إسلام الروايات وإسلام القُرءان... ردَّاً على مقال إياد شربجي (كيف يتحول المسلم إلى إرهابي)

 

كيف يتحوَّلُ المُسلِم إلى إرهابي..؟!

 

بهذا السؤال الجريء عنونَ الأخ إياد شربجي رئيس تحرير موقع السُّوري الجديد مقاله الأخير على خلفية الأعمال الإرهابية الأخيرة في العاصمة البلجيكية بروكسل.
مقالٌ كنت على وشك القول بأنَّهُ جاءَ في الوقت المناسب، لكن الأصح أن نقول بأنَّهُ جاء أخيراً وبعد طول انتظار، بل وإنَّنا تأخَّرنا عقوداً وربما قروناً قبل أن تتفاقم المشكلة وتتحوَّلَ إلى كارثةٍ حقيقية لتدفعنا الظروف دفعاً لأن نتخلى عن خوفنا ونكُفَّ عن خداع أنفسنا ، ولأن نوصِّفَ الواقع تماماً كما هو بعيداً عن التكاذب والمراوغة والتزييف والإنكار الشبيه بإنكار أي مريض نفسي لحقيقة مرضه ورفضه الاعتراف بأنَّهُ عليل وبحاجة للعلاج الفوري والسَّريع..

 

لقد سكتنا وأُسكِتنا طويلاً تحت حُجَجٍ وذرائع مثل ضرورة التستُّر على عيوبنا خوفاً من المتصيدين في الماء العكر، وخوفاً من إتاحة المجال للآخرين لتوجيه سهام نقدهم للإسلام، وهي العقلية المتخلِّفة ذاتها التي ترغم الفتاة المغتصبة على الصمت والتستُّر على المجرم خوفاً على سمعتها من أن تلوكها ألسنة الناس ويأكل لحمها المجتمع! فإذا فعلت كل فتاة ذلك ازدادت وانتشرت وتفشَّت جرائم الاغتصاب وتحوَّلت من ظاهرة إجرامية فردية نادرة الحدوث إلى حالة عامّة وشائعة. هكذا تماماً هي نتيجةُ صمتنا عن التشويه الذي تعرَّض له إسلامنا

لقد شخَّص إياد شربجي المشكلة بدقّة عندما أشارَ إلى اشتراك "المُسلِم الإرهابي" و"المُسلِم المعتدل" بنفس النصوص والفقه والتفاسير والمصادر الأفهام الدينية، وأنَّ "المُسلِم الداعشي" –إن صحَّ التعبير تجاوزاً- هو أكثر انسجاماً مع نفسه ومعتقداته والنصوص التي بين يديه والتعاليم الدينية التي تلقَّاها منذ نعومة أظفاره في البيت والمدرسة والمسجد من "المُسلِم المعتدل" الذي كُلَّما حصل تفجير أو عملية إرهابية سارع إلى القول: هذا العمل لا يمثل الإسلام والمسلمين، لكنه أول من يستشرس في الدفاع عن المرويات والنصوص والتفاسير والفتاوى التي تُشرعِن ذلك الإرهاب وتبرِّره وتُخلِّقهُ ايديولوجيَّاً

 

إذاً: لماذا نرد على مقال الأستاذ إياد إذا كنا متفقين معه من حيث المبدأ..؟!

أولاً: لأنَّه في الوقت الذي سلَّط فيه شربجي الضوء على المشكلة في عمومها، فإنَّنا نضع تلك المشكلة تحت عدسة المجهر للغوص أكثر في تفاصيلها وجزئياتها ومسبِّبات نشوئها بسبب تعمُّقنا في هذا الحقل تحديداً وخوضنا طويلاً في هذا المضمار

ثانياً: لأنَّ مقاله فرصةٌ مُهمَّة جدَّاً لتقديم حلول فقهية بديلة، وقراءة دينية تنويرية نهضوية معاصرة، خاصَّةً وأنَّ الأستاذ إيَّاد قد نوَّه بأمانةٍ علمية –مشكوراً- إلى جهود الباحثين والمفكرين الإسلاميين المعاصرين مثل الدكتور محمَّد شحرور والدكتور عدنان ابراهيم والدكتور إسلام البحيري، وإلى تعرُّضهم للإرهاب والاستبداد الفكري والرفض والتكفير والمقاطعة من قِبَل غالبية الناس في مجتمعاتهم العربية والمسلمة ، والمؤسسات الدينية وفي مقدمتها الأزهر، وصولاً إلى الاستعانة بالسلطة وأدوات الإكراه القانونية كما في حالة الدكتور إسلام البحيري والحكم عليه بالسجن بتهمة ازدراء الأديان.

