المتحدة إلى التركيز، أكثر مما ينبغي، على تنظيم داعش لوحده كما ركزت على الخطر النووي الإيراني، لكنها تعاملت مع تنظيم داعش بجدية أكبر من خلال حشد الجهود العسكرية الأمريكية التي تطورت إلى "زحف تدريجي" بدلاً من أن تصبح قوة حاسمة.

كما سيتعين على إدارة ترامب أن تقرر ما إذا كانت ستستمر باتفاق JCPOA النووي مع إيران، أو ستلغيه. كما يجب على الإدارة أن تكون حريصة على عدم ترسيخ التهم التي أطلقها المتشددون الإيرانيون في أن الولايات المتحدة ليست موضع ثقة، بالإضافة إلى حرصها على عدم تفكيك اتفاق سيؤدي إنفاذ الإجراءات الأمريكية من خلاله إلى نتائج أفضل من تلك التي قد يفضي إليها حله.

ومع ذلك، ستركز أهم قرارات الإدارة على كيفية حشد مستوى معين من الجهود الأمريكية وإقامة شراكات استراتيجية مع دول عربية بإمكانها أن تقدم المساعدة في هزيمة التطرف الإسلامي وتحقيق قدر من الاستقرار، بالإضافة إلى بلوغ الغاية التي تقتضي ردع إيران والحد من التوسع في نفوذها الإقليمي والتصدي للخطر المتزايد في استخدامها للصواريخ المسلحة التقليدية، فضلاً عن التعامل مع التهديد المتنامي للصواريخ البحرية الجوية الذي تشكله إزاء عمليات الشحن البحرية داخل الخليج وبالقرب منه.

وبذلك، يتعين على إدارة ترامب التعامل مع خسارة الثقة في الولايات المتحدة، والتي كانت تحظى بها لدى الحلفاء العرب في الخارج، على إثر نتائج الغزو الأمريكي للعراق وفشل أوباما في التصرف بحزم أكبر في سوريا. وسيكون عليها كذلك أن تتعامل مع حقيقة أن مصر والأردن والبحرين والعراق والكويت وعمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة ليسوا مجرد حلفاء أساسيين في محاربة التطرف الإسلامي والإرهاب، بل إن جميع الدول المذكورة تؤدي دوراً بارزاً في منح الولايات المتحدة تسهيلات لاستعراض القوة التي ستحتاج إليها لتقوم بدور يظهرها على أنها قوة رئيسة في الشرق الأوسط.

وعلى نطاق أوسع، يجب على الإدارة أن تأخذ بعين الاعتبار أن للولايات المتحدة مصالح استراتيجية واضحة  في عرقلة توسع العنف الإسلامي الطائفي في آسيا الجنوبية والوسطى والشرقية، وربما في دول جنوب الصحراء الكبرى كذلك. ولا يتضمن ذلك السنة والتيار الشيعي السائد وحسب، وإنما يضم جميع الطوائف الأصغر في الإسلام- بما فيها بعض الفرق التي تعاملها الجماعات المتطرفة على أنها جماعات منافقة وأهداف تُعد ممارسة أي شكل من أشكال العنف تجاهها مشروعة. وهذه المصالح الاستراتيجية موجودة في دول كالباكستان والهند وإندونيسيا وماليزيا، لكنها تقتضي كذلك الحفاظ على حقوق الإنسان لكل من الأقليات المسلمة والأقليات الدينية الأخرى التي لا بد  لهذا العنف أن يلحق بها.

 

دور العرب في إعادة بناء شراكات استراتيجية

ومع ذلك، تحتاج الدول العربية والإسلامية أيضاً إلى معالجة نقاط الضعف الأساسية في العلاقات الاستراتيجية الحالية؛ إذ ما يزال هناك قدر كبير من التساهل إزاء التمويل الخاص للتطرف الإسلامي والقليل جداً من الاهتمام بالتكلفة المرتفعة من الناحية الإنسانية والاقتصادية التي تناولها البحث مسبقاً. لطالما كانت الحكومات على استعداد لتمويل حركات على صلة قوية بمتطرفين إسلاميين أو تمويل الحركات المتطرفة بحد ذاتها، بما يخدم بعض المصالح قصيرة الأمد في القتال في مناطق كسوريا أو احتواء الخطر الإيراني، دون أن تأخذ بعين الاعتبار الخطر التراكمي والنفقات التي تنجم عن تلك التصرفات.

كما تُظهر أجزاء لاحقة من هذا التحليل أن العديد من الحكومات العربية قد خذلت شعوبها بطرق ساعدت في تحريك الاضطرابات التي بدأت عام 2011، وغذّت كذلك التطرف الإسلامي. وهذه التصرفات تجعل من تلك الحكومات تهديداً يتربص بالحكومات أنفسها كما بالشعوب التي تحكمها. لقد تسببت الحكومات بأضرار بالغة لحقت بالتنمية والاستقرار في العالم العربي والإسلامي، وليس هنالك من شراكة استراتيجية قد تحمي حكومة خذلت شعبها وأصبحت عدوة له.

وعلى الرغم من أن هذا ليس محور الدراسة، لكن الجهود العربية في مجال التعاون العسكري تُعد واجهة إلى حد كبير. كما حلّت الخطابات الجوفاء عن التقدم والتعاون محل التكامل الحقيقي والتوافقية والتركيز على الردع الفعال والقدرات القتالية، فضلاً عن التعاون في مكافحة الإرهاب. وكان هناك قدر ضئيل للغاية من التقدم في التدريب المشترك وتقديم التسهيلات والتركيز على القدرات الأساسية، بالإضافة إلى التوحد وخلق قدرات تشغيلية فعالة ومتكاملة تماماً مع الولايات المتحدة وغيرها من الحلفاء الخارجيين.

 

علاوةً على ذلك، لم يكن هناك سوى القليل من الجهود المبذولة  لدفع القوات النظامية وشبه العسكرية للتكيف والتعامل مع الأخطار الناجمة عن الحروب غير المتكافئة والتهديدات المتطرفة. إن الحرب في اليمن وإخفاقات الدول العربية في تطوير علاقات فعالة مع العراق وحركات التمرد العربية في سوريا، كل تلك أمثلة أخرى على الحاجة إلى مزيد من التعاون مع الدول العربية الأخرى والشركاء الخارجيين كالولايات المتحدة. أصبحت هذه المسائل أكثر أهمية في الخليج كما بالنسبة لهيئات كمجلس التعاون الخليجي (GCC). وقد أظهر التحليل السابق حجم الأخطار الناجمة عن الأطراف غير الحكومية ومدى الضرر الذي أحدثته في التنمية الإقليمية، حتى  في الدول التي لم تشارك مباشرة في القتال الفعلي.

أما بالنسبة للأمن الاقتصادي فقد أصبح اليوم في وضع خطير؛  إذ لم تكن النفقات يوماً بديلاً عن الفعالية أو الكفاءة. وتواجه جميع دول الخليج في الوقت الراهن مشكلات كبيرة بسبب انخفاضات في دخل تصدير النفط بلغت نسبة 50%. وتظهر التحليلات التالية أن جميع حكومات الخليج العربي تواجه تحديات خطيرة مدنية وأمنية. أما بالنسبة للدول كالمملكة العربية السعودية وعمان والإمارات العربية المتحدة فقد أنفقت على المسائل الأمنية أكثر مما تستطيع ادخاره للإنفاق في المستقبل كما أن التخطيط الأمني الأفضل ووضع الميزانيات بات أمراً بالغ الأهمية.

وعلى نحو أعم، يجب على الدول العربية السنية والدول التي تضم نسبة كبيرة من الشيعة وغيرهم من السكان من غير السنة، يجب عليها أن تكون أكثر حرصاً في تأمين الحقوق المتساوية للطوائف الأخرى فضلاً عن الفرص السياسية والاقتصادية المناسبة.  وينطبق الشيء نفسه على إيران والدول التي تحكمها الطوائف الأخرى. إن المعركة من أجل العقيدة والصراعات على أسس طائفية لا تغذي التطرف الإسلامي وحسب، وإنما توفر الفرصة للظهور المتواصل لأشكال أخرى من العنف الديني. لذلك نجد أن التسامح الديني في الإسلام بالغ الأهمية في مجالات التقدم والاستقرار والأمن ضمن العالم الإسلامي ولضمان بقاء الأنظمة المعتدلة القائمة. وعليه من الأفضل أن ينظر الدين الإسلامي إلى مثال الإصلاح المسيحي ومحاربة الإصلاح ليعرف أن الصراعات بين الأديان من أجل العقيدة والشعائر هما العدوان لكل من القيم الدينية الجوهرية والتقدم المدني.

وعلى نحو مماثل، يكون ذلك ردعاً واحتواءً لإيران من جهة، ومواجهتها وتهديدها من جهة أخرى. ولا بد للولايات المتحدة من التعاون مع حلفائها العرب لضمان أمنهم، لكن يجب على الحلفاء في المقابل أن يسعوا لإيجاد حلول سياسية لخلق أمن أكثر ديمومة. ويشكل التهديد العسكري الإيراني والمغامرات التي خاضتها إيران في دول أخرى، مخاطرة حقيقية. ومع ذلك، إن التسلح الحالي والمواجهات على مختلف الأصعدة مع العالم الإسلامي، ستكلفها الكثير، فضلاً عن مدى خطورتها على كلا الطرفين، والتي تأتي على حساب التنمية والاستقرار الداخلي كما تغذي التطرف الإسلامي. ويبدو الأمر، في الواقع، لعبةً لا يستطيع أي من الطرفين الفوز بها، نظراً للتكاليف التي ستترتب على أي صراع خطير، لعبة خسرها كلاهما الآن.

