عدد القراءات: 10886

إشكالية العلاقة بين الدين والدولة

"لن يكون لحكومتنا أي معنى مالم تتأسس على الالتزام بقيم دينية عميقة. ولكنني لاأهتم بمصدرها أياً كان". الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور.
"لو أننا نسينا للحظة أننا أمة واحدة في رعاية الله وفي ظله، فإننا سنكون عندها أمة واحدة في طريقها للانهيار". الرئيس الأمريكي رونالد ريغان.

من الأرجح أن محاولة حل (إشكالية) العلاقة بين الدين والدولة في سلسلة مقالات، بالطريقة التقليدية، ستكون محاولةً عبثية لن تُفيد القاريء في شيء. والمؤكدُ أنها لن تخدم فلسفة هذا الموقع الذي يحاول أن يكون (عملياً) في كل طروحاته، حرصاً على المساهمة في خلق ثقافةٍ جديدة لدى السوريين، تبني باستمرار جسور التواصل بين الفكرة والواقع وبين النظرية والتطبيق.
لاتَملك سوريا التي نبحثُ عنها، ونعمل سوياً لإيجادها، ولايملك السويون حتماً، ترفَ الغرق في بحوث نظرية مطولة، لاتتولد عنها رؤيةٌ عمليةٌ تخدم واقعهم وتجيب على أسئلتهم وتستجيب لأولوياتهم، على طريق إصلاح الحاضر وبناء المستقبل.
ثمة تراكمٌ معرفيٌ لايكاد ينتهي من البحوث والكتب والمقالات والدراسات التي كُتبت عن موضوع الدين والدولة، باللغة العربية فقط، وعلى مدى أكثر من قرن.
كتبَ في الموضوع بشكلٍ مباشر وغير مباشر إسلاميون وقوميون ويساريون ويمينيون وليبراليون وعلمانيون، ويمكن التأكيد أن في هؤلاء من ينتمي إلى كل بلدٍ عربي، وربما مسلم.
بدأ الأمر مع مفكري (النهضة) الأوائل، من الطهطاوي والكواكبي والأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وشكيب أرسلان وسلامة موسى، واستمر مروراً بعلي عبد الرازق وساطع الحصري وطه حسين وزكي نجيب محمود وميشيل عفلق ومالك بن نبي، وصولاً إلى الجابري والعروي وحسن حنفي وبرهان غليون وسمير أمين ونصر حامد أبو زيد، وغيرهم عشرات لايمكن ذكر أسمائهم في هذا المقام بالتفصيل.
لكن من الممكن القول، دون كبير مجازفة، أن كل هذا العطاء لم يُنتج حتى الآن مُقاربةً عمليةً يمكن لها أن تُفكك إشكاليات التداخل المعرفي والواقعي بين المفهومين.
لانريد هنا الانتقاص من تلك الجهود الفكرية وإلغاء مايمكن من تأثيرها الإيجابي، فهذا أمرٌ خاطيءٌ منهجياً ومُعيبٌ أخلاقياً. ومن المؤكد أن عطاء هؤلاء أسهم أيجابياً في إثراء الثقافة العربية في كثيرٍ من المجالات.
لكن هذا لايتناقض مع الإقرار بحقيقة أن العطاء المذكور، وبالتحديد في موضوع العلاقة بين الدين والدولة، لم يُفرز (تراكماً) معرفياً بالمعنى الإيجابي الذي تَنتجُ فيه عن المعرفة رؤيةٌ تُرشدُ الواقع، أو تؤثر فيه على الأقل.
فالنظر إلى واقع المجتمعات والدول العربية، وسوريا في القلب منها، لايجد كبير أثرٍ عملي لتلك الجهود، اللهم إلا بتجليين مَيزا الواقع المذكور على مدى العقود الماضية.
يتمثل الأول في شيوع الاستقطاب، وبمفهوم الثنائيات المتناقضة. بمعنى وجود دولةٌ تُحارب الدين بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بدعوى المعاصرة التي تقتضي الفصل بين الدين والدولة، أو وجود جماعات بشرية تظل حالمةً بعودة الدولة الإسلامية، أو يتصدى بعض شرائحها لإقامتها.