ثالثاً: لنقوم بمناقشة بعض الأمثلة التي أوردها الأستاذ إيَّاد في مقاله من أحكام إسلامية منافية للإنسانية أو المنطق أو العلم أو المعاصرة، وعقد المقارنة بين تلك الأحكام وبين النتائج التي خرجنا بها كباحثين معاصرين في القُرءان الكريم من دراسة النصوص نفسها، لتكتمل الصورة في عيون القارئ ويطَّلع على الفوارق بين الإسلام التنويري النقي والصَّرف، إسلام الفطرة، من جهة، والإسلام السَّلفي الكهنوتي السائد في المجتمعات العربية والمسلمة، ويكون له بعد ذلك حرية التصديق والاختيار بعد أن نضع ما لدينا من معطيات بين يديه ليعرضها على عقله ويستفتي قلبه

 

أسباب المشكلة

1)    طغيان إسلام المرويات الظنية على إسلام القُرءان: صحيحٌ أنَّ الأستاذ إياد لم يستشهد في مقاله بأية أحاديث منسوبة للنبي الكريم إنما اقتصر في استشهاده على آياتٍ صريحة من القُرءان، لكن تفاسير تلك الآيات وأوجه فهمها وتطبيقها معظمها تعود إلى أحاديث آحاد وروايات (ظنِّيَّة) منسوبة للنبي، ويكفي أن نبحث عن تفسير أية آية في أيٍّ من كتب التفسير المعروفة لنجد أن العشرين سطر الأولى هي عبارة عن قال فلان عن فلان عن فلان عن فلان عن فلان.

إنَّ محاولة أعداء الإسلام لاختراقه وتحريفه وتشويهه هي محاولات قديمة قِدَم الإسلام نفسه، وإنَّ تسرُّب الاسرائيليات إلى الثقافة الإسلامية ليس بِسِرٍّ خفيٍّ على أحد اليوم، وإنَّ استخدام اسم النبي الكريم وتأليف الأحاديث على لسانه لتبرير سلوكيات معينة، سواءً كانت على صعيد حياة الأفراد في تعاملاتهم وخلافاتهم ونزاعاتهم وتجارتهم أو المجتمعات أو الصراعات السياسية هو أمر حدث كثيراً وخاصةً في العصرين الأموي والعباسي، بحيث كانت عبارة "قال رسول الله" في كثيرٍ من الأحيان شبيهةً بالعبارات التي تستخدمها الصحافة الصفراء والأجهزة الإعلامية الغير مهنية في زمننا هذا مثل "قال شاهدٌ عيَّان" أو "صرَّحَ مصدرٌ خاص"

طبعاً لقد قام الكثير من الأئمة وفي مقدمتهم الإمام البخاري والإمام مُسلِم في "صحيحيهما" والنسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجه كُلُّ في سُنَنه بتصحيح الأحاديث المنسوبة للنبي وتضعيفها وانتقى كُلُّ منهم بضعة آلاف حديث من عشرات ومئات الألوف، ووضعوا شروطاً صارمة اتفقوا في بعضها واختلفوا في بعضها الآخر، وهذا أمرٌ معروف لكل مسلم مُطَّلع بالحد الأدنى، لكن مجهوداتهم رغم كل شيء تبقى مجهوداتٍ بشريّة في الأرشفة والتمحيص والمقارنة والتدقيق، وما زالت كتب "الصحاح" رغم كل تلك المحاولات تحتوي على أحاديث تناقض القُرءان والدين والأخلاق والعلم والمنطق والفطرة النقية، ولنفترض أن تلك المحاولات نجحت بنسبة 99% في مقاربة الحقيقة والتمييز بين ما قيل على لسان النبي وما نُسِبَ إليه زوراً وبهتاناً،  دعني هنا أطرح مثالاً تقريبياً عزيزي القارئ:

إذا أعطيتك شراباً وقلت لك أن هناك احتمال 0,01% أن يكون مسموماً فأنت بالتأكيد لن تحتسيه، لأنك لا يمكن أن تعلِّق قضية مصيرية مثل حياتك بأمر احتمالي ظني حتى لو كان هذا الاحتمال كاسحاً. يبقى الظن ظناً ولا يأخذ صفة اليقين مهما ازدادت احتمالية صوابيته وبالتالي لا يُعلَّق عليه ما يُعلَّق على اليقين من قضايا مصيرية مثل حياة الإنسان... 
والدين هوية لصاحبه ونظام حياة ومنظومة فكرية واعتقادية متكاملة عند الإنسان، وهو قضيةٌ مصيرية لأنه يؤثر بشكل مباشر في سلوك الفرد وتعاطيه مع المجتمع وفي تكوين شخصية الفرد والمجتمع على حدٍ سواء، فلا يمكن أن نأخذ ديننا من رواياتٍ ظنية ولا أن نأخذ أحكام الدين من أحاديثِ آحاد وصلت عبر أقنية وتم تدوينها في ظروف ومعالجتها ودراستها وتصييرها علماً على أساسات ظنية
عموماً سوف نعرض لاحقاً في فقرة المقارنة مثالاً مهماً جداً حول حد الردّة في الإسلام، وكيف أنَّنا سوف نصل إلى نتيجتين مختلفتين تماماً ومتناقضتين عندما ندرس القضية من منظار قُرءاني من جهة، ومن منظار الفقه الحديثي السائد من جهة أخرى

 

2)    الخلط بين ما هو دين وما هو تاريخ أو تراث: إنَّ إضفاء صفة القدسية وهالة النورانية حول المجتمع الإسلامي الأول وكل ما يمت له بصلة قد أدى إلى حدوث خلط كبير بين ما هو دين، وبين ما هو عادات أو تقاليد مرتبطة بسياق تاريخي معين أو ظرف سياسي محدد...