 

الأهمية المتنامية للإسلام وأسباب التطرف والاضطرابات

يجب على الولايات المتحدة أيضاً أن تنظر إلى ما هو أبعد من التطرف والتهديدات الإقليمية وأن تدرك تماماً حقيقة أن الإسلام قوة متنامية إلى حد كبير في العالم وأن هذه القوة لا ينبغي التعامل معها من باب الخوف والتحامل والعوائق التي تحول دون الهجرة المتزايدة جراء الأخطار التي يفرضها التطرف الإسلامي. كما إن السكان المسلمين يشكلون في الأصل قسماً مهماً من المجتمع العالمي والاقتصاد العالمي، وسيزداد عددهم إلى حد كبير ليشكل نسبة مئوية من سكان العالم في الأعوام القادمة.

بالإضافة إلى ذلك، اقترن تركيز الولايات المتحدة على موضوع الهجرة واهتمام أوروبا بقضية اللاجئين وبخطر الإرهاب، ليؤدي ذلك إلى تجاهل الكثيرين للحاجة إلى التعامل مع الدول الإسلامية وبناء جسور بين الإسلام والأديان الأخرى. حتى إن دراسة موجزة للاتجاهات في التركيبات السكانية في العالم تظهر السبب في وجوب تعاون الولايات المتحدة وغيرها من البلدان غير المسلمة مع الدول الإسلامية وبناء فهم مشترك وحشد الجهود لتحقيق الاستقرار والأمن والتنمية.

 

التعامل مع النمو السكاني الهائل

لا توجد طريقة نستطيع من خلالها إجراء إحصاء دقيق للمسلمين في العالم، أو قياس مدى الأهمية الديموغرافية  لمعظم الدول الإسلامية. ومع ذلك، تقدم قاعدة البيانات الدولية لمكتب الإحصاءات الأمريكي تقديرات جيدة حول إجمالي عدد السكان والنمو السكاني في الدول الإسلامية في المقام الأول والدول التي تضم عدداً هائلاً من السكان المسلمين، كالهند. تبين النتائج مدى أهمية تفادي سيطرة أي شكل من أشكال التطرف الإسلامي القادمة على  جزء كبير من المسلمين في العالم:

  • يشير العدد التقريبي لسكان هذه الدول إلى أن مجموع عدد السكان ارتفع من قرابة 660 مليون نسمة عام 1950 ليصل إلى 2.544 مليون في العام 2016، كما إن العدد سيزداد ليبلغ 3.572 مليون نسمة عام 2050.

  • كما إن إجمالي عدد السكان عام 2016 أكبر من إجمالي العدد عام 1950 بـ 3.9 مرات، وسيصبح الإجمالي  عام 2050 أكبر بـ 5.5 مرة.

  • هذه المجاميع ستكون أكبر في حال ضُمت البلدان التي تعاني مشكلات وتضم أقليات مسلمة أصغر بكثير كالصين وميانمار وتايلاند.

إن ما يصل إلى 40% من هذه المجاميع ليست من المسلمين، لكن من وجهة نظر أي انتشار كبير للتطرف الإسلامي أو العنف الإسلامي، تتمثل القضية الأساسية في عدد الأشخاص الكلي الذين سيتأثرون بذلك وعدد المناطق في العالم المشمولة في الصراع من أجل مستقبل الإسلام. كما أن أثر ذلك بالغ الخطورة، كما هو جلي، في قسم من آسيا ودول الصحراء الإفريقية الكبرى.

إن تأثر هذا النمو السكاني لافت للنظر خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تشير التقديرات الراهنة إلى أن نسبة 93 % منها من المسلمين بالإضافة إلى أنها مقر لمعظم أنشطة التطرف الإسلامي العنيف.

وتشير الأرقام إلى مدى صغر حجم أي تقديرات لكوادر المتطرفين الإسلاميين بالنسبة لإجمالي عدد المسلمين.

وفي حال استخدمنا تعريفات وزارة الخارجية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا- المعادل لمنطقة المينا- تقدر قاعدة البيانات الدولية الاتجاهات التالية:

  • ارتفاع عدد السكان عما يقرب 88 مليون نسمة عام 1950 إلى 418 في العام 2016، كما أن الرقم سيزداد ليبلغ 632 مليون نسمة عام 2050.

  • كان إجمالي العدد عام 2016 أكبر بـ 4.8 مرات من إجمالي العدد عام 1950، كما سيصبح إجمالي العدد عام 2050 أكبر ب 7.2 مرات.

  • كان النمو في الشرق الأدنى أسرع بكثير؛ إذ ازداد عدد السكان عن 44 مليون نسمة عام 1950 ليصل إلى 235 مليون عام 2016 (أكبر بـ 5.3 مرات)، وسيرتفع ليصبح 343 مليون عام 2050 (أي أكبر بـ 7.8 مرات).

وتجدر بنا الإشارة هنا إلى أن هذه البيانات الأخيرة تؤثر في مناطق المينا ذات المساحات المحدودة من الأراضي الصالحة للزراعة ومساحات واسعة من الصحراء كما توجد فيها العديد من الدول التي تعاني انخفاضاً في معدل هطول الأمطار والإمدادات النهرية والتي قامت بسحب كميات كبيرة من المياه الأحفورية. ستفرض هذه العوامل ضغوطاً حادة على الدول التي تقودها أفضل الحكومات، كما صُنفت بعض هذه الدول  من بين الأسوأ في العالم.

 

التأثير المتزايد للإسلام

ذهبت منظمة "بيو ترتست" الخيرية أبعد من ذلك وقدمت تقديرات لكل من عدد السكان الحالي الذين يلتزمون بالإسلام بحق ونمو ذلك العدد بين عامي 2010 وعام 2050. والاتجاهات المبينة في الشكل السابع، والتي تحذر من أي محاولة أمريكية للتعامل مع التطرف الإسلامي من خلال منع المسلمين من زيارة الولايات المتحدة ستفشل في التأقلم مع الحاجة إلى التعامل مع ما يقرب ربع سكان العالم ومع ديانة ستضم ما يربو على مليار أو يزيد من الأتباع عام 2050.

 

الملخص التنفيذي للدراسة يلحظ أنها تشير إلى التالي:

يمتاز المسلمون، على المستوى العالمي، بأعلى معدل للخصوبة بمعدل 3.1 طفل لكل امرأة- أعلى بكثير من مستوى الإحلال الذي يبلغ (2.1)- وهو الحد الأدنى اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان. ويأتي المسيحيون في المرتبة الثانية بمعدل 2.7 طفل لكل امرأة، أما الخصوبة الهندوسية والتي تساوي (2.4) فهي مقاربة للمتوسط العالمي (2.5). وتبلغ الخصوبة اليهودية في جميع أنحاء العالم (2.3 طفل لكل امرأة) أي أعلى أيضاً من مستوى الإحلال. أما المجموعات الأخرى جميعها فلديها مستويات خصوبة أقل بكثير للحفاظ على تعدادها السكاني: الأديان الشعبية (1.8 طفل لكل امرأة)، وأديان أخرى (1.7 طفل لكل امرأة)، وغير المنتسبين (1.7 طفل لكل امرأة)، والبوذيون (1.6 طفل لكل امرأة).

كما أن أحد العوامل المهمة للنمو هو التوزيع العمري الحالي لكل جماعة دينية- ما إذا كان أتباعه من الشباب في الغالب، الذين ما يزالون في ذروة سنين الإنجاب، أو كبار السن الذين تجاوزوا سن الإنجاب إلى درجة كبيرة. في عام 2010، كان أكثر من ربع إجمالي عدد سكان العالم (27%) تحت سن 15، لكن نسبة أعلى من المسلمين (34%) والهندوس (30%) كانت تقل أعمارهم عن 15، في حين بلغت نسبة المسيحيين ممن هم تحت الـ 15 ما يقابل المتوسط العالمي (27%). ويعد التضخم الشبابي في التعداد السكاني أحد الأسباب المتوقعة لزيادة عدد المسلمين أسرع من إجمالي سكان العالم، أما الهندوس والمسيحيون من المتوقع لهم أن يبقوا مواكبين تقريباً للنمو السكاني في جميع أنحاء العالم.

ويشير بحث بيو إلى ارتفاع بلغ 1.6 مليار عام 2010 ليصل إلى 2.76 مليار عام 2015، وهو نمو بنسبة بلغت 1.16 مليار أو 73%. وتستند هذه التقديرات إلى حقيقة أن المسلمين لديهم أعلى معدل للخصوبة وأعلى نسبة شباب. كما أن نحو 34% من مسلمي العالم تحت سن 15 مقابل المتوسط العالمي البالغ 27%، وهناك 7% فقط ممن تبلغ أعمارهم 60 عاماً مقابل المتوسط العالمي الذي يبلغ 11%. يتمتع المسلمون بمعدل خصوبة يبلغ 3.1 مقابل 2.5 للعالم ونسبة 1.7 لغير المنتسبين. ويلحظ نص الدراسة أن:

 

على الصعيد العالمي، كان المسلمون أصغر سناً (متوسط العمر 23 عاماً) من العدد الكلي للسكان (متوسط العمر 28) بالنسبة للعام 2010. وفي حقيقة الأمر، من بين جميع الأديان المشمولة في هذه الدراسة، كان المسلمون يتمتعون بمتوسط العمر الأصغر عام 2010. والنسبة المئوية من السكان الذين تقل أعمارهم عن 15 عاماً هي مؤشر آخر على فتوة الشعب. في عام 2010، كانت نسبة 34% من السكان المسلمين في العالم تحت سن 15، مقارنة بالنسبة البالغة 27% من عدد سكان العالم. أما في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث يعيش حوالي 6 من أصل 10 من مسلمي العالم، كان متوسط عمر المسلمين (24 عاماً) أصغر بـ 5 مرات من متوسط عمر المنطقة ككل (29). ويعود ذلك أساساً إلى ارتفاع عدد المهاجرين من الشباب برفقة أطفالهم، فقد كان المسلمون في أوروبا (المتوسط العمري 32 عاماً) وأمريكا الشمالية (متوسط العمر 26 عاماً) كانوا أيضاً أصغر سناً بكثير من مجموع السكان العام في هذه المناطق عام 2010.

