عدد القراءات: 1851

إشكالية "التدين المُسترخي" في الواقع العملي للمسلمين

 

دخل صديقٌ مسجداً للصلاة فيه بعد أن رَكَنَ سيارته في موقعٍ مناسب، ثم خرج ليجد سيارةً أخرى تسدُّ عليه طريق المغادرة. بعد فترة انتظار، خرج صاحبُها من المسجد فأقبل الصديق عليه يحاول تنبيهه إلى خطأ ماحصل، ولم يكن من الرجل إلا أن رد عليه قائلاً: (إيش وراك يا أخي؟)!

وفي نفس اليوم، دُعيَ شخصٌ أعرفه مع عائلته إلى لقاءٍ اجتماعي / ثقافي من قِبَلِ جماعةٍ من المتدينين عند الساعة الخامسة عصراً في استراحةٍ مخصصة لمثل تلك المناسبات. قبل الموعد بساعات قليلة طُلِبَ من الرجل أن يتأخر في الذهاب إلى مابعد المغرب. عدّل الرجل جدولهُ، رغم أنه على سفر، ووصلَ مع عائلته في السابعة إلى المكان فلم يجد سوى صاحب المكان وعُمّاله.

 

عند الثامنة والنصف وصلَ المُضيفون، ومعهم وصلت قلةٌ من المدعوين الآخرين. بعد نصف ساعة، طلب أحد المضيفين الكرام، وهو متدينٌ ملتزم، من سائقه الذهاب إلى مدينةٍ أخرى قريبة لإحضار ضيفٍ، يبدو أنه مهم، واتضح بعدها أنه (شيخٌ) سيكون المتحدث الرئيس في القاء. كان الشيخ يعلم بالمناسبة وبأنه سيكون ضيفها الرئيس، لكنه (افترض) أن من الطبيعي ألا يأتي بنفسه.. وأن أحداً سيأتي لمنزله لاصطحابه، غير أن المُضيف لم يعلم بهذا الافتراض إلا بعد وجودنا جميعاً هناك وتأخر ظهور الشيخ، ويبدو أنه كان يجب أن يعلم بهذه القاعدة مُسبقاً.

كانت الرحلة تستغرق على الأقل ساعتين من الزمان! عندها، أدرك صاحبنا، متأخراً طبعاً، أن عبارة "بعد المغرب" التي قيلت له حمّالةُ أَوجُهْ. وأنها كانت في تلك الحالة تُشيرُ إلى هامشٍ من الزمان طويل، يمتد على الأقل من بعد غروب الشمس إلى منتصف الليل، فاعتذر وغادر مع عائلته متأملاً في هذا الدرس الثقافي / الاجتماعي المعبّر.

 

في نفس يوم الأحداث الطويل هذا، وَجَدَتْ قريبتي الصغيرة نفسَها، وهي ذات الخمسة عشر ربيعاً، تحضر مع والدتها، في مناسبةٍ اجتماعية، جلسةً نسائيةً تحضرها (متدينات) فاضلات. امتدّ اللقاء نحو ساعتين، خرجت بعدها الصبية مصدومةً من مواضيع الأحاديث، ومن جوانب الاهتمامات، ومن أنواع القضايا التي أُثيرت فيها. خاصةً وأنها كانت تتوقع أن ترى وتسمع، وهي التي عاشت أغلب عمرها في الغرب، شيئاً آخر يليق بمن يعيش على بُعدِ ساعةٍ من مهدِ رسالة الوعي والفكر والحضارة..

تُعبّرُ هذه القصص الثلاثة، الواقعية، التي حدثت في يومٍ واحد عن أزمةٍ يجب التفكير فيها بصدقٍ وجدّيةٍ وتجرّد، بعيداً عن الحساسيات والعواطف. وتلك هي أزمة مفهوم التدين، وكيف يمكن لثقافة الاسترخاء أن تلعب دوراً سلبياً في تشويهه. وأن تصحيح ذلك المفهوم بات ضرورياً ويجب أن يكون مجال حوارٍ وبحثٍ دائمين.

فما يحصل اليوم يتمثل في حَصْرَ ذلك المفهوم في إقامة الشعائر التعبدية من جهة، وفي منظومةٍ من المظاهر الشخصية الخارجية من جهةٍ أخرى، وفي نمطٍ معينٍ من العبارات والألفاظ والمصطلحات من جهةٍ ثالثة. وهذا حصارٌ أصبح خانقاً، ويكاد يلغي أي أملٍ في تطوير المجتمعات العربية والإسلامية. فضلاً عن أنه يسلّط باستمرار أشعةً ظالمةً من الحرمان على الكمون الثوري التحريري، والإبداعي الجمالي، الموجود في الإسلام، كمنظومةٍ حضارية تُطلق الكمون البشري الواسع، وتدفعهُ في كل اتجاهٍ من مجالات الحياة، مع حرصها على توجيهه نحو كل مايحقق قِيَمَ ومعاني الحق والعدل والخير والحرية والجمال في كل زمانٍ ومكان.