فـ " حروب الردّة " و" الفتوحات الإسلامية " هي موضوعات لا يمكن مقاربتها إلَّا على أنها محورٌ تاريخي، ولا يؤخذُ منها دينٌ ولا تشريع لمجرَّدِ أنَّ من قام بها هم شخصيات عاصرت النبي، فالإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان، يصيب ويخطئ، وهناك بحسب القُرءان نفسه من صحابة النّبي منافقون مخادعون هو نفسه لا يعرف بأمرهم، وإنَّها لمفارقةٌ غريبة وعجيبة أن ينتقد المسلمون تأليه المسيحيين للسيد المسيح، ومن ثم يؤلهون من حيث يدرون أو لا يدرون ليس فقط النبي نفسه الذي يقول القُرءان على لسانه: إنَّما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إلي، بل يسحبون هذا التأليه على كل ما يمت للمجتمع الإسلامي الأول بصلة، من شخصيات وأحداث وأحكام ومواقف وقرارات إلخ...
ويشتمل هذا المحور على معظم ما يتعلَّق باللباس في الإسلام، سواءً للرجل أو المرأة، أو تقليد النبي في مأكله ومشربه وجلوسه، أو حفّ الشَّارب وإطلاق اللحية على أنَّ ذلك "سُنَّةَ"، والكثير من العادات الاجتماعية الأخرى المُتَّبعة في المجتمعات الإسلامية على أنَّها دين، وهي في الواقع أحكام نتجت عن الخلط بين ما هو دين وبين ما هو تراث أو عادات وتقاليد كانت سائدة على زمن النبي الكريم

 

3)    الانتقائية في التعامل مع آيات القُرءان: فتحتَ شعار " الناسخ والمنسوخ " يتم استبعاد معظم آيات الرحمة والتَّسامح والإنسانية على اعتبار أنَّها آيات منسوخة بآيات أُخرى قضت عليها وعَطَّلتَ حُكمها فلم يبقَ من تلك الآيات إلَّا نصَّها الذي يُتلَى تلاوةً تعبُّدية مع إيقاف وتعطيل العمل بها والاحتكام إليها، والأخطر من ذلك هو القول بأنَّ هناك آيات في القُرءان نسختها " السُنّة " وأبطلت مفعولها

عموماً إنَّهُ من المنطقي أنه لم يكن هناك سوى هذه الطريقة التي أمكن لتجَّار وصُنَّاع الحروب عبر التاريخ الالتفاف من خلالها على الكثير من الآيات المحكمة والواضحة والصريحة في القُرءان مثل " لا إكراه في الدين " و " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " و " قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنَّ الله لا يُحب المعتدين " لأنه من المستحيل الالتفاف على معاني هذه الآيات أو تحريفها أو العبث بها أو تأويلها بما يعاكس معناها، فتمَّ اختلاق نظرية النَّاسخ والمنسوخ واستحضارها في كل مناسبة يظهر فيها ما يبدو على أنَّهُ تناقض بين آيتين قُرءانيتين، رغم أنَّ التناقض يكون واقعاً في عقل القارئ فقط وليس في القُرءان ذاته، نتيجة إساءته لفهم إحدى الآيتين، أو لكون كُل آية تتعلق بسياق مختلف خاص بها، أو لكون الآيتين يجب أن تدرسا معاً بحيث يكمل معنى إحداهما الأخرى وهو ما سوف نتطرق إليه لاحقاً بالتفصيل

وأعتقد أن الكثير من المسلمين سوف يصابون بالصدمة والذهول عندما يعلمون أن التطاول على كتاب الله قد بلغ أنَّ يعتقد معظم جمهور فقهاء المسلمين بأنَّ هناك آياتٍ من القُرءان نُسِخَ لفظها ورُفِع إلى السماء بينما بقي حكمها سارياً (أي على عكس الحالة السابقة)، فمثلاً سورة الأحزاب حسب زعمهم كانت أطول من سورة البقرة لولا أنها كانت مكتوبة في صحف بقيت تحت سرير السيدة عائشة أثناء جنازة النبي الكريم فدخل الداجن وأكلها –وفي روايةٍ أخرى الماعز- وكان فيها آية رضاع الكبير وآية الرجم! وأعتقد أن القارئ سوف يصاب بالصدمة والذهول أكثر فأكثر إذا ما علم أنَّ حد الرجم للزاني الذي يصادق عليه معظم فقهاء المسلمين مُستقى من هذه الرواية على أساس أنه من آية محذوفة نصها كالتالي ( والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة )

 