ونتيجة لذلك، وجدت الدراسة أن العديد من الأديان الأخرى تنمو ببطء شديد أو حتى تندثر. أما استثناءات ذلك فهي المسيحية والهندوسية، وتشير دراسة بيو إلى أن الديانة المسيحية تنمو ببطء شديد مقابل الدين الإسلامي. فقد بينت أن 29.7 % من سكان العالم كانوا من المسيحيين عام 2010 أما المسلمون فكانوا يشكلون نسبة 23.2 % من السكان. وفي حال كانت توقعات بيو صحيحة، سيعادل عدد المسلمين تقريباً عدد المسيحيين بحلول عام 2050: أي 31.4% من سكان العالم سيكونون مسيحيين 2010 و 29.7 % سيكونون من المسلمين- وهذا النمو يعادل 6.6% فيما يتعلق بإجمالي عدد السكان.

 

وتتأثر كل من الولايات المتحدة وأوروبا بحقيقة:

ازدياد عدد الأشخاص غير المنتسبين دينياً، والذين يعرفون أيضاً بـ "غير المتدينين"، في أماكن كالولايات المتحدة وأوروبا، كما نتوقع نمواً مستمراً لهذه الفئات. أما على الصعيد العالمي، فالعكس هو الصحيح: إذ من المتوقع لغير المنتسبين أن تنخفض نسبتهم كقسم من سكان العالم بين العامين 2010 و2050 (من 16% إلى 13%). ويُعزى هذا في قسم كبير منه إلى الأعمار الكبيرة نسبياً وانخفاض معدلات الخصوبة للأعداد الكبيرة من "غير المنتسبين" دينياً في دول آسيا، لاسيما الصين واليابان.

أما في الولايات المتحدة، ستنخفض نسبة المسيحية التي بلغت أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم عام 2010 إلى الثلثين عام 2050، مع ارتفاع في المقابل "لغير المتدينين" بالإضافة إلى المسلمين والهندوس وغيرهم. وفي منتصف القرن، لن تكون اليهودية أكبر ديانة غير مسيحية في الولايات المتحدة؛ فمن المتوقع للمسلمين أن يكونوا أكثر عدداً من الأشخاص الذين يُعرفون باليهود على أساس الدين.

وكما يظهر الشكل السادس، وجدت دراسة منظمة بيو أيضاً أن النمو الأساسي لدى المسلمين يجري خارج منطقة المينا- ما يوضح مخاطر ربط تصرفات المتطرفين الذين يمارسون أعمال العنف في الشرق الأوسط بدين الإسلام. سيحقق المسلمون زيادة بمعدل 5.2 % من سكان آسيا والمحيط الهادئ، و5.6% من سكان الدول الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، و4.3% من سكان أوروبا. فهم يشكلون بالفعل ما يزيد عن 90% من السكان في منطقة المينا وستزيد نسبتهم بما يعادل 0.7% فقط خلال عام 2010 إلى 2050. وستكون الزيادة في شمال أمريكا من 1% إلى 2.4%، كما لن تكون هناك أي زيادة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

فضلاً عن ذلك، إن الأثر التراكمي للاتجاهات السكانية كبير للغاية ما سيجعلها المعادل الديموغرافي لتطور الاقتصاد الصيني. وفي الوقت ذاته، سيكون لها أثر هائل في الاستقرار في الدول المدرجة في الدراسة. بالإضافة إلى ذلك، إن معظم النمو تقريباً يجري في الدول النامية ذات الموارد المحدودة. وكان قد أدى في الأصل إلى زيادة كبيرة في الحاجة إلى جميع أشكال الدعم الحكومي لفرص العمل والتعليم والخدمات الاجتماعية كما ضمن وجود معدل مرتفع من المُعالين ممن هم بحاجة إلى عاملين منتجين فعليين.

وفي حالة الشرق الأوسط، ومعظم آسيا الوسطى، يزداد النمو في المناطق محدودة المياه والأراضي الزراعية والتي يزداد فيها ربط الانتاجية الزراعية بزيادة الحاجة إلى رأس المال والمكننة وانخفاض القوة العاملة للمزارعين الفعليين. ونتيجة لذلك، يتجاوز النمو السكاني القدرة على تأمين فرص العمل في المناطق الريفية إلى درجة كبيرة. ويؤدي هذا بدوره إلى انتقال السكان والتحضر المفرط- وهذه تحولات لا بد وأن توثّق التواصل بين المجموعات الإثنية والعرقية المختلفة_  كما يُحدث زيادة كبيرة في نشوء أحياء حضرية فقيرة ومناطق ذات دخل منخفض- وهو مصدر آخر للتوتر.

 

إدراك أهمية وخطر التطرف الإسلامي

إن هذا النمو السكاني يخيف البعض، كما تفعل هجرة المسلمين خارج البلدان الإسلامية التقليدية. وغالباً ما يغيب عن البعض تاريخ الإسلام في التسامح والاعتدال في التركيز الغربي الراهن على خطر التطرف الإسلامي ومعتقداته. كما تغيب كذلك حدود التأييد الشعبي لهذا النوع من التطرف في طوفان من التقارير حول أعداد "المتطوعين الأجانب" والأفراد المتطرفين والخلايا المتطرفة.

 

أعداد المتطوعين والمقاتلين المحدودة

هذه التقارير نادراً ما تأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن نهاية المجاميع المقدرة لهؤلاء المتطوعين بالكاد تضم حركات جماهيرية، أو أي شيء من قبيل موجات المقاتلين المتطرفين الفاشيين والشيوعيين التي كانت موجودة في أوروبا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. وهذه الفكرة الأخيرة موضَّحة في الشكل الثامن الذي يقارن ما بين التدفق المُقدَّر للمتطوعين مقابل مجموع السكان في ذروة ظهور تنظيم داعش.

وما يلفت النظر في هذه الحركات، مثل تنظيم داعش، ليس متصلاً بكبر حجمها وإنما في بقائها صغيرة للغاية؛ إذ لطالما كان مجموع عدد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية محدوداً جداً من الناحية النسبية ولم يقترب على الإطلاق من عدد القوات الحكومية التي تحاربه. ولطالما كانت تقديرات عدد مقاتلي التنظيم منخفضة نسبياً مقارنة بالشباب المسلمين في الفئات العمرية المؤهلة. على سبيل المثال، قدَّر المتحدثون باسم وزارة الدفاع الأمريكية أن تنظيم داعش كان يمتلك قوة تضم 6.000 مقاتل في الموصل خلال الأوقات الحاسمة للقتال أواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني وبداية ديسمبر/ كانون الأول عام 2016.

 

استطلاع بياني يظهر محدودية دعم التطرف والعنف

من الصعب بمكان أن نقدر بالضبط مستويات الدعم الشعبي لحركات التطرف الإسلامي، التي تتباين بحدة على مر الزمن وتختلف من بلد إلى آخر. كما إن الاستطلاع حول هذه المسائل ليس موثوقاً على الدوام وغالباً ما ينطوي على شرائح صغيرة أو منحرفة. ويعد هذا النوع من البيانات صعب التفسير وخاصة عندما يعمد الاستطلاع إلى قياس مقدار غضب المسلمين تجاه الأطراف المختلفة أو الإخفاقات المتكررة في الحكومات بدلاً من قياس دعم التطرف بحد ذاته، أو عندما تستخدم الاستطلاعات مصطلحات غامضة كالشريعة خارج سياق يفرق بين التطرف وقيم الإسلام الأساسية.

 

نتيجة لذلك، تُظهر بعض الاستطلاعات دعماً كبيراً لمجموعات مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية بالمعنى الواسع، لكن البعض الآخر قد لا يفعل. ويعتمد الشكل التاسع على نتائج الاستطلاع الواردة في وثيقة قدمها "برينجار ليا" لمجلس سياسة الشرق الأوسط، توضح الوثيقة أبعاد هذه النتائج. ويبدو أن التقلبات الحادة المتكررة في البلدان المعنية عبر الزمن تُعزى إلى الأحداث والأخبار المحلية كما أنها مؤشر على أن المواقف الأوسع نطاقاً قد لا تكون مؤشراً موثوقاً على دعم حقيقي قوي.

وتُظهِر مجموعة استطلاعات أجرتها الحكومة الأمريكية واستطلاعات أجراها حلف شمال الاطلسي في العراق وأفغانستان دعماً محدوداً للغاية للتطرف، حتى في البلدان ذات الممارسات الإسلامية المحافظة، حيث كان تنظيم القاعدة وطالبان وداعش قادرين على اغتنام مكاسب عسكرية كبيرة. لقد كانت الانقسامات الداخلية في الدول المُدرَجة في الاستطلاع، بالإضافة إلى فشل حكوماتها وقوات الأمن هي من مهّد الطريق أمام القوى المتطرفة الصغيرة نسبياً.

كما تشير مجموعة متنوعة من استطلاعات أخرى ومقابلات مع السجناء إلى أنه حتى أنصار الحركات المتطرفة يعلمون ما هم ضده أكثر بكثير من معرفتهم بما تسعى الحركات التي يدعمونها إلى محاربته. أما على المستوى الشعبي، كثيراً ما اعتُبِرَت الحكومات المعنية  حكومات فاسدة فشلت في تلبية احتياجات شعوبها للأمن وفرص العمل كما عُرِفت بأنها منحازة كثيراً ضد التجمعات العرقية والطائفية- وهي تصورات تم التحقق من صحتها على نطاق واسع من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتقارير المنظمات غير الحكومية حول الحكومات والأنظمة الاقتصادية في الدول المعنية.

ومع ذلك، تُشير الاستطلاعات عموماً إلى أن الدين قوة مؤثرة للغاية في الدول التي تضم عدداً كبيراً من المسلمين، إلا أن الالتزام العميق بالإسلام لا يعني التزاماً بالمعتقدات أو الممارسات المتطرفة. وهناك استطلاعان أُجريا مؤخراً يوضحان هذه النقاط.

