عدد القراءات: 8685

إضاءات من الجزيرة السورية .. إعمار الخابور

حاول العثمانيون منذ نهاية القرن السابع عشر تزامناً مع ما سُمي سنوات المصيبة ( 1683-1699)  إعمار منطقة الجزيرة الغنية بالروافد النهرية عبر زراعتها بالقمح، وذلك بعد أن تم تخريبها منذ عهد هولاكو، وأصبحت مراعي لقطعان مواشي القبائل السيّارة، حيث انتقلت قبائل الجزيرة بعد تدمير المغول والتتر لقنوات الري والسدود في الجزيرة من حياة الاستقرار إلى حالة نصف مستقرة، اعتمدت على نجعات موسمية قريبة في مراعي الجزيرة الفراتية التي كان يطلق عليها العثمانيون مصطلح " الچول" أي البرية، والتي باتت لاحقاً مقسمة ضمن أراضي ثلاثة دول نشأت على أنقاض الدولة العثمانية وهي: " تركيا، العراق، سورية".

لجأ العثمانیون إلى سياسة إسكان وتوطين العشائر عبر مصلحة خاصة تسمى مصلحة إسكان العشائر، وهي الدائرة التي قامت بإسكان آلاف عدة من بدو العشائر التركمانية والكردية الرحل في القسم الممتد من بالس (مسكنة)  حتى منبج وابي قلقل، مروراً بضفاف البليخ في الرقة، ومن تلك القبائل اتحاد قبائل المليين التي تم إسكانها في المنطقة الممتدة بين ديار بكر وماردين سنة 1701م، ثم تم نقلهم سنة 1711م إلى الرقة كنوع من الإجراء العقابي بعد شكاوي عدة تلقاها الباب العالي من سكان مناطق ديار بكر، ولهدف آخر يتعلق بجانب إعمار الرقة والوقوف ربما ضد تمدد القبائل البدوية في الجنوب، وكان اتحاد القبائل الملية مركب الهوية " كردي عربي" يضم عناصر تركمانية ايضاً، وكان بزعامة رجل كردي معروف من رجالات الدولة اسمه كلش "تيمور باشا الملي" ولعب أحد أحفاده "ابراهيم باشا" دوراً هاماً بوصفه أحد قادة القوات الحميدية في نهاية القرن التاسع عشر.

إلا أن برنامج إعمار الجزيرة آنذاك فشل فشلاً ذريعاً، خاصة في قسمه الذي لا يحتوي على بؤر حضارية عمرانية ( محافظة الحسكة الحالية)، و كنتُ قد ذكرتُ في مقال سابق بأن أولى الزراعات التي تم ذكرها في منطقة الجزيرة في قسمها السوري الحالي وعلى وجه الخصوص "محافظة الحسكة الحالية" كانت بعد سنة 1860م في منطقة رأس العين على يد الشيشان الذين عمروا انقاض البلدة وسكنوا في بيوت بنوها آنذاك، والحق يقال بأنه تبيّن لي خطأ تلك المعلومة.
فقد وثقّ البريطاني المستري هنري اوستن في سنة 1843 بأن الجبور قاموا قبل بضعة سنوات من ذلك أي بحدود (1835-1840) بزراعة مناطق في الخابور كتل الشميساني بالقمح، وذكر مؤنتهم من القمح، وطريقة طحنهم للحبوب، وصناعة الخبز.

الجبور كانوا قد تعلموا الزراعة بقرب الموصل بعد اضطروا للاستيطان بجوارها لفترة مؤقتة بعد كثرة أعدائهم، الذين احتلوا العديد من مناطقهم على طول الخابور بما فيها " البصيرة" كالعنزة، وعاد قسم منهم بزعامة محمد أمين إلى اراضيهم على الخابور وطالبوا باستعادتها، وهددوا باستخدام السلاح في سبيل ذلك، توسط آنذاك سرحان شيخ العقيدات لفض النزاع، لكن لم يصل مع محمد أمين لنتيجة. وتبعها بعض الاحداث التي يطول شرحها و البعيدة عن موضوعنا هذا.

بحدود عام 1880 قام العثمانيون بتوزيع اراضي في منطقة الخابور على قبائل مثل ( البقارة والجبور والشرابيين والمعامرة) مقابل سندات خاقانية عثمانية بسعر قرش واحد للسند فقط، وفرض ضريبة واحدة فقط عليهم، وهي ضريبة حاصل الارض (17% من المحصول)، وإعفاء ابناء القبائل التي تزرع الارض من الخدمة الالزامية في الجيش، كل ذلك كانت خطوات في بدء تشجيع الزراعة.

لم ترَ الزراعة النور إلا بعد عام 1933، وبدء دخول المكننة الزراعية ايام الفرنسيين، وإغلاق الحدود أمام تنقلات العشائر بين الدول التي بات لها حدود جديدة،  وصدرت سنة 1940 قوانين تمليك جديدة للاراضي والقرى للعديد من الزعامات العشائرية مقابل تعهدهم بحث قبائلهم على الزراعة، واتجهت القبائل بما فيها القبائل البدوية " كشمر وعنزة" إلى الاهتمام بالزراعة والاستقرار ولم  والتي لم تكن قبل ذلك مهتمة بها،  وكانت تسيطر عملياً على الجزيرة وتحظى بنفوذ وسيادة كبيرة فيها منذ القرن الثامن عشر، وبدأت أخيراً بالاهتمام بالاستحواذ على القرى والأراضي التي باتت تدر أرباحاً هامة لم تكن بالحسبان.

فترة الثلاثينات كانت ايضاً بداية نشوء القرى والبؤر العمرانية بشكل كبير، وقبلها كانت القرى محدودة في المنطقة ومنه ا(السفح، الصفيا، سكير العباس، البصيرة، مركدة، الحمدي، بياندور، القرمانية، عامودة) وبدأ ايضاً عصر نشوء وتطور المدن في الحدود السورية التي وضع حجر تأسيسها فعلياً بدءً من عام 1923م الذي بدء فيه استقبال موجات بشرية من المهاجرين من الحدود التركية إلى مناطق الجزيرة السورية التي باتت منذ ذلك الحين تحت إدارة سلطات الاحتلال الفرنسي، ومن تلك المدن ( الحسكة، القامشلي، قبور البيض،  ديريك، الدرباسية)، وكان الهدف منها إعمار الجزيرة وتشجيع التجارة فيها والحرف، وإضعاف المدن المقابلة على الحدود التركية اقتصادياً. وكانت بداية عصر نشوء ما عرف بمحافظة الجزيرة التي تم إعادة تسميتها سنة 1952م بأسم محافظة الحسكة، تماماً كما تم إعادة تسمية محافظة " الفرات"  دير الزور لاحقاً، والتي كانت قضاء عام 1870 ثم اصبحت متصرفية ممتازة سنة 1888م.
 

التعليقات

إضاءة ممتازة شكرأ للاخ مهند الكاطع على البحث القيم

علِّق