4)    تعطيل حنيفيّة الدين: إنَّها لمفارقةٌ مُلفتة جداً للنظر ألَّا يردَ في القُرءان كله أمرٌ صريح باتِّباع سُنّة النَّبي مُحمَّد بينما يأمر القُرءان نفسه في عدة مناسبات باتِّباع مُلَّةِ النَّبي إبراهيم "حنيفاً". النَّبي إبراهيم الذي كان منهجه هو منهج الشك العلمي والبحث والتجريب والمقارنة والاستنتاج وصولاً آخر الأمر إلى اليقين وليس العكس. لكن وعلى الرغم من أنَّ القُرءان يأمر المسلمين أنفسهم أن يكونوا "حُنفاء"، وعلى الرغم من أنَّ الغالبية الساحقة من المسلمين يُردِّدون في كُلِّ مناسبة على أنَّ القُرءان صالحٌ لكل زمان ومكان، إلَّا أنهم مصرُّون لسببٍ أو لآخر على تقييده بفهم السلف له. الفهم الذي قد لا يكونُ خاطئاً، لكنه ابنٌ لزمانه ومكانه وظروفه، والنصُّ القُرءاني هو نصُّ حنيف يتفاعل مع الحركة الحنيفية للإنسان وتطور المجتمعات الإنسانية والبحث العلمي وظروف وشروط ومتطلبات الحياة المتغيرة من عصر إلى عصر ومن جيل إلى جيل.

إنَّ عبارة الدين الحنيف لا تعني أنَّهُ دين صالح لكل زمان ومكان بنسخة واحدة هي شريعة السَّلف، بل تعني أنَّ هذا الدين يمتلك من المرونة والأدوات ما يمكنه من تعديل نفسه وأحكامه وتبديل ثيابه بما يتماشى مع التطور المعرفي وحركة التاريخ والمجتمعات الإنسانية، فالدين واحد لكن صفته الحنيفية هي التي تنتج شرائع كثيرة لا يمكن أن نلخص الدين في إحداها ونسميها وحدها دون غيرها على أنها " الشريعة الإسلامية " والقُرءان الكريم نفسه يقول ( لِكُلٍّ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً )

 

5)    التعامل الاعتباطي والعبثي مع آيات القُرءان: ومردُّه في معظم الحالات إلى هجر المسلمين للقُرءان عمليَّاً رغم تسابقهم إلى ختم تلاوته مئات وألوف المرَّات في سباقٍ ماراثوني، وتفنُّنهم في تلاوته وترتيله وتلحينه، ووصول أعداد الحفظة بما في ذلك أطفال صغار لا يتجاوزون الخمس أو الست سنوات إلى أرقام خيالية، لكن ذلك كله لا يغير من واقع أن القُرءان اليوم هو أكثر الكتب هجراً من قبل المسلمين على الصعيد العملي، وما زال صوت النبي الكريم يتردّد على لسان القُرءان متألِّماً: ( وقال الرسولُ يا ربِّ إن قومي اتَّخذوا هذا القُرءانَ مهجوراً )
فكم لدينا من باحثٍ اليوم على السَّاحة متخصِّص في دراسة القُرءان الكريم والإبحار فيه بشكل جاد ووفق منهج علمي منضبط، ومقارنة آياته ومفرداته، واستخلاص النتائج، والخلوص إلى استنتاجات، وتفسير آياته ببعضها البعض، وتفسير كل مفردة وكل كلمة عبر تتبع أماكن وسياقات ورودها في القُرءان كما يفعل الباحث الإسلامي السعودي " عدنان بن فرحان المالكي "، وكم لدينا من باحث على الساحة متخصص في دراسة لسان القُرءان كما الدكتور محمَّد شحرور أو الباحث الإسلامي سامر إسلامبولي..؟! هم قلّة نادرة وتأثيرهم على الجموع ما زال ضعيفاً جداً تحت وطأة التكفير والاتهامات بالتآمر على الإسلام ومحاولة تدميره وهدم ثوابته إلخ...

 

لذلك ورغم أنَّ كُتُباً ومُجلَّداتٍ قد أُلِّفَت في السيرة والحديث والصحابة والأعلام، وصولاً إلى منح الأزهر الشريف لرسائل دكتوراه حول " فساء الجن "، وكتب مثل " ما يجوز وما لا يجوز في نكاح العجوز " فإنَّ العالم الإسلامي من بسطائه إلى فقهائه ما زال إلى حد اليوم يتعامل مع القُرءان بسطحيةٍ وضحالةٍ فكريَّةٍ ولُغويَّةٍ مخيفة، وأعتقد أن الغالبية العظمى من رجال الدين أنفسهم ما زالوا إلى اليوم لا يُفرِّقون بين النفس والروح، ولا بين دلالة كلمة "قَطَعَ" وكلمة "بَتَرَ"، ولا بين كلمة "بشر" و"إنسان"، ولا بين كلمة "لمستم" و"لامستم".
كل مغالطة من المغالطات السابقة أدَّت إلى كارثة حقيقية إمَّا في إظهار القُرءان على أنَّهُ مناقض لإحدى الحقائق العلمية، أو في الخروج بأحكام إرهابية بربرية على أنها أحكام إسلامية، أو في الخروج بأحكام غير منطقية تناقض العقل
أقتبس فقرةً صغيرة من مقالٍ قديمٍ لي لتتضح الصورة أكثر، على سبيل المثال لا الحصر:
" وإني أتعجب حقاً من تعامل البعض مع القرءان بشكل عبثي واعتباطي لدرجة قراءة وفهم دلالة كلمة لامستم في {أو لامستم النساء} على أنها لمستم رغم أن المبتدئ باللغة العربية يعلم أن الألف في الفعل الثلاثي دلالتها الامتداد في الزمن، فالقتلُ لحظة والقتال يستمر ممتداً عبر فترة زمنية معينة. الدفعُ لحظة والدفاع فعل دفعٍ ممتد ومستمر في الزمن، واللمس من لَمَسَ لمساً، والملامسة مِن لامَسَ ملامسةً، والملامسة حتى في لغتنا المحكية والعامية معناها واضح وهو اللمس المستمر المتواصل