ويلخص الشكل العاشر دراسة منظمة بيو لمستوى الدعم الشعبي للشريعة في مجموعة من البلدان التي تضم نسبة كبيرة من المسلمين، غير أنه من الواضح أن دعم الشريعة لا يعني دعم حركات كتنظيم الدولة الإسلامية أو دعم العنف. وقد وجد فريق بيو الذي أجرى الاستطلاع أن:

  • الدراسات التي أجريت مؤخراً تُظهِر أن (معظم الشعوب في العديد من البلدان ذات الكثافة السكانية الكبيرة من المسلمين لديهم نظرة سلبية لتنظيم داعش بمن فيهم جميع المشاركين تقريباً في لبنان و 94 % في الأردن.

  • أقسام صغيرة نسبياً يقولون أنهم يرون أن التنظيم إيجابي، كما أن هناك أجزاءً كبيرةً من السكان، في بعض الدول، لا يدلون برأيهم حول تنظيم الدولة ومن بينهم أغلبية (بنسبة 62%) من الباكستانيين.

  • وجهات النظر الإيجابية حول تنظيم الدولة الإسلامية أكثر من غيرها نوعاً ما في نيجيريا (بنسبة 14%) أعلى من معظم الدول الأخرى. إذ يوجد هناك نسبة 20% من بين مسلمي نيجيريا ممن يقولون أنهم يفضلون وجود تنظيم داعش (مقارنة بـ 7% من مسيحيي نيجيريا). كما أعلنت الجماعة النيجيرية المسلّحة بوكو حرام، التي كانت تشن حملة إرهابية في البلاد على مر السنين، أعلنت عن ولائها لتنظيم داعش.

  • وعلى نحو أعم،  يقول  المسلمون في الغالب إن التفجيرات الانتحارية وغيرها من أعمال العنف ضد المدنيين باسم الإسلام ليست مبررة على الإطلاق، إلا في بعض الحالات النادرة ومن بينهم 92% في اندونيسيا و 91% في العراق. أما في الولايات المتحدة، توصلت دراسة استقصائية عام 2011 إلى أن 86% من المسلمين يرون أن هذه الممارسات نادراً ما تكون مبررة إلا أنها في الغالب لا مبرر لها. وهناك نسبة إضافية بلغت 7% ممن يقولون إن التفجيرات الانتحارية مبررة بعض الأحيان و1% ممن يقولون إنها مبررة في كثير من الأحيان نظراً للظروف الراهنة.

  • في عدد قليل من البلدان، يرى ربع المسلمين أو أكثر بقليل أن أعمال العنف هذه مبررة أحياناً على الأقل ومن بينهم 40% في الأراضي الفلسطينية و 39% في أفغانستان و 29% في مصر و26% في بنغلاديش.

  • في كثير من الحالات، تشعر الشعوب في البلدان، ذات الكثافة السكانية الكبيرة من المسلمين، بالقلق على قدر قلق الدول الأوروبية، إزاء التهديد الذي شكله التطرف الإسلامي، كما أصبحوا أكثر قلقاً في الأعوام الأخيرة. وقد قال حوالي ثلثي سكان نيجيريا (67%)، ولبنان (67%)، قالوا مسبقاً في العام 2016 أنهم في غاية القلق من التطرف الإسلامي في بلادهم الذي بلغ ارتفاعاً حاداً منذ عام 2013.

 

ويظهر الشكل الحادي عشر نتائج استطلاع آخر عُرِض في الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية للعلوم السياسية (APSA) عام 2016، كما كتبت صحيفة الواشنطن بوست تقريراً عنه. وعندما تعلّق الأمر بدعم الفكر المتطرف، استنتج واضعوه أن:

النتائج كانت شديدة الوضوح: إذ ليس هناك الكثير من العرب ممن يتعاطفون مع الدولة الإسلامية؛ فالنسبة التي تتفق مع أهداف تنظيم الدولة تتراوح ما بين 0.4% في الأردن و6.4% في الأراضي الفلسطينية. أما نسبة من يوافقون على استخدام تنظيم الدولة للعنف تتراوح بين 0.4% في المغرب و5.4 في الأراضي الفلسطينية. كما إن نسبة الموافقة على أن أساليب تنظيم الدولة متوافقة مع الإسلام تتراوح ما بين 1.0% في الأردن و 8.9% في الأراضي الفلسطينية.

ومع ذلك، من الأهمية بمكان أن نتعمق في الموضوع أكثر. على الرغم من أن عدداً قليلاً من المشاركين أعربوا عن مواقف إيجابية تجاه الدولة الإسلامية، من الممكن أن يكون بعض أولئك الذين أيّدوا أهداف تنظيم الدولة أو أساليبها أو أولئك الذين يعتقدون أن أفعال التنظيم متوافقة مع تعاليم الإسلام قد رفضوا الإجابة عن السؤال أو أجابوا بعدم معرفتهم، بدلاً من التعبير صراحة عن موافقتهم على مبادئ الدولة الإسلامية.

لكن ماذا عن الأشخاص الأصغر سناً وذوي التعليم المتواضع، الذين يبدو أنهم الجمهور الأساسي لرسالة تنظيم الدولة؟ خلال تفنيد إجابات المشاركين ممن هم تحت سن 36 أو أصغر، ممن لم يحصلوا سوى شهادات أقل من التعليم الثانوي، تبين أن حتى من بين هذه المجموعة السكانية هناك قدر ضئيل جداً من مؤيدي أهداف تنظيم الدولة الإسلامية أو تأييد استخدامها للعنف، كما يوجد عدد قليل منهم ينظرون إلى أن ممارسات هذا التنظيم متفقة مع تعاليم الإسلام. وفي حقيقة الأمر، كانت المواقف الإيجابية، في بعض الأحيان، تجاه تنظيم الدولة ناتجة عن عدد قليل من الأفراد في هذه الفئة السكانية الأساسية.

كما عبرت نسبة 3.4% فقط من التونسيين، الأصغر سناً و غير المتعلمين، عبرت عن تأييدها لأهداف تنظيم الدولة بالإضافة إلى 2.3% فقط ممن وافقوا على ممارسته للعنف. ومع ذلك، من الواضح أنه من المحتمل أن ينظر التونسيون في هذه الفئة السكانية، والتي تُعد الهدف الأول لرسائل تنظيم الدولة، إلى أساليب التنظيم على أنها متوافقة مع الإسلام، أكثر من غيرهم من التونسيين ونظرائهم في دول عربية أخرى.

كما وجد العلماء الذين أجروا هذا البحث أنه كلما عرف الشباب أكثر عن تنظيم الدولة وعن معتقداته الحقيقية، كلما قل تأييدهم له. لكن الأهم من ذلك أنهم توصلوا إلى أن هذه الشرائح ذاتها تعاني مشكلات خطيرة في حكوماتها والأنظمة الاقتصادية والهيكل الاجتماعي كما يظهر في الشكل الثاني عشر.

 

تناول الأسباب السياسية والمدنية للتطرف الإسلامي العنيف

تعد كل من البيانات السابقة عن النمو السكاني والاستطلاع البياني الذي يظهر حجم القلق إزاء قضايا متعددة كالفساد والعمالة والأمن، يعد كلاهما مقدمة لمجال آخر تحتاج فيه سياسة الولايات المتحدة تجاه الإسلام إلى إجراء تغييرات. هناك حاجة واضحة إلى تعطيل مستمر وتدمير للحركات المتطرفة ومكافحة الفكر الديني المتطرف ومحاولات التلقين المذهبي. وفي الوقت ذاته، هناك حاجة مساوية إلى إيجاد سبل جديدة لمعالجة أسباب الاغتراب والغضب داخل العالم الإسلامي، وإخفاقات الحكومات الحالية التي تعد أسباباً أساسية للإرهاب وجميع أشكال التطرف العنيف.

 

تأثير "العلمانية الفاشلة"

من الواضح  أن الدين عامل حاسم في صياغة وجهات النظر السياسية للمسلمين، والبنية السياسية للدول التي تضم نسبة كبيرة من المسلمين. بالإضافة إلى ذلك هو جانب رئيس في حياة المسلمين في أوروبا والولايات المتحدة ومناطق أخرى يشكلون فيها أقلية صغيرة ويشعرون بالعزلة والتحيز. ويُظهر الاستطلاع الملخص في الشكل الثاني عشر، والعديد من الاستطلاعات السابقة في دول منفردة ومنطقة المينا، كيف يتشكل التأييد للممارسات  والأهداف الإسلامية المتطرفة إلى حد كبير نتيجة فشل الحكومات في تلبية احتياجات شعوبها ونتيجة الاغتراب الذي يقاسيه المسلمون في الدول الموجودة خارج العالم الإسلامي.

وليس من قبيل المصادفة أن يزداد التطرف في البلدان التي أظهر فيها عمل الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمات غير الحكومية، على مر العقود، أن الحكومات لم تلبِّ حاجات شعوبها. كما كان الضغط السكاني عاملاً أساسياً كذلك في خلق بعض المشكلات المذكورة لكن الفشل الحكومي والفساد والتنمية الاقتصادية الفاشلة والقمع والتمييز على أساس الطائفة والعرق والقبلية، كل هذا أسهم بذلك أيضاً. ويرجع ظهور التطرف ونجاحه بدرجة كبيرة إلى "العلمانية الفاشلة" كما كان نتيجة لجهود الحركات المتطرفة لاستخدام نسختهم الخاصة عن الإسلام في تجنيد المقاتلين المسلمين والمؤيدين.

إن القوات المشمولة في الدراسة معقدة ولا تتبع أي نمط محدد كما لا يمكن فصلها بأية طريقة واضحة عن الأسباب السياسية والدينية للعنف والتطرف. وفي الوقت ذاته، فإن العلاقة بين العديد من الأمثلة الواضحة عن "العلمانية الفاشلة" والتطرف وثيقة للغاية.