 

من هنا تأتي خطورة حصر مفهوم التدين في العبادات والمظاهر والألفاظ، والغفلةُ عن وجود مسائل أخرى كثيرةً وحساسة يجب أن تندرج في ذلك المفهوم. مثل احترام الوقت، والالتزام بالنظام العام، والدقة في الموعد، والاهتمام بمعالي الأمور، والإعراض عن سفاسفها، والعدل مع الضعيف قبل القوي، وتجنب الإسراف، والتعامل مع الأحداث والأشخاص بناءً على الجوهر وليس بناءً على المظهر، وغيرها من القضايا.. فهذه كلها، مع غيرها، تدخل بقوةٍ تحت مظلة التدين، عند من يفهم الدين إعماراً للأرض، ونفعاً للناس، وبناءً للحضارة.

من هنا أيضاً، تظهر حساسية ثقافة (الاسترخاء)، خاصة لدى كثيرٍ من الذين يرون أنفسهم على أنهم إسلاميون أو ملتزمون أو متدينون. وذلك عندما تلعب تلك الثقافة دوراً أساسياً في تشويه مفهوم التدين عندهم على الصعيد الواقعي، رغم كل النيّات الطيبة، وكل العواطف النبيلة، وكل الشعارات الجميلة، بل ورغم كثيرٍ من الآراء النظرية التي يحملها أكثرُهُم عن شمول معنى التدين. ومشكلة المشاكل تتمثل، عند كثيرٍ منهم، في تلك المفارقة التي لا ينتبهون إليها، بين صدق نيّاتهم وعواطفهم من جهة، وبين واقعهم الاجتماعي والثقافي المهترىء إلى درجةٍ كبيرة.

ففي ثقافة الاسترخاء، لايوجد ثمةُ انتباه لقيمة الوقت في الحياة، وما يجب أن يحصل الآن يُمكن، لدى أهل تلك الثقافة، تأجيلهُ وتأخيرهُ، ولو كان مرتبطاً بموعدٍ معين أو بقضيةٍ محدّدة، والتأجيل والتأخير يحصلان لأي سببٍ أو عذر، مهما كان سطحياً وواهياً وسخيفاً. من هنا، تختفي إلى درجةٍ كبيرة في أوساط هذه الثقافة مسألة احترام الوقت، وخاصةً وقت الآخرين. ويصبح الحديث في دقة المواعيد وضبط أوقات اللقاءات والاجتماعات، حديثاً في المثاليات لايمكن حتى التطرّقُ إليه. ويزداد الأمر سوءاً حين تصبح طبيعة اللقاءات اجتماعيةً أو عائليةً، ففي مثل هذه الأحوال، تُصبح إمكانية الضبط والدقة في مسألة الوقت قريبةً من الاستحالة، بسبب (المونة العائلية)، ويُصبح هامش الاحتمالات والانتظار والتأخير واسعاً إلى ما لانهاية.

وفي ثقافة الاسترخاء يختلط احترام (الجوهر) وتقديره باحترام (المظهر) وتقديره، سواء كان ذلك يتعلق بالأشخاص أو بالأشياء أو حتى بالأفكار، إلى درجةٍ يضيع معها التوازن، خاصةً عندما يكون هناك ظرفٌ يتصادم فيه الأمران، ويجب فيه الاختيار بينهما بشكلٍ أو بآخر.

وفي ثقافة الاسترخاء، يصبح سهلاً الحديثُ بحرارةٍ وحماس عن أزمات (الأمة) ومشاكلها الكبيرة والمعقدة. مقابل هذا، تشيع الغفلة عن أزمات ثقافية وفكرية واجتماعية وتربوية تتفاعل بقسوة داخل الدوائر المباشرة التي تُحيط بالإنسان، من العائلة إلى العمل إلى دوائر الأصدقاء والمعارف والمجتمع القريب.

وفي ثقافة الاسترخاء، يصبح ممكناً تبريرُ أي تصرّف أو عمل، مهما كان مؤذياً للآخرين، أو فيه ضررٌ للناس أفراداً أو جماعات. خاصةً إذا كان الداعي له، مثلاً، عبادةً فرديةً معينة، ولو كانت أحياناً سنةً أو نافلةً أو تطوعاً!

وفي ثقافة الاسترخاء، يمكن للإنسان أن يدفع مبلغاً كبيراً على وجه الصّدَقَة في الصباح، ثم يُقصّر في المساء في دفع أجرة أجيره المسكين، أو يحاسبه بالقرش والملّيم، دون أن يشعر بأي درجةٍ من التناقض بين الممارستين.