وبالتالي الملامسة هنا ليست المصافحة بل هي اتصال جسدي مستمر لفترة معينة، والملامسة الطويلة بين الجنسين لا يمكن أن تحدث عموماً إلا في الممارسة الجنسية أو مقدماتها ومن الطبيعي أن يحدث حينها على الغالب إفرازات جسدية لدى الطرفين، ومن هنا نفهم لماذا اعتُبِر هذا الأمر مبطل للوضوء، ليس لأن الجنس من النجاسة، بل لأن الوضوء ببساطة وُجِدَ كمفهوم ليعنى بنظافة الجسد من ناحية صحية بحتة "

 

رد على الأمثلة التي أوردها الأستاذ إياد شربجي

في هذه الفقرة سوف أستعرض بعض الأمثلة التي وردت في مقال الأستاذ إياد والتي تتعلَّق بأحكام دينية إسلامية تناقض الإنسانية أو المنطق أو الحداثة، وسوف أقوم بِرَد هذه الأمثلة إلى أسبابها التي سبق وأن استعرضتها في الفقرة السابقة لنعرف من أين أتت هذه الأحكام وما هو سبب تبنيها من قبل الفقهاء أو من قبل المجتمعات المسلمة عموماً، ومن ثم تقديم قراءة تنويرية ومعصرة للآيات القُرءانية نفسها التي ساقها الأستاذ إياد كأمثلة في مقاله

 

التقليل والتبخيس من قيمة الحياة على الأرض:

هذا الفقه في الواقع هو التفاف على مراد المُشرِّع في القُرءان الكريم، فالتركيز على الحياة الآخرة وتعظيمها كقيمة على الحياة الدنيا هو بمثابة ترجيح للأخلاق والفضيلة ومخافة الله على ملذَّات الدنيا وشهواتها وليس المقصود من ذلك تحقير الحياة الدنيا وتجميل الذل والفقر والدروشة إلخ...

عندما ترد كلمة في سبيل الله في القُرءان عادةً فهي تعني مباشرةً: في سبيل الناس. لأن الله غني عن العالمين، وهو ما يؤكد عليه القُرءان الكريم، وإنَّ تفضيل الحياة الآخرة على الدنيا يعني أن يقوم الإنسان بما يرضي الله لكي يكسب هذه الآخرة، بما يعني في نهاية الأمر: تفضيل القيم والأخلاق والمبادئ الإنسانية على المصالح الشخصية والفردية، أو بمعنى آخر: تفضيلُ ما هو سامٍ على ما هو دوني ودنيوي. والمعنى الفلسفي هنا أعمق بكثير من ظاهر النص، وفي النهاية جميع الأديان في العالم من الإسلام للمسيحية لليهودية للبوذية للهندوسية جميعها تقوم على الزهد والتصوُّف –بدرجة أو بأخرى- والرقي الروحي والترفع عن صغائر الأمور

أمَّا تبخيس قيمة الحياة بشكل كُلّي وتجميل الذل والخنوع والفقر فهذا الفقه ليس قُرءانياً ولا ربَّانياً، وليس من الصعب تخمين من هو صاحب المصلحة في الالتفاف على المعاني القُرءانية لتكريس واقع الاستبداد والخوف والتواكل والقناعة السلبية: إنهم أسياد الاستبداد وأمراء الحروب وتجار الدين وتجار السياسة
لذلك نجد في "صحيح مُسلِم" على سبيل المثال لا الحصر الحديث التالي، ولا يصعب على الإنسان المنطقي العقلاني أن يفهم من هو صاحب المصلحة في دس مثل هذه الأحاديث على لسان النبي الكريم:
قال حذيفة بن اليمان قلت: يا رسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: عم، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت، كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع

هذه القناعة تُعّد من أهم قناعات الأشاعرة على سبيل المثال، والمرحوم الشيخ البوطي كان من المدرسة الأشعرية، ولذلك فإن موقفه الذي يعتبره كثيرون موقفاً سياسياً هو في الحقيقة موقف عقائدي!
عموماً عندما يقرأ المسلمون الآية التالية بعمق: ( وأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطرة الناس عليها )
فإن هذه الآية بحد ذاتها مفتاح، وبمثابة ضوء كاشف يمكن تسليطه على أي فهم ديني أو طرح فقهي لمعرفة إن كان طرحاً ربانياً أم شيطانياً بحسب انسجامه مع الفطرة الإنسانية، وقد كتبتُ في ذلك مقالاً منشور على السوري الجديد بعنوان: دين الفطرة الإنسان أولاً وأخيراً