 

الضغط السكاني و"التضخم الشبابي" وفرص العمل والفقر والشعور بالاغتراب.

كان التحليل السابق قد أظهر بالفعل المستوى الحاد الذي وصل إليه النمو السكاني، ومدى فتوة السكان في البلدان ذات العدد الكبير من المسلمين، فضلاً عن مدى سرعة تطور القوة العاملة (والتي ستستمر على هذا المنوال) في العديد من الدول الإسلامية. ويسلط الشكل الثالث عشر الضوء على هذه القوى في منطقة المينا، التي فشلت فيها الحكومات الأساسية على مدى عقود طويلة في تلبية احتياجات سكانها عموماً، والشباب خصوصاً، للنمو الاقتصادي وإيجاد فرص العمل.

وقد وصل النمو السكاني المقدر بين عامي 1950 و2015 إلى المستويات التالية في البلدان الرئيسة_ على الرغم من الصراعات والحروب الأهلية المتكررة:

  • زيادة عدد السكان في مصر بمعدل 4.5 مرات.

  • زيادة عدد السكان في إيران بمعدل 5.0 مرات.

  • زيادة عدد السكان في العراق بمعدل 7.4 مرات.

  • زيادة عدد السكان في ليبيا بمعدل 6.8 مرات.

  • زيادة عدد السكان في سوريا بمعدل ٤.٩ مرات.

  • زيادة عدد السكان في تونس بمعدل 3.2 مرة.

  • زيادة عدد السكان في اليمن بمعل 5.7 مرات.

  • زيادة عدد السكان في أفغانستان بمعدل 4.1 مرات.

  • زيادة عدد السكان في الباكستان بمعدل 5.0 مرات.

ولإدراك أهمية هذه التغييرات، نجد أن عدد السكان في أوروبا الغربية نما بمعدل 1.4 مرات فقط أثناء المدة المذكورة ذاتها، كما ازداد عدد سكان الولايات المتحدة بمعدل 2.1 مرة. وبالنسبة للدول الرئيسة غير المستقرة فيما يتعلّق بـ "التضخم الشبابي"،  يشار إليها بأسهم حمراء في القسم السفلي من الشكل الثالث عشر، كما أضيفت أفغانستان إلى المجموع الكلي.

وقد أدى هذا الضغط السكاني، في عدد كبير من دول منطقة المينا والدول التي تتألف من نسبة كبيرة من المسلمين، أدى إلى معدلات بطالة هائلة بين الشباب وبطالة جزئية، كما أفضى إلى التحضر المفرط ونشوء الأحياء الفقيرة المتنامية وكثرة الوظائف المحطِّمة للطموح على شكل وظيفة حكومية أو وظيفة في إحدى الشركات التي تملكها الدولة، بالإضافة إلى تدهور بطيء في مجال التعليم وغيرها من الخدمات.

بناءً على ذلك، لا تتوفر بيانات دقيقة حول مقدار المشاكل الرئيسة في العديد من البلدان، على الرغم من أن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائية وتقارير التنمية البشرية العربية حذروا من مدى خطورة الوضع الذي تأزم منذ عقد قبل بدء الاضطرابات السياسية عام 2011.

كما أوضحت التقارير كذلك أن الحكومات تقلّل بشدة من أثر البطالة والوظائف وعدم الانتاجية و"العمل التعويضي" والوظائف المدعومة من الحكومة التي تسببت بالبطالة الجزئية أو البطالة المقنّعة.

علاوة على ذلك، ليس هنالك من بيانات متاحة لقياس مدى خطورة هذه المشكلات في معظم الدول التي تعاني الأزمات والصراعات منذ عام 2010، إلا أنه من الواضح أن الوضع أصبح أسوأ بكثير. وقدّرت بعض المصادر بطالة الشباب والبطالة الجزئية في تونس بنسبة 40% عام 2015، ومن غير المحتمل أن تكون النسبة أقل من 20% في أي مجال، عدا عن البلدان المصدرة للنفط- التي تغطي فيها الوظائف الحكومية غير المنتجة، والوظائف التي تملكها الدولة، هذه المشكلة.

وكما لوحظ في وقت سابق، دفعت ندرة المياه وقلة مساحة الأراضي الزراعية الكثير من السكان، الذين يتزايد عددهم باستمرار، والقوى العاملة للتوجه إلى المناطق الحضرية. على الرغم من عدم وجود بيانات موثوقة، إلا أن نسبة التحضر في العديد من الدول ذات العدد الكبير من المسلمين قد تضاعفت 3 مرات تقريباً بين عامي 1950 و2016- ما يؤدي عادة إلى نشوء عدد كبير من الأحياء الفقيرة ويدفع الطوائف والجماعات الإثنية والقبائل إلى نوع جديد من التقارب-  وقد يكون متوتراً أو عدائياً في بعض الأحيان. نتيجة لذلك، لا يزيد الضغط السكاني من معدل البطالة وحسب، لا سيما بين جيل الشباب، بل يزيد كذلك من التجمعات السكانية الجديدة في الأحياء الفقيرة من المناطق الحضرية التي ترتفع فيها التكاليف عموماً أكثر من المناطق الريفية.

تخفي العديد من الحكومات حجم هذه المشاكل رغم أن ذلك يضر بها. وفي حين يبدو أن العديد من الدول التي فيها عدد كبير من المسلمين لا توثّق معدلات الفقر فيها على نحو دقيق، فإن خط الفقر غالباً ما يكون متدنياً في تعريفهم له في دول متجهة نحو المدنية.

علاوة على ذلك، لم تُبذَل الكثير من الجهود في معظم هذه البلدان لمعالجة القضايا العملية الأساسية كالقدرة على تحمل تكاليف الزواج أو اقتناء منزل مستقل أو الاتجاهات المتبعة في توزيع الدخل الذي يفضّل الأغنياء والناجحين على حساب بقية السكان.

 

أسلوب الحكم الفاشل

تتفاعل هذه العوامل في عدد كبير جداً من الدول التي تضم عدداً كبيراً من المسلمين، مع الإدارة الفاشلة للحكم. فقد خذلت العديد من الحكومات، ذات النسبة الكبيرة من المسلمين، شعوبها، أو بعض أجزائه. وأفادت تقارير البنك الدولي والمنظمات غير الحكومية من قبيل هيئات، مثل منظمة الشفافية الدولية، عن مستويات غير عادية في الفساد والمحسوبية والفساد الحكومي المستفحل والمحاباة على مدى أزمنة طويلة- مع استمرار اتساع الفجوة بين هيكل السلطة الغنية وبقية الشعب.

ويبين الشكل الرابع عشر كلاً من تصنيفات البنك الدولي للفساد في حكومات منطقة المينا وتصنيفات لأساليب الحكم العام. ويستخدم لذلك مقاييس تتعلق بمدى فاعلية الحكومة بدلاً من مستوى تقدمها من ناحية الديمقراطية وحقوق الإنسان. وليس من المفاجئ أن كلاً من عامة السكان والشباب في البلاد يرون أن الفساد- العيب الكثر وضوحاً في إدارة الحكم- هو المصدر الأساسي لإخفاقات الحكومة، إلا أنه من الواضح بنفس الدرجة أن معظم المشكلة يكمن في انخفاض النوعية الشاملة لإدارة الحكم وليس في الفساد بحد ذاته.

ويظهر الشكل الخامس عشر التاريخ الطويل للفشل في بلدان رئيسة تضم نسبة كبيرة من المسلمين وتواريخ اضطرابات سياسية كبرى، بالإضافة إلى تاريخ ممارسات العنف.  إلا أن ما يسترعي الانتباه في جميع الحالات المبينة- وجميع الحالات تقريباً  التي كان التطرف الإسلامي عاملاً رئيساً فيها- هو مدى استمرار حكومات هذه البلاد في الفشل على المستوى العلماني. فقد نجح القمع والاستبداد لسنوات في هذه الدول، لكن ذلك لم يكن إلا على حساب زيادة وضع مشكلات الدولة سوءاً، إلى أن تؤدي في نهاية المطاف إلى انفجارات وأعمال عنف وحرب أهلية.

  • تُظهِر العراق نمطاً سيئاً مستمراً لإدارة الحكم بقيادة صدام، والاحتلال الأمريكي، ومن ثم إدارة المالكي. يتبع ذلك تقييمات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي  لنظامها الاقتصادي، والتي تساوي سوء نظام الحكم بالأهمية. وعلى الرغم من ارتكاب الولايات المتحدة للعديد من الأخطاء خلال المدة التي تلت غزوها للعراق عام 2003، إلا أن نمط الحكم السيئ يسبق الاحتلال الأمريكي بوقت طويل، وبعدها كانت الأخطاء صادرة من جهة العراق بعد العام 2005-2006.

  • تظهر كل من سوريا وليبيا أن الاستقرار والتحرر من العنف تحت حكم الأسد والقذافي قبل عام 2012 لم يكن يعني أي شيء قريب من الحكم الشامل والفعال. ومجدداً، كانت سياسات الحكومات في التعامل مع التنمية الاقتصادية بذات القدر من السوء.

  • اليمن بلد آخر تعاني من الأزمة مع تاريخ بائس لكل من عوامل الحكم والتنمية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً والتي تؤثر أساساً في خلق فرص العمل واستقرار الشباب وغالباً ما تؤدي إلى نشوء توترات خطيرة بين الجماعات الطائفية والعرقية والمجموعات الرئيسية بين السكان-مع انتقال، أقل نجاحاً في بعض الأحيان، من الشعور بالاستياء إلى الاضطرابات السياسية أو أعمال العنف.