أما الثاني فيتمثل بوجود دولٍ أساسُ آليات الحكم فيها تلفيقٌ مشوﱠهٌ قائم على الجمع الانتقائي بين بعض دلالات ومقتضيات المفهومين.
وبالتأكيد. لاتوجد تجربةٌ عربية، ولاسورية تحديداً، يمكن القول أنها تقوم على تفكيك إشكاليات العلاقة بين المفهومين، وإعادة تركيب رؤيةٍ جديدة لتلك العلاقة، لاتتنكر للتجربة البشرية، ولاتقع أسيرة الاستلاب الأيديولوجي، وتلبي حاجات وخصوصيات وأولويات المجتمعات العربية.
ندرك أن ثمة مساراً للتطور التاريخي للمجتمعات يتشكلُ عفوياً بالتفاعل الطبيعي بين النظرية والواقع. ونُقر بحتمية استمرار هذا المسار فيما يتعلق بفعاليات الحياة الإنسانية، ومنها موضوع البحث في هذا المقال. وهو أمرٌ يركز عليه مفكرون معاصرون مشغولون بالهم السوري.
لكننا، بكل صراحةٍ وشفافية، مُستعجلون! ونحن في هذا الموقع مهمومون جداً بالواقع، والواقع السوري الراهن تحديداً.
مُستعجلون، لابالمعنى التقليدي الذي يقعُ في وَهم إمكانية معالجة مثل هذه القضايا المفصلية باختزالٍ وسطحية وسرعة، وإنما بمعنى إدخال عنصر (الإرادة) البشرية، بشكلٍ فاعلٍ ومقصودٍ ومدروس وكثيف، في تفعيل وتحفيز صيرورة التاريخ في هذا المجال.
من هنا. ومع إيماننا بأولوية الفكرة، وبمقولة أن (العِلمَ إمامُ العمل والعملُ تابعٌ له)، وبأهمية (التنظير) الجاد في صناعة الواقع.
إلا أننا نحاول أن نكون (عمليين) قدر الإمكان. وهذا يُحيلنا إلى فتح هذا الملف، على الأقل، للتفكير بطرق جديدة (من خارج الصندوق) كما يقولون.
كمثالٍ واحد فقط على ضرورة التفكير بشكلٍ مُغاير، وبطريقةٍ تقارن بين المقولات النظرية من ناحية والتجربة العملية للبشرية فيما يتعلق بهذا الموضوع، نتساءل: هل يُثبت الواقع دائماً حقيقة الفصل بين الدين والدولة في التجربة الغربية في الماضي والحاضر؟ وهل تُثبت وقائعُ التاريخ الارتباط الدائم بين الدين والدولة في التجربة الإسلامية؟
ثمة مُعطيات جديدة ومختلفة نحسبُ أنها ستَظهر من البحث عن إجاباتٍ لهذين السؤالين. وهدفُ النقولات الواردة عن الرؤساء الأمريكيين في بداية المقال يتمثل بإرسال إشارات ذات دلالة في هذا المجال.
لن يكون كثيرٌ مما نطرحهُ جديداً على مستوى المُعطيات والأفكار المُكوﱢنة، في طريق محاولتنا لطرح رؤية جديدة. بل سنستفيد، قطعاً، مما يحتويه العطاء المذكور أعلاه. لكننا سنركز على توظيف مضامينه بشكلٍ (فعال) ومختلف، آخذين بالاعتبار، تحديداً، خصوصية الواقع السوري الراهن، وتجربة السنوات الماضية، وصورة سوريا المستقبل التي تتبلور بشكلٍ مضطرد في عقل (السوري الجديد).
أخيراً، من قبيل المبالغة الادعاءُ بأننا سنقدم جواباً شافياً كافياً للأسئلة المعقدة التي تحيط بموضوع العلاقة بين الدين والدولة، لكننا سنستفرغ الوسع بكل جدية لتقديم إضاءاتٍ مختلفة. وقد يكون هذا وقتَ توجيه الدعوة لكل المهتمين، جدياً وموضوعياً، بهذا المبحث، للمساهمة فيه بشكلٍ كثيف.
فهذا جزءٌ لايتجزأ من طريقة عمل هذا الموقع الذي يؤمن إلى حد (الهاجس) بآلية المشاركة في صناعة الأفكار والواقع، خاصةً فيما يتعلق بحاضر سوريا ومستقبلها، في كل مجال.
 

علِّق