وأقتبس منه فقرة هامة تتعلق بموضوعنا
" فطرة الحياة: وبالتالي فإنَّ أي طرح ديني يرفع قيمة الموت فوق قيمة الحياة هو طرحٌّ شيطاني، وأيُّ طرحٍ ديني يستسهل القتل ويُشرعنه هو طرحٌ كفري، وعلينا التمييز بين الطرح الذي يُعلي قيم الإيثار والتضحية لأجلِ هدفٍ نبيل، وبين الطروحات التي تدفع الناس للتسابق إلى الموت، فهذه الطروحات ليست إلَّا نتاجَ فقهٍ تم تفصيله على مقاس الحُكَّام والسَّلاطين، فيتسابق الجميعُ للموت ليحيا الملك! وتستمر ثقافة الموت في حكم واقعنا اليوم بتوجيهٍ عالمي تقوده مافيات تجار الحروب والأسلحة، ويزداد اختراق الإعلام العالمي ومؤسسات الدين بتلك المصالح يوماً بعد يوم لتنتج ثقافة دينية عنفية تقدّس الموت وتكون داعش نتيجةً طبيعية لها "

 تحريم بهائج الحياة وعلائم رقيها وإبداعها (الفنون والموسيقا والمسرح):

هذا الفهم ليس من القُرءان ولا يصح الاستشهاد بالآية التالية للتدليل عليه كما يفعل الكثير من المسلمين ونوَّه إلى ذلك الأستاذ إياد: ( ومن النَّاسِ من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذابٌ مهين )

ومرَّةً أخرى هذا الفقه الذي يُحرِّم كل ما يرتبط بالفنون والموسيقى والمسرح هو ذاته الفقه العنفي الذي ليس وراء تكريسه إلَّا تجار الحروب والدمار والموت وأرباب الاستبداد منذ ما بعد زمن الدعوة الإسلامية وإلى يومنا هذا

إلغاء مفهوم العدالة والمساواة بين الرجل والمرأة:

وقد طرح الأستاذ إياد آية ( الرجال قوَّامون على النِّساء ) مثالاً، وعندما نسلط الضوء على هذه الآية وجب الانتباه إلى نقطتين رئيسيتين:

النقطة الأولى: هي أن مفهوم الرجال والنساء في القُرءان ليس نفسه مفهوم الذكور والإناث، ونبدأ بكلمة رجُل من الفعل الثلاثي رَجَلَ، بحيث أنَّ الراء والجيم واللام أصل صحيح يدل على المبادرة والريادة والحركة، فنقول رِجل عن العضو الذي يتحرك به الإنسان ويمشي، ونقول ارتجل فلان في أداء دوره في المسرحية، أي خرج عن النص وقام بالإضافة عليه في مبادرة شخصية منه، والرجُل هو ليس نفسه الذكر، فالذكر تسمية فيزيولوجية، أما الرجُل فتسمية وظيفية مرتبطة بدور الذكر –غالباً- في المبادرة والحركة وأخذ الدور الريادي في الحياة في الأسرة والعمل والمجتمع إلخ...

أمَّا نساء فهي جمع كلمة "نسيء" و"النسيء" هو المتأخر من الشيء، لذلك تم استعمال كلمة "نساء" كجمع لكلمة "امرأة" تجاوزاً على اعتبار أنّ الإناث غالباً وخاصةً عند العرب هن من يلعبن الأدوار الخلفية في الحياة

لكن قوامة الرجل على المرأة هنا وخاصةً أن تتمة الآية ( بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) عندما نفهم القُرءان بلسانه العربي المبين ووفق محور المقاصد والعواقب هي قوامة صاحب الدور الريادي في الحياة على صاحب الدور الثانوي الذي يدخل تحت رعاية الأول وعنايته، وهكذا يكون المعنى منطقياً

ثانياً: مقام القوامة هو مقام عناية واهتمام وتدبر لشؤون الآخر، وليس مقام استبداد واستعباد وفوقية واستعلاء، والدليل أن كل إنسان بحسب القُرءان يجب أن يكون قوَّاماً على والديه! فهل قوامة الرجُل على والديه تعني استبداده بهم..؟؟!!!