  • لقد كانت أفغانستان دولة تعاني الصراع منذ أواخر عام 1970، وتُظهر على غرار العراق، نمطاً سيئاً مستمراً للحكم بغض النظر عن أسلوب الإدارة والتحول من طالبان إلى نظام يقترب من نمط الديمقراطية العلمانية. كما أن تاريخها المتواصل لأكثر الحكومات فساداً في العالم- بالإضافة إلى العنف الداخلي المستمر- كان عاملاً رائداً في التسبب بالاستياء الشعبي من الحكومة على الرغم من أن الاستطلاعات قد أظهرت محدودية الدعم لحركة طالبان وأشكال التطرف الإسلامي الأخرى.

  • أما باكستان فهي واحدة من بين المراكز العالمية الرائدة للهجمات الإرهابية، غير أنها كانت أيضاً، بحكم الأمر الواقع، راعية لإرهاب الدولة من خلال علاقاتها بحركة طالبان وشبكة حقاني ومجموعات متنوعة من التطرف الإسلامي التي ساعدتها في تدريب وتسليح المقاتلين للضغط على الهند. وقد أسهمت معاييرها السيئة في الحكم على تشجيع زعزعة الاستقرار الداخلي كما فعلت سياساتها الإنمائية الرديئة.

ويتداخل الاغتراب الناجم عن الفقر بالاغتراب بسبب الفساد وانعدام الفرص وانخفاض الدخل الإجمالي. ويقدم الشكل السادس عشر مقارنة توضيحية لمستويات متباينة للغاية لنصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي في دول معينة تضم أعداداً كبيرة من المسلمين، ليكون مقياساً تقريبياً لانتعاش الاقتصاد أو معاناته. ومن الممكن لهذه البيانات أن تكون مضللة نظراً لأن العديد من الدول المدرجة في هذا الشكل تعاني من توزيع دخل مريع؛ إذ تحصل الأغلبية الطفيفة والفاسدة والغنية على معظم ثروات الدولة. كما أن نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي لا يعكس الفروقات الحادة الناجمة عن العوامل الطائفية والعرقية والأقلية وغيرها، بالإضافة إلى المشكلات التي تواجهها المرأة في فرص العمل والدخل في العديد من البلدان.

ومع ذلك، يعكس الناتج الإجمالي المحلي المختلف، على نطاق واسع، في الشكل السادس عشر، بعضاً من الحقائق العملية حول السياسات الاقتصادية الفاشلة وتأثير العوائق الحكومية في التنمية الاقتصادية والاستثمار الخارجي وإدارة الأعمال الداخلية وفرص العمل. ويوضح الشكل السابع عشر أن العديد من الدول التي تعاني من أسوأ ناتج إجمالي محلي لكل فرد كانت قد عانت الكثير جراء الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية.

 

أهمية التعامل مع تزايد عدد المسلمين والأسباب العلمانية للتطرف الإسلامي

ليس هنالك من طريقة يمكن الاعتماد عليها لمعرفة المدى الذي دفعت إليه هذه الضغوطات العلمانية أقلية بسيطة باتجاه دعم التطرف الإسلامي وكيفية تفاعل هذه القوى العلمانية أثناء التعرض للمعتقدات الدينية المتطرفة. كما لا تُفسر هذه القوى العوامل العلمانية أو غير الدينية المتباينة التي أدت إلى قدر محدود من دعم المسلمين للتطرف العنيف في أوروبا والولايات المتحدة والهجمات "المنفردة" التي تعد فيها العوامل النفسية أكثر أهمية من أي خليط من الأسباب الدينية والمادية.

إلا أنه قد يكون هناك بعض الشك حول مدى قوة التطرف والإرهاب في البلدان التي كانت موضع ضغط للكثافة السكانية والحكومات الفاشلة وفشل التطور والنمو الاقتصادي. وفي حالة تلو الأخرى، عانت هذه الدول من اضطرابات سياسية هائلة كما شهدت تحول أقسام كبيرة من السكان إلى العنف ما أعطى الفرصة للتطرف لبسط نفوذه.

 

التطرف والدول الفاشلة

إن هذا المزيج بين النمو السكاني والفشل في إدارة الحكم وفشل التنمية له العديد من التداعيات الكبيرة فيما يخص سياسة الولايات المتحدة؛ إذ يعزز بداية، حاجة الولايات المتحدة وغيرها من الدول غير الإسلامية للتعاون مع الدول التي تتألف من عدد كبير من المسلمين، وبالتالي معاملتها بوصفها من بين الشركاء الاستراتيجيين. ذلك أنه ليس من الممكن لسياسة الولايات المتحدة أو سياستها الأمنية أن تحقق النجاح في حال تجاهل العالم الإسلامي أو عزله.

ثانياً، يعزز حاجة جميع جوانب السياسة الخارجية الأمريكية وسياسة الأمن القومي إلى الفصل الواضح بين التطرف الإسلامي والإسلام. وكما أظهر التحليل السابق لخطر التطرف الإسلامي فالمسلمون شركاء ذوو أهمية في الكفاح ضد التطرف. ولا بد للولايات المتحدة أن تنشئ فهماً متبادلاً بدلاً من محاولة استبعاد المسلمين أو معاملتهم على أنهم يشكلون تهديداً لأمنها.

ثالثاً، يسلط الضوء على بعد جوهري مفقود في استراتيجية الولايات المتحدة، فضلاً عن غيابه في معظم الجهود الإقليمية للتعامل مع التطرف وعدم الاستقرار. إن مكافحة الإرهاب والأمن العسكري خطوتان في غاية الأهمية، لكنهما ليستا كافيتين. فهما يتعاملان مع نصف المشكلة ولا يستطيعان سوى تقديم إصلاحات مؤقتة لمشكلات لها أسباب أخرى أعمق وأكثر ديمومة.

الضغط السكاني، والتضخم الشبابي داخل العالم الإسلامي لوحده يتضمن قوى لا يمكن التعامل معها حتى من خلال الجهود الأمنية وجهود مكافحة الإرهاب الأكثر فاعلية. وباقتران هذين الاتجاهين بالحكم الفاشل والفساد والسياسات الاقتصادية الفاشلة؛ فإنهم بذلك يؤدون إلى نشوء قوى أساسية لعدم الاستقرار الذي سيستمر على الأقل لعقد أو عقدين. ليس هناك حلول سريعة لهذا الأمر لأن النمو السكاني للقوة العاملة والضغط على معظم الدول الإسلامية موجود بالفعل، كما أن الإصلاحات السياسية والحكومية بطيئة وتحتاج وقتاً للتطور دون شك، في مواجهة التحديات الاقتصادية العظيمة للغاية.

هناك عدد لا بأس به من الأسباب وراء تحذير تقرير التنمية البشرية العربية عام 2016، بأن الأمر سيستغرق أكثر من عقد لتنفيذ هذه الإصلاحات قبل أن تصبح التداعيات الكاملة للاضطرابات السياسية التي بدأت ذلك العام بادية للعيان، بالإضافة إلى تحديد الأسباب التي دفعت تقرير عام 2016 نحو التركيز على الدعوات التي تطالب البلاد العربية باستثمار شبابها "وتمكينهم من المشاركة في عملية التنمية على أن ذلك أولوية عاجلة وحاسمة تصب في مصلحتها وشرط مسبق لتحقيق التنمية المستدامة". وكان الشكل الثاني عشر قد قدم مسبقاً مثالاً عن استطلاعات أظهرت مدى قلق الشباب العربي من تأثير فشل الحكومات والمشكلات التي تتسبب بها إلى حد كبير.

ويزودنا الشكل الثامن عشر بدلالة أخرى على هذه المواقف في جهود الاستطلاع الأوسع نطاقاً الواردة في تقرير التنمية البشرية العربية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2016، بينما يستخدم الشكل التاسع عشر المصدر ذاته ليظهر مدى اعتبار الشباب العربي للبطالة على أنها قضية مهمة، وبالتالي ربطهم لها بسياسات حكومتهم.  

 

تداعيات استراتيجية الولايات المتحدة

إن محاربة التطرف الإسلامي، إلى جانب القوى الأوسع التي تتسبب بعدم الاستقرار والصراعات، تفرض على سياسات الولايات المتحدة أن تعالج مستويات الضغط المدني المختلفة والتوترات في دول إسلامية محددة، سياسات تذهب إلى ما هو أبعد من الدبلوماسية التقليدية و"السفارة العادية". كما أنها بحاجة أيضاً إلى جهود حثيثة طويلة الأمد، كما يجب أن يتضمن العديد منها التعاون مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية.

وقد أظهرت جهود الولايات المتحدة في بناء الدولة في أفغانستان والعراق، أن محاولات إعادة بناء دول أخرى من الخارج وفرض قيم مختلفة عن تلك التي ينشدها شعب تلك الدولة، أصبحت إخفاقات مسرفة بازدياد كما أنها جهود لا يمكن للولايات المتحدة وحلفائها تحمل تكاليفها. ويمكن للقصة أن تكون مختلفة تماماً إن كان المقصود أن تكون الجهود الأمريكية حثيثة ولكن استباقية لإقناع الدول بتبني الإصلاحات اللازمة والعمل مع غيرها من الدول والتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لوضع خطط الإصلاح وتأمين الحوافز التي يمكن تقديمها.

ولا بد  لمحاربة التطرف الإسلامي وعدم الاستقرار في العالم الإسلامي من أن يعالج الأسباب والأعراض على حد السواء. كما أن الجهود التعاونية لتحقيق التنمية وتأمين فرص العمل، أو على الأقل بث روح الأمل للمستقبل، تُعَد خطوة على قدر كبير من الأهمية. بالإضافة إلى أن دفع الحكومات برفق لتكون أكثر صدقاً وفاعلية، يُعد خطوة أخرى، لا سيما عندما تركز على  المصالح الشعبية والدعم الشعبي بدلاً من محاولة إعادة بناء نظامها السياسي والقانوني.