وفي ثقافة الاسترخاء، يمكن للرجل، وللمرأة، الحديث بصدقٍ وأَلَم عن معاناة إخوتهما في الدين والإنسانية في أقاصي الأرض، ثم يتعامل، وتتعامل، بعد لحظة مع خادمه(ها)، بشكلٍ أبعد مايكون عن الإنسانية فضلاً عن تعاليم الدين. ويمكن للمرأة أن تسمع درساً، وأحياناً تُعطيه، عن تحرير الإسلام للإنسان بشكل عام وللمرأة بشكل خاص، ثم تتصرف مع خادمتها، بل وابنتها، في نفس اليوم بشكلٍ لا يقيم أي اعتبار للكرامة الإنسانية.

وفي ثقافة الاسترخاء، يمكن للإنسان أن يتحدّث بأسى عن حرمان المسلمين ومعاناتهم ومآسيهم في أصقاع الأرض، أو على بعد أميال، ويعيش في الوقت نفسه حياةً يشكّل البذخ والإسراف جزءاً أساسياً من ملامحها على أكثر من صعيد.

وباختصار، يشعر الإنسان (الملتزم / المتدين) الذي نتحدث عنه، والذي ينتمي إلى ثقافة الاسترخاء، رجلاً كان أو امرأةً، وفي أي بقعةٍ من العالم، بنوعٍ من الرضى الداخلي، وبدرجةٍ من القناعة الذاتية، بأنه يؤدي دوره ويقوم بواجبه على الوجه الأكمل، بناءً على التزامه ببعض المظاهر المحدّدة، وقيامه ببعض الأفعال والشعائر المعيّنة، وترديده لبعض الأفكار والمقولات والألفاظ.

 

يحصل كل هذا بشكلٍ آليٍ بحت، بعيداً عن وجود التحفّز النفسي والعقلي المستمر الذي يدفع الإنسان للتفكير في كل موقفٍ وكل قرارٍ وكل تصرّف، تجاه كل حَدَثٍ وتجاه كل إنسان، صغيراً كان أو كبيراً، وبعيداً كان أو قريباً. وذلك بغرض قياس ذلك الموقف أو القرار أو التصرف، ورؤية ما إذا كان القيام به أو الامتناع عنه، سيزيد على هذه الأرض جرعة حقٍ أوعدلٍ أو حرية، وما إذا كان سيُضفي عليها لَمحَةَ خيرٍ أو جمال. وهذه بمجملها عمليةُ خداعٍ كبيرة للذات باسم التدين والالتزام، فضلاً عن تأثيراتها السلبية الشاملة على مجتمعات المسلمين، مما يسبب تخلفها وكثيراً من مشكلاتها.

الأدهى من هذا، أن يتم القفزُ فوق هذه الحقائق الديهية عند البحث عن أسباب ذلك التخلف وهذه المشكلات، ويشيع اتهامُ الآخر بكونه حصراً وراءها، فمن الاستعمار إلى العولمة والتغريب، مروراً بمخططات أجهزة الأمن والاستخبارات العالمية، التي لايبدو لدى هذه الثقافة ثمة همٌ آخرُ لها في هذا العالم المليء بالصراعات والتناقضات، تبقى أسبابُ مشكلاتنا دائماً في (الخارج). منه تأتي وعليه يقع اللوم وإليه تُشار أصابع الاتهام.

 

لكل هذا، يصبح مطلوباً إشاعة الحوار عن ثقافة (الاسترخاء)، وماينتج عنها من فهمٍ ميكانيكي للتدين وتطبيق آليٍ للدين، في مقابل ثقافة (التحفّز) النفسي والعقلي، وما يترتّبُ عليها من فهمٍ شموليٍ للتدين، يُحوّل صاحبه إلى إنسانٍ مُنتبهٍ يقظٍ حسّاس، يُدرك أن محور التدين يتمثل في كَونِهِ رحمةً للعالمين، في كل موقعٍ وكل زمان.

ويبقى السؤال :

هل تنحصر مثل تلك الممارسات السلبية التي أشرنا إليها في دوائرِ من يُسمَّونَ إسلاميين أو ملتزمين أو متدينين؟ والإجابة طبعاً هي (لا) كبيرة يعرف حقيقتها كل من يعايش ثقافة العرب والمسلمين بشكلٍ عام. لكن تسليط الضوء على هذه الدوائر يأتي من حجم المسؤولية الإضافية، الملقاة دوماً على عاتق من يدّعي وصلاً بالتدين. سيّما عندما نقارن هؤلاء بنماذج أخرى من البشر، تعيش ثقافة (التحفّز)، وبالتالي ثقافة الإعمار والعدل والدقة والتنظيم، بهدوءٍ وبَسَاطةٍ وتواضع، بعيداً عن الشعارات، وفي معزلٍ عن افتعال مظاهرَ وأشكال معيّنة، يحسبُ البعض أنها في ذاتها دليل الالتزام، وعلامة الانتماء، والمدخل الوحيد لما فيه خير الناس والبلاد.

 

التعليقات

شكرًا دكتور وائل على المقال الموضوعي القيم ... الإسلام دين الأخلاق والمعاملة "رأيت الاسلام ولَم ارى المسلمين"

علِّق