( يا أيُّها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين )

هناك أمثلة أخرى كثيرة تستحق النقاش دون شك، لكن سوف أتركها لمقال مفصل عن فقه المرأة في الإسلام، وأكتفي بالتنويه لملاحظة هامة هي أن القُرءان وحده دون غيره هو من برَّأ حوَّاء من تهمة الغواية في قصة الخطيئة الأولى ومساواتها مع آدم في ارتكاب الخطيئة، لكن الاسرائيليات عادت لتغزو الثقافة الإسلامية بمفاهيم غواية الأنثى للرجل وخلق حواء من ضلع آدم. هذه التفاصيل مهمة جداً لأن تتبعها يكشف وجود صراع حقيقي بين القيم الإنسانية والحضارية التي جاء بها الإسلام القُرءاني، مقابل القيم الذكورية الاستبدادية التي عادت بثورة مضادة وتم ترسيخها مجدداً من خلال بعض الاسرائيليات والمرويات المشبوهة مثل: (المرأة تقطع الصلاة مثل الحمار والكلب الأسود) أو (معظم أهل النار من النساء) أو (معظم النساء في النار) أو أن (المرأة ناقصة عقل ودين ) 

 منح الرجل حق إشباع شهوته الزوجية والنكاح كيفما يشاء داخل وخارج مؤسسة الزواج:

ويستحضر الأستاذ إياد آية ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع )

هنا أود أن أوضح أنَّ القُرءان لم يُشرِّع التعدُّدية الزوجية، بل على العكس تماماً كانت هذه الظاهرة منتشرة ومتفشّية قبل ظهور الإسلام المُحمَّدي، وجاء القرءان ليعالج هذه الظاهرة بوضع ضوابط وحدود لها أولها تقليص عدد الزوجات إلى أربع، وثانيها شرطٌ صعب في أن يكون هذا الزواج لأجل كفالة الأرامل واليتامى، وثالثها شرطٌ أقرَّ القرءان باستحالته المطلقة هو شرط العدل، وهو ما يبقي الرجل آثماً طوال حياتهطالما أنه سيفشل يومياً وعلى مدار الساعة في تحقيق هذا العدل
لا نستطيعُ أن نقول بأنَّ القرءان حَرَّمَ التعدُّدية لأنَّهُ لا تحريم إلَّا بنصٍّ قرءانيٍّ صريح، لكننا لا نستطيع بالمقابل أن نزعم بأنَّ التعدُّدية من الإسلام أو أنَّ الإسلام حثَّ أو حَضَّ أو شجَّعَ عليها، بل إنَّ القرءان لم يعتبرها إلَّا ظاهرةً سلبية تستدعي المعالجة وجاءَ بآليةٍ يمكن من خلالها تقليص الظاهرة باتجاه القضاء عليها نهائياً مع الزمن
أمَّا لماذا، فلأنَّ القرءان لتحقُّق صفة الحنيفية به ترك الباب موارباً في كثيرٍ من القضايا تيسيراً ورحمةً بالعباد واستيعاباً للكثير من الظواهر الإنسانية والأشكال والأنماط المختلفة من العلاقات الإنسانية التي قد تنشأ أو تتطور أو تزول أو تقتضي الحاجة لزوالها عبر الزمن، ولأنَّ القرءان بعكس ما أراده غالبية جمهور الفقهاء لا يتدخَّلُ بشكلٍ مباشر في العلاقات الإنسانية بل يضع ضوابط لها ويسعى إلى تنظيمها لكن يبقى الأصل في العلاقات هو القبول والتفاهم المتبادل والمنفعة المشتركة طالما أن ليس فيها ضرر لأحد

آيات القتل والقتال: وهي كثيرة ولكن..!!
لا يوجد دستور دولة في العالم لا يتضمن بنداً يؤكد على حق الدولة في استعمال القوة للدفاع عن نفسها ضد أي خطر خارجي يتهددها، ويؤكد على حقها المشروع في التصدي لأي اعتداء خارجي على أراضيها، وقد تكون هناك فقرات أخرى في الدستور تشرح كيفية الإعلان عن التعبئة العامة وما هي الإجراءات الواجب اتخاذها وما هي الأسلحة التي يمكن استعمالها في الحرب إلخ...
ولا داعي في مقدمة كل فقرة للتذكير أن سياسة الدولة تقتضي بأن لا تدخل إلا في حروب دفاعية طالما أن هذا الكلام قد ورد في فقرة واضحة وصريحة في الدستور

وكذلك تماماً هو الأمر بالنسبة للقُرءان، فهناك شرط واضح وصريح للقتال: ( يا أيُّها الذين آمنوا قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )
هذه الآية هي آية محكمة صريحة حددت شرطاً واضحاً للقتال، وبالتالي فإن أية آيات أخرى عن القتال أو استخدام القوة مهما كان سياقها يجب أن نستحضر مباشرةً عند قراءتها الآية التي حددت شرط القتال بالدفاع عن النفس، ونقوم بإدراج تلك الآيات تحت العنوان الرئيسي ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )
أما المحاججة بآيات القتال الأخرى وتجاهل هذه  الآية فهو يندرج تحت عنوان اقتطاع الآيات من سياقها 