علاوةً على ذلك،  ستستغرق المشكلات المدنية التي تسببت بوجود التطرف وعدم الاستقرار أعواماً، وربما أكثر من عقد، لإيجاد حل لها، نظراً للتاريخ الطويل للتقاعس في الماضي والأضرار التي سببتها الاضطرابات السياسية منذ عام 2011. على أية حال، من الصعب أن ندرك إلى أي درجة ستنجح الجهود في وقف التطرف الإسلامي ووضع حد لعدم الاستقرار ما لم تتم دراستها بدايةً.

 

الآثار المترتبة على الدول التي تضم نسبة كبيرة من المسلمين

لا يمكن للولايات المتحدة والدول الخارجية تقديم الكثير لهذه الدول؛ إذ لا تستطيع أية قوة خارجية حماية الحكومات العربية من أنفسها. وقد حذرت الأحداث التي اندلعت عام 2011  من مدى خطورة الجروح الذاتية  في بعض الأحيان. هذا بالإضافة إلى أن الإصلاحات في مجال مكافحة الإرهاب المحلي والممارسات الأمنية التي تقضي أو تقلل من العناصر المتبقية لدعم التطرف الديني والتطرف الإسلامي العنيف ليست سوى سبب لهذه الجروح الذاتية.

كما تشير تقارير التنمية البشرية العربية منذ عام 2002 وحتى عام 2016، إلى أن الحكومات العربية بحاجة إلى أن تصبح أكثر نزاهة وشفافية وفعالية؛ فالفساد والتفضيل والمحاباة والمحسوبية خطيرة بقدر خطورة التطرف. ويظهر الشكلان الثامن عشر والتاسع عشر، أن الحكومات التي خذلت شعوبها تهدد نفسها كما تهدد بقاءها، فضلاً عن أن القمع دون وجود إصلاحات كبيرة ودون تحقيق التنمية، يجعل تلك الأخطار أسوأ بكثير على مر الزمن ويزيد من احتمال اشتعال الحروب الأهلية والاضطرابات السياسية الكبيرة والتطرف الإسلامي العنيف.

وفي الوقت نفسه، لا بد للحكومات الإسلامية أن تتحمل كامل المسؤولية للقيام بهذه التغييرات والإصلاحات؛ إذ لا يستطيع أي قدر من الأمن والاقتصاد الخارجي أن يساعدها ما لم تقم بهذه التغييرات بنفسها. وإن كان هناك من درس أساسي لتتعلمه من تاريخ التنمية والاستقرار في حقبة ما بعد الاستعمار أو بعد الحروب، فهو أنه لا توجد أية قوة خارجية تستطيع تقديم المساعدة للحكومة التي لا تساعد نفسها.

 

التطرف ومخاوف الغرب وأحكامه المسبقة والنفور

هناك مجموعة، منفصلة، لكنها ذات صلة، من المشكلات في التعامل مع المسلمين الذين يشكلون أقلية في أوروبا والولايات المتحدة وغيرها من الدول ذات الأديان والأنماط الثقافية السائدة. يعاني المسلمون غالباً من الأحكام المسبقة الدينية والعرقية على حد سواء،  كما يواجهون التمييز ذاته الذي واجته موجات المهاجرين في الماضي.

ولسوء الحظ، لا يتطلب الأمر سوى بضعة أعمال إرهابية باسم التطرف الإسلامي ليُحدِث ذلك أثراً عظيماً في الرأي العام الأمريكي والأوروبي، ما يحوّل هذه الأحكام المسبقة إلى خوف ورفض للمسلمين. وقد أظهرت الاعتداءات الأخيرة التي وقعت خارج العالم الإسلامي أن النتيجة النهائية قد تكون في عزل غير المسلمين ووجود عدائية واسعة النطاق للدين الإسلامي، ما يساعد في دوره على إيجاد قوات تشجع أقلية صغيرة من المسلمين في الغرب وفي الدول غير الإسلامية على أن يصبحوا متطرفين يمارسون العنف.

كما أظهر الشكل الثامن والاستطلاع السابق أن أعداد المقاتلين المتطرفين محدودة وأن معظم المسلمين لا يدعمون وجهات نظر المتطرفين الإسلاميين عن الإسلام أو استخدامهم للعنف. ومع ذلك، قد يصبح الخوف المبالغ به والتصورات الخاطئة واقعاً بكل سهولة.

بغض النظر عن الأرقام الفعلية المذكورة- وبغض النظر عن أن عدداً قليلاً جداً من المسلمين يؤيدون الفكر الإسلامي المتطرف أو يُقْدِمُون على تصرفات لدعم هذه الحركات- إلا أن الأمر يتطلب أعداداً قليلة فقط من الهجمات المتطرفة في الدول الغربية وغير المسلمة لاستقطاب الرأي الأوروبي ضد المواطنين المحليين من المسلمين والمهاجرين واللاجئين بالإضافة إلى رجال الأعمال الزائرين والطلاب والسياح.

وكلما زاد دعم الولايات المتحدة وغيرها من الدول الخارجية للبلدان والحكومات التي تضم أعداداً كبيرة من المسلمين في محاربة التطرف الإسلامي، كلما عظُم الحافز لدى حركات التطرف الإسلامي لاستخدام العنف بغية فصل الولايات المتحدة وأوروبا والقوى الخارجية عن الدول الإسلامية، كما سيدفعها  ذلك أيضاً لإثارة الغضب والعنف بين المسلمين وغير المسلمين.

وبالتالي، يعمل ذلك على إضعاف الدعم الأمريكي والأوروبي والخارجي للقتال ضد الإرهاب الإسلامي في الدول التي تضم نسباً كبيرة من المسلمين، حيث تعد المعركة أكثر أهمية وأكثر ضرورة ليتم كسبها. وفي الوقت ذاته، سيعمل ذلك على تشجيع العداء الإسلامي تجاه الولايات المتحدة وحلفائها من غير المسلمين داخل البلدان الإسلامية التي يرغب المتطرفون بالسيطرة عليها بشدة. بالإضافة إلى ذلك، إن الانتصارات الكبرى على حركات مثل تنظيم الدولة الإسلامية لا يضع حداً للتطرف، بل يقوم بتفريق الشخصيات الأساسية، ليرجع العديد منهم إلى البلدان غير المسلمة. وهذا يخلق بدوره كوادر جديدة تتمتع بتدريب رسمي وخبرة في القتال في الدول الإسلامية التي تمتلك فيها حركات التطرف الإسلامي مراكز دعاية وملاذات آمنة وحركات تمرد متواصلة.

وحالما يحصل التطرف الإسلامي على موطئ قدم في الدول التي يشكل فيها المسلمون نسبة كبيرة،  أو حتى في حال أصبح مصدراً رئيساً للعنف والتمرد، إنه بذلك يخلق شبكات من التجنيد والتلقين المذهبي تصل إلى دول أخرى، ما يجذب المتطوعين وأولئك الذين ينوون أن يصبحوا مقاتلين، وينشئ كوادر تستطيع الجماعات المتطرفة استخدامها. وكلما زادت المساعدات الأمريكية والأوروبية للجهود الإسلامية في مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد، كلما زادت الحوافز التي ستعين الحركات الإرهابية الإسلامية لاستخدام تلك الأصول في تنفيذ ضربات في الغرب ومحاولة الفصل بين الغرب والإسلام، وتقويض التأييد الشعبي للشراكة الاستراتيجية الغربية مع الدول التي تتكون من أعداد كبيرة من المسلمين.

وفي الوقت نفسه، تستقطب الحرب طويلة الأمد ضد المتطرفين الإسلاميين بضعة أفراد من المسلمين وغير المسلمين الذين لا علاقة لهم بالتطرف. ويؤدي هذا إلى هجمات "منفردة" ينفذها أشخاص مدفوعين بأسباب شخصية، وبعضهم يكون مواطناً أمريكياً والبعض الآخر من دول غير إسلامية. إلا أن معظم هذه الهجمات إما أن يفشل أو ينجم عنه انفجارات عنيفة محدودة وشبه عشوائية. لكن حتى تلك النجاحات والإصابات المحدودة تتسبب في انفجارات أكبر من الخوف والغضب وتؤدي إلى خلق مناخ من عدم الثقة الواسعة بالمسلمين وبالإسلام، أما التفجيرات التي تنجح فلها تأثر أكبر بكثير.

ويوضح الشكل العشرون بعض المخاطر التي ينطوي عليها ذلك، على الرغم من أنه يقدم أيضاً المشكلات الجوهرية فالمحاور الأفقية لا تُظهر أعدادَ المتطوعين الذين شملتهم الدراسة. ويستند في ذلك إلى تقرير ورد في صحيفة واشنطن بوست عن دراسة أجرتها السلطات الألمانية غطت متطوعين ألمان انتسبوا إلى تنظيم داعش والتي نُشرت أيضاً في صحيفة "دي فيلت" الألمانية.  

 

إن عودة هؤلاء المتطوعين إلى بلادهم ستشكل تهديداً محدوداً على الأقل، وقد استنتجت الدراسة الألمانية أن 10% فقط من العائدين إلى ألمانيا قد خاب ظنهم في الفكر المتطرف، كما أن 8% عادوا إلى الديار لمجرد التعافي من آثار القتال، وربما يعاودون المحاولة للرجوع إلى سوريا والعراق. أما نسبة 48% ظلوا ملتزمين بالفكر المتطرف كما حافظوا على علاقاتهم الودية مع متطرفين آخرين.

علاوة على ذلك، كانت المساجد المحلية في الغرب أكثر إشكالاً من المساجد في العديد من الدول الإسلامية في كثير من الأحيان. كما أفادت التقارير أن معظم أولئك الذين سافروا إلى سوريا أو العراق اتجهوا إلى التطرف عن طريق بعض الأصدقاء أو الأشخاص ممن التقوا بهم في المساجد أو في الندوات الإسلامية.

وما يثير الانتباه أيضاً، هو الأعداد المحدودة الواردة في الدراسة. فلم تجد الدراسة عينها سوى 784 ألمانياً فقط ممن انضموا للجماعات المتطرفة التي تمارس العنف في العراق وسوريا لمقابلتهم. فقد بلغ عدد المقاتلين ذروته في الربع الثالث من العام 2014، إلا أنه انخفض بحدة بعدها، لتغادر مجرد حفنة من الألمانيين بلادهم بعد أن بدأ تنظيم الدولة الإسلامية يعاني من انتكاسات خطيرة في سوريا والعراق. كما عُرف 275 ألمانياً فقط ممن عادوا إلى ألمانيا، فقد عاد معظمهم عام 2013 وعام 2014. وبدلاً من إيجاد كوادر جديدة في ألمانيا، يبدو أن التنظيم كان قد أعدم بعض من حاولوا مغادرة سوريا والعراق.

 

وتُعد التقارير حول العائدين إلى فرنسا وبلجيكا وروسيا أكثر غموضاً، كما أن عدد الهجمات في الولايات المتحدة التي نفذها مسلمون وغيرهم من الأمريكيين، الذين لم يسبق لهم أن غادروا الولايات المتحدة قط للتواصل مع المتطرفين، ما يزال يعد تحذيراً. وسيكون هناك المزيد من الهجمات في الأعوام القادمة، كما قد تؤدي المعارك الناجحة ضد المتطرفين في العالم الإسلامي إلى المزيد من الاعتداءات خارجه.

ومع ذلك، لا يعني هذا أنه ينبغي على الولايات المتحدة وغيرها من الدول التي تتألف من نسب كبيرة من السكان غير المسلمين أن تحاول صد المسلمين أو الحد من التواصل مع التحالفات ضمن العالم الإسلامي، بل يعني ذلك بذل جميع الجهود لتحسين مستوى التدقيق والفرز مع الحد الأدنى من التدخل على كل من المستوى الدولي والداخلي، وذلك لأن فعالية الدفاع عن الوطن والتنسيق بين الدول لتعقّب المشتبه بهم والأفعال المشبوهة أمر بالغ الأهمية. ولأنه لا بد للدول التي لا تضم الكثير من المسلمين أن تبذل ما في وسعها لبناء فهم شعبي حول الإسلام والطبيعة الحقيقية للتهديد الذي يحيق بهم، بالإضافة إلى جهود محاربة التلقين المذهبي المتطرف والتقليل من أسباب الاغتراب بين المسلمين وغير المسلمين في بلادهم.

 

خاتمة

أظهر التحليل السابق أن التطرف الإسلامي تهديد خطير يهيمن على الإرهاب العالمي فضلاً عن أنه مصدر أساسي لعنف أوسع نطاقاً في منطقة المينا. كما أظهر التحليل أيضاً أنه يجب على الولايات المتحدة أن تعيد التفكير، جذرياً، في الجوانب الرئيسة لكفاحها ضد الإرهاب والتطرف الإسلامي.

وقد أحرزت الولايات المتحدة تقدماً عظيماً في تحسين دفاعاتها الوطنية وجهوها الدولية لمكافحة الإرهاب؛ إذ أعادت هيكلة شراكاتها الأمنية مع الدول التي تضم أعداداً كبيرة من المسلمين، لمساعدة تلك الدول في الاهتمام والتأكيد على مكافحة الإرهاب بقدر اهتمامهم بالأمن العسكري. وتسعى الولايات المتحدة كذلك إلى تحقيق تقدم كبير في هزيمة قدرات تنظيم الدولة الإسلامية في السيطرة على الأراضي، وتصرفاته على أنه مشروع دولة، وتأمين الملاذ لتدريب المقاتلين، بالإضافة إلى جهود التنظيم في توسيع نطاقه وزيادة عدد التابعين له.

وفي الوقت ذاته، يتركز قسم كبير من الجهود الأمريكية على التهديد المباشر الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية، والخطر الخارجي الذي يفرضه على الولايات المتحدة وأوروبا. وقليلون أولئك الذين يدركون في الولايات المتحدة أهمية الشراكات الاستراتيجية التي أقامتها الولايات المتحدة مع الدول المسلمة إلى حد كبير، وحقيقة أن الحرب الأساسية مع التطرف الإسلامي تكون داخل البلدان المسلمة، كما أنها معركة من أجل مستقبل الإسلام- بدلاً من الخطر المحدود الذي يفرضه التطرف على الأديان والدول في الخارج.

وبالفعل، كان خطر التطرف الإسلامي داخل الولايات المتحدة وأوروبا حقيقياً للغاية، إلا أنه لم يكن سوى جانباً ثانوياً من أصل سلسلة أكثر خطورة من التهديدات التي يفرضها ضمن العالم الإسلامي. والمعركة في المقام الأول معركة بين الحكومات المعتدلة والأغلبية الشعبية الملتزمة بمبادئ الإسلام التقليدية من جهة، والمتطرفين الساعين إلى استخدام أي شكل من أشكال العنف ومزيج من الإرهاب والحروب غير المتكافئة من جهة أخرى، للاستيلاء على السلطة. إنه "صراع ضمن حضارة واحدة" وليس "صراعاً بين الحضارات".

ولن تستطيع الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها من الدول غير الإسلامية هزيمة الإرهاب أو التهديد الأوسع نطاقاً الذي يشكله التطرف الإسلامي من خلال محاولة عزل أنفسهم عن البلدان المسلمة، أو معاملة المسلمين كما لو أن المتطرفين الإسلاميين يشكلون أكثر من مجرد أقلية صغيرة من المسلمين.

الإسلام يتنامى بسرعة فائقة، وتزداد أهميته ضمن العالم. وتظهر الاستطلاعات أن الأغلبية الساحقة من المسلمين يعارضون الفكر المتطرف وممارسات العنف.

كما تعد معظم الحكومات الإسلامية شركاء رئيسين في محاربة التطرف والإرهاب، فضلاً عن اعتبارهم شركاء أساسيين في الحفاظ على الأمن والتعامل من الأخطار الأخرى.

وتكمن التحديات الأساسية للولايات المتحدة في إنعاش شراكاتها الأمنية، والعمل مع الدول الإسلامية إلى حد كبير، وتحسين مستوى الأساليب الجماعية للتعامل مع التطرف والتهديدات الأخرى التي تفرضها إيران. كما يتعين على الولايات المتحدة أن تُظهر قدرتها على التصرف بحزم وأن تُظهر أنها شريك موضع ثقة بالنسبة لشركائها. وفي الوقت نفسه، لا بد وأن تعمل الولايات المتحدة مع شركائها الأمنيين المسلمين لمساعدتهم في معالجة إخفاقاتهم في تطوير جهود فعالة مضادة للتطرف، وبذل المزيد من الجهود للدفاع الجماعي بالإضافة إلى فشلهم في معالجة كلية لأسباب التطرف الإسلامي.

كما قد ركز كل من الغرب والدول الإسلامية بدقة كبيرة على أعراض التطرف الإسلامي بدلاً من معالجة المرض. فالحركات من قبيل تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة وحركات طالبان، جميعها أعراض مرض التطرف، وليست أسباباً له.

وما يزال قدر قليل من الاهتمام يُعطى للاتجاهات المدنية الأساسية والمشكلات ضمن العالم الإسلامي الآخذ في الاتساع. وقد كانت تلك المشكلات أسباباً أساسية للتطرف الإسلامي الذي يمارس العنف، إلى جانب الاضطرابات السياسية التي اندلعت داخل الدول ذات الأعداد المسلمة الكبيرة منذ عام 2011. وقد اشتملت تلك الاضطرابات على ضغوط سكانية حادة وفشل في أسلوب الحكم والفساد الحكومي وانقسامات طائفية وعرقية، بالإضافة إلى خطط تنموية اقتصادية غير كافية ومعدل بطالة هائل والوظائف المحطمة للآمال وقضايا أخرى ذات صلة قد تغذي التطرف والعنف لعقود قادمة.

كما يجب على الولايات المتحدة- وكل من حلفائها المسلمين وغير المسلمين- أن يركزوا على حقيقة أن العنف المتطرف يمكن احتواؤه وهزيمته بكل تفاصيله، إلا أنه  لا يمكن تحقيق نصر مستدام ما لم تعالَج أسباب التطرف، فضلاً عن محاربة الحركات المتطرفة. وفي الواقع، قد يكون من المؤكد أن القوى التي تقسّم العالم الإسلامي اليوم ستجعل من محاربة التطرف الإسلامي جزءاً من صراع طويل الأمد سيستمر وقتاً طويلاً عقب هزيمة تنظيم داعش في العراق وسوريا. وسيكون صراعاً ينطوي على التعامل مع حركات جديدة وتوترات أوسع نطاقاً بين السنة والشيعة وغيرها من الأقليات الطائفية.

وتحتاج الولايات المتحدة وأوروبا أيضاً إلى إيجاد حل للقوى التي تعادي المسلمين في بلدانهم وتدفع بأقلية صغيرة منهم باتجاه ممارسة العنف. وهذا لا يمكن تحقيقه عن طريق منع المسلمين من دخول أراضيها وإفساح المجال للتحيز والخوف بأن يهيمنا على السياسات الأمنية، بالإضافة إلى الخلط بين تاريخ الإسلام وتعاليمه الصحيحة والتطرف. فبهذا يتحقق هدف تلك الحركات المتطرفة التي تبرّر به لجوءها للعنف: وهو عزل المسلمين عن بقية العالم ودفع حكومات الدول الإسلامية باتجاه التطرف. ولا بد أن يتمثّل الحل في وضع طرق فحص وتدقيق أفضل والتعاون مع الحكومات في البلدان الإسلامية ومساعدتها في إجراءات التدقيق والإجراءات الأمنية، وحشد دعم المسلمين المعتدلين في الولايات المتحدة وأوروبا.

الشراكة، وليس التحيز، هو مفتاح الحل.

 

--------------------------

الرابط الأصلي للدراسة (اضغط هنا)

 

علِّق

المنشورات: 105
القراءات: 905183

مقالات المترجم