التغني ببطولات المسلمين في الحروب والفتوحات والغزوات:
إنَّ أدق ما يمكن أن أكتبه في وصف الفتوحات الإسلامية هو أنها ببساطة: "محور تاريخي
إدراك هذا وحده يكفي لأن نضع هذه الفتوحات أو الغزوات أو أياً كان اسمها في إطارٍ صحيح عند دراستها وهو إطار التاريخ.. أي أن نرفع عن هذه الظاهرة التاريخية صفة المصدرية الدينية أو جعلها محوراً دينياً سواءً في نقدها أو الإثناء عليها 
عندما ندرك أن هذه الظاهرة محور تاريخي فإن ذلك يعني بأنها ليست حروباً مقدسة ولا شخصياتها شخصيات مقدسة فهم ليسوا معصومين عن الخطأ ولا خطاؤون بالمطلق إنما بشر سرت عليهم قوانين التاريخ وسنن الحياة وتطور المجتمعات من صراع على السلطة والمال والنفوذ، وهم بشر تمسكوا بالكثير من المبادئ وحاولوا ان يطبقوا دينهم وأخلاقهم وفي نفس الوقت نالت منهم في كثير من الأحيان شهواتهم ومصالحهم وطباعهم البشرية، ودراسة أفعالهم يجب أن تكون دراسة نقدية تاريخية تأخذ بعين الاعتبار حركة التاريخ وقوانين المجتمعات الإنسانية وقوانين الحرب السائدة في زمان ومكان تلك الأحداث

فيجب: 
- ألَّا ندافع كمسلمين عن فكرة الفتوحات أو نحاول إيجاد تبريرات أخلاقية لها لأنها تناقض القرءان الذي جعل القتال حكراً على رد العدوان 
- ويجب في المقابل ألا يحاكم الناس الإسلام ويحكموا عليه من تصرفات المسلمين، بل من دستوره وكتابه وهو حجة على تصرفات المسلمين وليست تصرفات المسلمين حجة على كلام الله في كتابه

تكفير المسيحيين:

واستحضر الأستاذ إياد آية ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة )
في الواقع علينا مرةً أخرى أن نكف عن التعامل بعبثية واعتباطية مع آيات القُرءان، وهذا الكلام ليس موجهاً للأستاذ إياد فهو استحضر التفسير السائد –وتقريباً الوحيد-، بحيث من المستغرب أنه بعد 1400 سنة من الدعوة المحمدية ما زال جمهور فقهاء المسلمين عاجزين عن توضيح الفارق بين " الفاعل " و " الصفة المشبهة باسم الفاعل " في اللغة العربية
فليس كل من أمسك قلماً وخط كلمتين على ورقة أو دفتر أصبح اسمه كاتباً، بل إن الكاتب هو من يواظب على الكتابة ويمتهنها ويتقن أبسط حيثياتها ويمارسها بشكل دوري ومستمر، والكثير من الصفات التي يجب أن يتحلى بها الإنسان لتطلق عليه صفة كاتب كصفة مطلقة. أما أن نقول كتب فلان فهو كاتب، فإن كلمة كاتب هنا هي اسم فاعل تدل فقط على من قام بالفعل وليس صفة مطلقة.

كذلك هناك فارق كبير بين أن نقول أن فلان قد "كفر"، أي ارتكب أحد وجوه الفكر، ومعناه في القُرءان واللسان العربي مرتبطة بالجحود والتغطية القسرية على الحقيقة، أو أن نقول بأن فلان "كافر".
فالقُرءان تناول عقيدة التثليث واعتبرها عقيدة كفرية أي منافية للحق والحقيقة، وهو موقف فكري من ذلك الاعتقاد، ولا يعني بأن القُرءان أطلق صفة "كافر" بشكل مطلق على كل من حمل هذا الاعتقاد
ويمكن البحث عن مقال لي على الغوغل متوفر على عدة مواقع بعنوان: المسيحيون ليسوا كفاراً ومن يقول بغير ذلك يكذب على لسان الله
فهو يشرح هذه الفكرة بالتفصيل

طبعاً الأمثلة الواردة في مقال الأستاذ إياد أكبر عدداً من أن يتم نقاشها في مقال واحد، كما أنه كان بودي أن أخصص مساحة أكبر لكل مثال من الأمثلة التي تطرقت إليها لأنها في الواقع مسائل أعمق وأعقد وأكثر حساسيةً من أن يتم استعراضها بهذا الشكل المختصر، لكن يمكن اعتبار ما سبق مجرَّد إضاءة على نقاط جدلية كان من الضروري لفت النظر إليها في مقال الأستاذ إياد، ومن الضروري أكثر لفت النظر إلى إمكانية تداول تلك النقاط من زاوية رؤية أخرى أكثر إنسانيةً وحداثةً ومعاصرة، والتنويه إلى دور المفكرين التنويريين الجدد في محاولة إحياء القيم الإنسانية والعالمية في الإسلام، كما فعلت في مقالي

ويبقى للقارئ أن يقوم بمقاطعة المعلومات وأن يعرضها على عقله ويجتهد ويبحث لتكتمل لديه الرؤية أكثر ويصل إلى أكبر مقاربة ممكنة للحقيقة
وأختم بتوجيه كل الشكر للأستاذ إياد على محاولته الجريئة ولفريق موقع السوري الجديد لاهتمامه بهذه القضية الهامة والحساسة التي لم يعد تناولها مجرَّدَ ترفٍ فكري بل حاجةً مُلحَّة أكثر من أي وقت مضى

 

 

التعليقات

كلام نقي يستحق التمعن!

علِّق